الثلاثاء , أكتوبر 15 2019

(فوتون): قصة خيال علمي قصيرة- هبة الله محمد.

كان القلق يأكلني، قضيت اليوم كله بعد العودة من العمل في التجول داخل المنزل، أفتح الثلاجة وأحدق داخلها بلا هدف.

أدخل وأخرج من الحجرات بجسدي فقط بينما عقلي في مكان آخر، اعتقد أنني قد أصطدمت بوالدتي عدة مرات ولم أعتذر، أو أستمع لتساؤلاتها حول ما حل بي، وعندما حل موعد النوم رحت أتقلب من جانب لآخر كسمكة في مقلاة، وشعرت بأن رأسي تحول إلي خلاط أسمنت من كثرة ما دار داخله من أفكار.

أسوأ شيء في العالم أن تشعر أنك مغفل، والأسوأ أن يكون من يستغفلك هو أكثر من تضع ثقتك به، حمار غبي طويل الأذنين أنا لو كان ما أفكر به صحيحًا، الحقيقة أنني كنت بدأت أشك في زميلي بالعمل.

بالمصادفة لمحت ورقة بها سعر بعض المستلزمات الحديثة التي اشتريناها وأدركت أن السعر المكتوب أكثر بكثير من سعرها الحقيقي، أعرف هذا طبعًا بحكم كوني اعمل في هذا المجال لكن غيري من الخارج لن يعرف بهذه البساطة، دعك من أن تغير سعر الدولار في الفترة الأخيرة يجعل إخفاء مثل هذا العبث أسهل، وتذكرت أنهما كانا يوفران علي عناء تلك الأمور المالية لأنهما يعرفان أنني اكرهها، والآن أفكر هل كان الأمر كذلك فعلا أم أنهما كانا يتعمدان استبعادي فعلا، وأنا الذي كنت امضي على الورق دون أن اقرأ، تبا، كنت أمضي بينما كان يختم على قفاي!!

وكما يفعل أبطال المسلسلات الهندية رحت أتذكر الكثير من المواقف التي ربطتني بهما وأفسرها بتفسير مختلف، تفسير جديد يعتمد على ما صرت أشك به!

أمسكت هاتفي ورحت أعبث به في الظلام بعصبية، وأنا أفكر في تلك المرأة التابعة لإحدى الشركات والتي تزورهما كثيرا ويقيمان معها اجتماعات مغلقة لا أحضرها، لماذا؟

لقد باتت الإجابة واضحة لأنني أغبى شخص بالعالم كله!!

كانا يقولان أنهما يفضلان العمل معها لأن شركتها من أفضل الشركات، ولأنها تسهل عليهما العمل كثيرا، ترى أي نوع من التسهيلات كانا يقصدان؟!

السيارة الفاخرة، الشقة الجديدة، هل كانت نتاج أعمالهما الخاصة كما يدعيان!!

اللعنة، كان رأسي موشك علي الانفجار!!

يجب أن أحاول ترتيب أفكاري؟

ما علاقة علاء وهشام بعلا الزيني؟

أعتقد أن وراء هذا إجابة هذا السؤال تكمن معظم الحقيقة، اكتشفت أنني من فرط تشتتي كتبت السؤال فئ عدسة محرك البحث بدلا من مفكرة الهاتف كما كنت أريد، لكن ما جعلني أتجمد هو أنني عندما ضغطت بالخطأ زر البحث وجدت إجابة تظهر؟

ضغطت على أول نتيجة ظهرت في محرك البحث، كنت أعرف أنني أتصرف بحماقة، لكن لا أعرف ما الذي جعلني انقاد لهذا الجنون.

علاقة علا الزيني بعلاء وهشام هي علاقة عمل شرعية وغير شرعية وربما هي أكثر مما تتخيل!

ابتلعت ريقي بصعوبة، ما معنى هذا؟ كيف يمكن أن..؟ لابد وأن التوتر قد أفقدني عقلي.

قديما كانت أتمنى لو أستطيع أن أجد كل ما أبحث عنه في محرك البحث، كأن أكتب، أين يوجد جهاز التحكم للتلفاز؟

فيخبرني جوجل بمكانه، مثلما كانت أختي تخبر أمي بما سيحدث في الحلقة القادمة من المسلسل التركي بعد بحثها عنه علي الإنترنت لكن.. هذا هراء!!

لكن السؤال والإجابة كانا يحدقان بي في سخرية لاذعة، كان الموقع الذي ظهرت عليه الإجابة يبدو كمدونة حديثة الإنشاء، حاولت الانتقال إلي الصفحة الرئيسية فيها لكن ظهرت رسالة، الصفحة غير موجودة، ضغطت زر التراجع إلي الخلف، اكتشفت أنني متواجد في موقع بحث آخر، ليس هذا جوجل، ولا أي موقع أعرفه على ما أظن اسمه فوتون، اعتقدت أن المقصود هو أن الموقع يبحث بسرعة الضوء، وتجاسرت لأكتب السؤال التالي:

ما الذي اتفقا عليه في اجتماع 23/10 مع علا الزيني؟

وظهرت الإجابة في أولى نتائج البحث:

صفقة الأجهزة الجديدة التي ستدخل الشركة أسعارها غير حقيقية، اسم الشركة المدرج في الفواتير ليس هو الحقيقي، الشيكات ستصرف باسم علا الزيني، وستتقاسم المكسب مع علاء وهشام، أكرم سيوقع الأوراق!!

وأكرم بالطبع هو أنا!

كان الأدرينالين في دمي الآن قد بلغ أعلى معدلاته وشعرت أنني قادر على العدو بسرعة فهد من فرط التوتر الذي كنت أحسه، خرجت للصالة ورحت أبحث في الأدراج عن دواء مهدئ كانت أمي تستعمله في حالات الضرورة، ابتلعت قرصين مع كوب من الماء،لا يجب أن أفكر بشيء الآن، سأموت بالنزف الدماغي لو استمررت هكذا، أيهما أسوأ معرفة حقيقة هشام وعلاء أم التفكير في موقع البحث الشيطاني هذا لم أكن أريد أن أفكر؟!!

جعلني هذا المهدئ أسقط في النوم دون أن أشعر، لكنني استيقظت محطم الأعصاب، رأسي يدور كأنني كنت نائم في مدينة للملاهي، أعتقد أن يدي كانت ترتجف وأنا أضع كوب الشاي على مكتبي في الصباح، أمسك علاء بكتفي وسألني أن كنت علي ما يرام؟

أخبرته أنني لم أنم جيدًا فقط، فضحك وأخبرني ماذا سأفعل إذن عندما يغدو لدي أولاد مثله!

– أنت الآن تعيش في نعيم لا تعرف قيمته!

عرض علي كوب من القهوة لكنني كنت أشعر بمزيج من الغيظ والاشمئزاز، كل شيء فيه نبت من حرام حتي كوب القهوة هذا ورائحة عطره الثقيلة، وتذكرت أنه وضع يده على كتفي فرحت انفضه دون وعي!!

لا أعرف كيف مر ذلك اليوم، لكنني كنت كالمغيب اغلبه، كل كلمة وكل همسة منهما قد صار لها معنى جديد في أذني، لم أستطع أن أنجز عملا مفيدا، كان كل ما أفكر به هو كيف أستطيع أن أثبت شيء عليهما، هما لصان بارعان جدا كما يبدو والفواتير تخرج بصورة صحيحة، اللعنة عليهما!!

عندما عدت إلي المنزل كان أول ما فعلته ان فتحت جوالي بحثًا عن موقع البحث الغريب الذي ظهر لي بالأمس، وكتبت

ما الأدلة على تورط علاء وهشام؟

والمدهش هو ما ظهر لي، تسجيل صوتي بين علاء وعلا الزيني يتفقان علي الصفقة ونسبة كل منهما، صور الفواتير التي تم التلاعب بها، صور من المبالغ المودعة في حسابات كل منهما متزامنة مع الفواتير، رحت أنزل كل شيء على جوالي في لهفة، ثم دار السؤال التالي في ذهني فتراجعت إلي الخلف وكتبت بأصابع مرتعشة:

لماذا ساعدتني و من أنت؟

وأكملت في ذهني، أو ما أنت؟

وراحت صفحة الإجابة تظهر في بطء بدا لي محطما للأعصاب:

أنا الذي يعرف كل شيء عنكم يا من تحسبون أنكم تعرفون كل شيء، أنا موجود في كل مكان حولكم في ضوء الشمس، في إضاءة الحجرة وجزء مني يسبح داخل شبكتكم العنكوبتية تلك كي يشكل هذا الموقع الذي تجد فيه إجابات لاسئلتك.

بعضكم ينكر وجود خالقكم ذاته فكيف تصدقون في وجودي، أنتم لا تصدقون سوى ما تراه أعينكم وأجهزتكم القاصرة!!

هل فكرت يوما كيف يضيء جسد قنديل البحر، تلك الفوتونات الحيوية بداخله ألا يمكن أن تكون حية بخارجه، لم يستطيع القنديل دون باقي الكائنات أن يجدد شبابه!

ألم تفكر في أن الضوء من حولك يمكن أن يكون كائنا حيا وليس جمادا كما تحسبونه؟ لو وجدت إجابات لتلك الأسئلة فربما تعرف حقا من أنا.

لماذا ساعدتك؟

لأنني أكره الظلام والوحل!!

بالطبع قدمت بلاغي في اليوم التالي مع المستندات وأدين الاثنين، عرفت أن هشام قد صنع مدونة على الانترنت بها كل ما يدين علاء خوفا من غدره وأنها كانت مغلقة بكلمة سر، وأنه اعتقد أن الجهات الرقابية اخترقت مدونته وأتت بالأدلة منها. أفكر ربما كان هذا تفسير ما ظهر لي، ربما أزال علاء كلمة السر بطريق الخطأ

أو أزالها ونسي وضعها ثانية، أفكر في هذا وأنا أحاول الوصول إلى محرك البحث الغريب دون جدوى، وتظهر لي رسالة تفيد أن الموقع غير موجود، لكنني صرت أخاف الضوء أكثر من الظلام، وارتعش كلما ضغطت زر الإضاءة وأنا أفكر في تلك الفوتونات الحية التي تراقبني وتعرف كل شيء!!

(تمت)

عن لأبعد مدى