الثلاثاء , يوليو 16 2019

فيرن: لم أتظاهر -بأي شكل من الأشكال- أنني عالم

في مدينة (نانت) الفرنسية، ولد (جولي جابرييل فيرن) مطلع عام 1828م، لأب يعمل محاميًا، وأراد للابن أن يكون مثله، فأرسله إلى مدرسة داخلية، ومنها إلى (باريس) لدراسة القانون.

هناك عاصر الشاب الأحداث الكبرى مثل صعود (بونابرت) وإعلان الإمبراطورية، إلا أن ندّاهة الخيال انتصـرت، ونزعته من هذا كله إلى أجواء أخرى أرحب.. إلى تجارب أولية في الكتابة بكافة أشكالها.. ما بين النثر والشعر والمسـرح، بالإضافة إلى تردده على الصالونات الأدبية.

هناك التقى عددًا من الشخصيات المؤثرة في حياته، على رأسهم الكاتب الشهير (ألكسندر دوماس) مؤلف روايتي (الفرسان الثلاثة) و(الكونت دي مونت كريستو)، علاوة على المخرج (جول سيفست) الذي دبّر له عملًا إداريًا في أحد المسارح، بالإضافة إلى الصحفي (بيتري شوفالييه) سليل نفس مدينة (نانت)، وفي نفس الوقت، رئيس تحرير دورية (familles de Musée).

ومنه علم (فيرن) بحاجتهم إلى مواد تبسيطية للعلوم (سواء مقالات أو قصص)، فيمكن اعتبارها أول خطوة على الطريق الذي شقّه (فيرن) لنفسه. حيث قدم له -ضمن ما قدم- قصة بعنوان (أسبوع في منطاد)، جمعت بين المغامرة الأدبية والخلفية الموسوعية، يُقال أنه تأثر فيها بـ(إدجار آلان بو).

أنهى الشاب دراسته للقانون، لتنفد قدرته على إتباع رغبات والده أكتر من ذلك، فرفض الالتحاق بسلك المحاماة، واستمر بعمله في المسـرح، وإن ظلت عينه على احتراف الكتابة، لكن حتى ذاك الحلم لم يتحقق بسهولة؛

فقد عرض مسودة روايته الأولى على أكثر من دار نشر، قابلوها جميعًا بالرفض، حتى شارف (فيرن) على اليأس تقريبًا، غير أنه تعثر -أخيرًا- في الناشر (بيير هاتزيل)، فصدرت الرواية التي نعرفها -جميعًا- تحت اسم (خمسة أسابيع في منطاد).

أدى نجاح الرواية إلى ارتباط الاثنين بعقد طويل المدى، نتج عنه سلسلة الرحلات الاستثنائية (Extraordinaires)، التي تضمنت روايات مثل (عشرون ألف فرسخ تحت الماء)، (رحلة إلى مركز الأرض)، (مغامرات الكابتن هاتيراس)، وغيرها، جمع بينها: التشويق/ تنوع مسارح الأحداث/ خلفية ثرية من المعلومات العلمية والجغرافية لدرجة تؤهلها أن تكون دليلًا موسوعيًا.

يقول الأميرال (بيرد):

-«فوق القطب الجنوبي، كانت مؤلفات (فيرن) ترشدني أثناء رحلتي».

عام 1867م، استغل الأديب أحواله المادية المنتعشة. قرر ألا يكتفي بالرحلات الخيالية، فاشترى سفينة صغيرة أطلق عليها (سانت ميشيل)، أبحر بها حول العالم.

وفي عام 1905م، وصلت الرحلة إلى محطتها الأخيرة بالسماء، ليغادر المغامر (جولي فيرن) عالمنا.

استمر الخيال العلمي الفرنسي بعده، ليقدم أسماء مثل (جوستاف لروج) و(جان دلاهير)، (لاندره موردا)، ومع ذلك لم يصل أحدهم إلى شهرة الرائد (جولي فيرن).

عندما يضع النقاد (ويلز) على الميزان في مقابل (فيرن)، باعتبار أن الأول مجرد حكواتي مسلي، بينما قدّم (ويلز) أعمالًا أكثر عمقًا وإنسانية.

كلام منمق، ولا أستطيع الاعتراض عليه، غير أنني لا أستريح للتعامل مع “التسلية” على أنها “سُبّة”، بل أراها هدفًا راقيًا بما فيه الكفاية، أما عن مقارنتها بأعمال أكثر فلسفية، هذا إهانة للأخيرة أكثر منها شيئًا آخر.

بينما لو أخذنا رأي (فيرن) نفسه، سنجده قد أعلن بوضوح أن هدفه اقتصـر على المغامرة فحسب، ولما كان عصـره متأخرًا علميًا، أسرع الفرنسـي الجامح إلى ارتجال تقنيات خيالية يستكمل بها الصورة، فارتبطت أغلب نبوءاته بـ”وسائل انتقال” غالبًا، وليس بقضية المغامرة نفسها. بمرور الوقت، تراكم هذا الزخم التنبؤي الذي صار مضربَ المثل حتى الآن.

رغم ذلك، نراه يتعامل مع المسألة بتصالح شديد، فينفي-في أغلب اللقاءات- استهدافه استبصار أي شيء، أو حتى أي بُعد علمي مقصود؛ إذ يقول صراحةً:

-«لم أتظاهر -بأي شكل من الأشكال- أنني عالم».

في مقابل هذا التواضع، يصف (آرثر كلارك) رواية (من الأرض إلى القمر) -مثلًا- بأنها:

-«مسودة لمشـروع فضائي، واجهت جميع الصعوبات التكنيكية، وقامت بمحاولة جريئة لحلها».

ليس (كلارك) وحده، اعترف الأديب الروسي العظيم (تولستوي) بأن أعمال (فيرن) تسحره. وانضم إلى ركب المعجبين أسماء على غرار الفنان التشكيلي العالمي (سلفادور دالي)، ومخترع الغواصة (سيمون ريكو) وغيرهم.

ختامًا، كي تكتمل الصورة عن (فيرن)، لا يسعنا إلا أن نذكر جانبها الاجتماعي، على حد وصف (محمد عبد الله الياسين):

-«أضف إلى ذلك حياة عائلية قلقة، وابنًا عاقًا متهورًا؛ فزوجته كانت تتهمه بالهوس والجنون، وابنه أطلق النار على عمه (أخي جولي فيرن)، ورغم ذلك، استطاع أن يحوز الشهرة والمجد في فرنسا والعالم، وعندما توفي.. خرجت فرنسا خلف جنازته وشيعته كأنه قديس راحل».

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى)