الإثنين , أغسطس 19 2019

فلكلور الرعب العربي: (9) التنبؤ بالغيب جـ 1

منذ وجود الإنسان على وجه الأرض، وهناك أسئلة كثيرة تلح عليه لربما كان أكثرها شغفًا بالنسبة إليه هو معرفة الغيب وما سيقع في قابل الأيام. ولا يزال هذا الهاجس مسيطرًا على عقول البشر بشكل أو بأخر.

ولا أدل على ذلك من أبواب حظك اليوم في الصحف وقنوات متخصصة في قراءة المستقبل ودجالين ومشعوذين يدعون قراءة الطالع ويجدون رواجًا لا بأس به، يشجعه على عمل المزيد من الدعاية لهم حتى صار أي اسم مصحوبا بلقب (المغربي) هو دليل دامغ على أن صاحبه دجالا يدعي علم الغيب.

وقد كان العرب القدامى مثلهم مثل باقي أمم الأرض يهتمون بما غاب عنهم ويجتهدون في إدراكه والتوصل لعلمه فظهر فيهم كثير من المعتقدات العجيبة والأوابد المضحكة ومن أمثلة هذه المعتقدات اعتقادهم بالرتم.

والرتم هي شجرة مشهورة عند العرب كان الرجل إذا أراد الخروج إلى سفر عمد إلى غصن منها فيعقده ثم يسافر وإذا رجع نظر إلى الغصن فإذا وجده أنحل قال: خانتني امرأتي. وإذا وجده معقودًا، قال: لم تخني.

لمن شاهد فيلم فجر الإسلام فإنه سيتذكر مشهدًا مشابهًا، لا أعتقد أن أغلب من رأوه قد فهموا مغزاه والمراد منه.

أما عن المستقبل وما سيحدث فيه فقد كان هذا علمًا مستقلًا دعي بالكهانة، واستحوذ عليه طائفة من الناس عرفوا عند العرب بالكهان، فيا ترى ماذا كان حظ العرب القدامى من هذا العلم العجيب ومن هم أشهر شخصياته وما هي اشهر قصصهم وتنبؤاتهم؟

وما هو موقف الإسلام من الكهانة وما حال الكهان بعد زهور الإسلام وأشهر من أسلم منهم وقصة إسلامه؟

هذا ما سوف نجيب عنه بمشيئة الله في هذا المقال.

الكهانة

الكهانة هي ادعاء معرفة الغيب وبالأخص معرفة المستقبل، ومنها القول: تكهنت بما سيحدث، أي تنبأت بما سيحدث مستقبلًا.

لكن التكهن قد يعني التوقع الذي يحتمل الصواب أو الخطأ أما الكهان فكانوا يدعون علم الغيب مطلقًا دون خطأ ولهم في ذلك قصص وأعاجيب.

والفرق بين الكاهن والساحر أن الكاهن يختص بمعرفة الغيب وما سيحدث في قادم الأيام أما الساحر فهو من يدعي الضر والنفع بعمل الأعمال وتسخير الجان.

وقد يطلق لفظ ساحر على الكاهن أيضا على سبيل التغليب نظرا لاستخدام الاثنين للجن والشياطين.

ويطلق أيضا لفظ عراف على الكاهن وان اختصت العرافة بمعرفة الغيب القريب مثل أن يعرف من سرق كذا أو من فعل كذا وهي أمور واقعة في الماضي أما الكاهن فيختص بمعرفة المستقبل.

قد كان للقبائل “كهان” تلتجئ إليهم في الملمات، لتستشيرهم وتعمل برأيهم في الغزو والحرب، يسيرون معها، وقد يقودونها في المعارك.

– هل يعلم الكهان الغيب؟

الثابت شرعًا أن علم الغيب أحد الأشياء التي أخفاها الله عن علم البشر، ولكنه ربما يسمح بإطلاع بعض البشر عليها إما كرامة لنبي كقوله تعالى (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدًا)، وهذا من باب معجزات الأنبياء كالإنباء بالغيب شهادة على صدق النبي.

وإما فتنة لساحر أو كاهن عن طريق استراق الجن السمع كما سيأتي بيانه، ويكون ذلك لحكمة إلهية ولكنها تدور حول اختبار إيمان البشر.

فإجابة السؤال: نعم بعض الكهان كان يعلم بعض الأمور الغيبية والمستقبلية كما تواترت بذلك القصص والآثار المروية عن كثير من الكهان في الجاهلية ونبوءاتهم المتعدية للأزمان ولكنها معلومات قليلة مخلوطة بكثير من الكذب وأسباب ذلك سأقوم بتفصيلها.

– كيف يعلم الكهان الغيب؟

كان العرب يعتقدون أن لكل كاهن رئي أو تابع من الجن وان هذا الرئي هو من يطلع الكاهن على أسرار الغيب، وعندما جاء الإسلام أقر هذا المعتقد ووضحه بأن الشياطين كانت تطير حتى تصل إلى السماء الدنيا فتسترق السمع فتسمع بعض ما تقوله الملائكة ثم ينزلون فيوحون بهذه المعلومات إلى الكهان ويخلطون مع كل معلومة صحيحة مائة معلومة كاذبة فيصدف أن تتحقق المعلومة الصادقة فينسى الناس المائة كذبة ولا يذكرون إلا المعلومة الصادقة فيزيع صيت الكاهن ويشد إليه الناس الرحال طمعا فيما عنده من علم الغيب، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم منعت السماء وحرست فلم تعد الجن تستطيع استراق السمع او معرفة الغيب.

ومن ذلك قوله تعالى (وإنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا.. وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابًا رصدًا).

والكلام هنا على لسان الجن وحالهم بعد البعثة النبوية وقولهم لمسنا السماء أي التمسنا أخبارها.

سجع الكهان

السجع هو لون من ألوان الخطابة حيث يقول الخطيب كلامًا موزونًا متشابه النهايات حتى يضفي على قوله جمالًا وحكمة مثل قول قس بن ساعدة (أيها الناس أنه من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت.. إلخ).

ولكن السجع لم يكن هو الأسلوب الغالب على خطب العرب، إلا أن الكهان استأثروا بهذا الفن في كلامهم وسرد تنبؤاتهم حتى أصبح السجع علامة على كلام الكاهن، وأصبح لا ينبئ بشيء إلا بقول مسجوع منغم مملوء بالرموز والإشارات.

وكان الدافع للكاهن من السجع ليس إضفاء الجمال على كلامه كما هو حال خطباء الجاهلية وإنما الغرض منه إضفاء التلغيز والغموض على نبوءاته فيصبح لكلامه أكثر من معنى حتى إذا لم تتحقق نبوءاته وفق مراده وجد مخرجًا من ذلك، بتأويل كلامه الملغز إلى معنى آخر غير مراده.

ومن أمثلتها قول الكاهن الخزاعي في التحكيم بين هاشم وامية (والقمر الباهر والكوكب الزاهر والغمام الماطر، وما في الجو من طائر، وما اهتدى بعلم مسافر، لقد سبق هاشم أمية إلى المآثر ولأمية أواخر)، لاحظ الكلام المنغم المسجوع وحكمه لهاشم ولكنه يترك الباب مواربًا فيثني بأن الأواخر لأمية، ويستشهد البعض بأن الكاهن قد تنبأ بملك بني أمية ولكن الغالب على ظني أن الأمر من باب إمساك العصا من المنتصف حتى إذا ساد أحد الرجلين على الآخر كانت نبوءته صحيحة.

حاول أن تلاحظ هذا السجع في كلام الكهان اللذين ستأتي قصصهم فيما بعد أن شاء الله.

خبيئة الكاهن

وخبيئة الكاهن هو شيء أقرب للقانون عند العرب، حيث كان العرف أن من أراد أن يأتي كاهنًا ليسأله عن أمر غيبي أو عن تفسير رؤيا يختبره أو لا ليعلم أن كان فعلًا على علم أو هو نصاب ومدعي، فكان الاختبار الشائع وقتها هو اختبار الخبيئة حيث كان الرجل يخبئ خبيئة للكاهن، ثم يسأله أولا عن الشيء المخبوء وأين هو فإن أجاب الكاهن عن ذلك ثبت أنه على علم خارق للطبيعة.

وفي حالة إن كان المطلوب هو تفسير رؤيا كان السائل يختبر الكاهن بأن يقول له: قل ماهي الرؤيا التي رأيتها وما هو تفسيرها!

وهذا من أعجب العجب فكيف يعلم الكاهن برؤيا رآها إنسان في نومه دون أن يخبره عنها؟

ولكن العجيب أننا نجد في معظم هذه القصص أن الكاهن ينجح في معرفة هذه الأمور الغيبية ويجتاز اختبار الخبيئة.

سنجد أمثال هذه الاختبارات في قصة عتبة ابن ربيعة مع الكاهن اليمني وقصة هاشم وأميه مع الكاهن الخزاعي.

وامتحان “عبد المطلب” للكاهن “ربيعة بن حذار الأسدي” حين اختصم مع “بني كلاب وبني رباب”.

واختبار ربيعة بن مضر اللخمي لكلا من شق وسطيح.

بل أن النبي صلى الله عليه وسلم في قصته مع ابن صياد قال له اني قد خبأت لك خبأ، وسيأتي بيان هذه القصص فيما بعد بمشيئة الله.

صفات الكهان

كان كثير من الكهان ذوي صفات جسمانية شوهاء أو ناقصة وإن كانت عقولهم حادة الذكاء وقريحتهم عامرة وبديهتهم حاضرة، حتى أن المسعودي جعل صفات الكاهن كالتالي:

(حدة الأذهان مع نقصان الأجسام وتشويه الخلق، من جملة العوامل التي دفعت على التكهن والإخبار عن الغيب).

وضرب مثلا على ذلك: (شق، وسطيح، وسملقة، وزوبعة، وسديف بن هوماس، وطريفة الكاهنة، وعمران أخي مزيقياء، وحارثة، وجهينة، وكاهنة باهلة وأشباههم من الكهان).

ويقول القلقشندي في صبح الأعشى أن الكهان لا يلبسون المصبوغ من الثياب، والعرافين لا يدعون تذييل قميصه وسحب رداءه، أي يطيل ثوبه حتى يكون كالذيل يجره وراءه.

حلوان الكاهن

الحلوان هو عطية أو أجر أو مكافأة كان يعطيها السائل للكاهن مقابل كهانته وتنبؤه، وكان العرف الغالب أن الكهانة لا تكون ولا تصح إلا بتقديم شيء للكاهن، لأن التابع لا يرضى بالتنبؤ إلا إذا رأى حلاوة التنبؤ.

وعندما جاء الإسلام نهى عن الكهانة وحلوانها وجعل حلوان الكاهن من الأموال المحرمة والسحت الواضح الذي لا يجوز أكله.

أشهر كهان العرب

على مدى تاريخ العرب القديم نبغ في هذا الفن عشرات وعشرات من الكهان اللذين وصل بعضهم لمراتب أسطورية، جعلت بعضهم يعبد بعد موته ويصبح بيته وثنا يعبد كما سيأتي في قصة ذو الخلصة.

وسنذكر هنا بعضا من أشهر هؤلاء الكهان رجالًا كانوا أو نساء فمنهم:

شق بن صعب اليشكري، وسطيح بن ربيعة الذئبي، وأوس بن ربيعة، والخمس التغلبي، وعزى سلمة الكاهن، ونفيل ابن عبد العزي، وخنافر بن التوأم الحميري، وسواد بن قارب الدوسي، وعمرو بن الجعيد، وابن الصياد، والأبلق الأزدي، والأجلح الدهري، وعروة بن زيد الأزدي، ورباح “رياح” بن عجلة، وهو معروف بعراف اليمامة، والكاهن الخزاعي، ورباح “رياح” بن عجلة، وهو المعروف بعرافة اليمامة، والكاهن الخزاعي، وهو جد “عمرو بن الحمق”، وكان منزله بعسفان، وإليه احتكم هاشم وأمية، و”كهال”، أحد الكهنة الجاهليين، والأفعى الجرهمي.

ومن النساء طريفة الخير الحميرية وسودة بنت زهرة بن كلاب، عفيراء الحميرية، فاطمة بنت مر الخثعمية، سلمى الهمدانية وسجاح وغيرهن الكثير.

في المقال القادم بمشيئة الله نكمل ما قد بدأناه ونذكر قصصا عديدة للكهان وأهم تنبؤاتهم وما تحقق منها.

• المراجع:

– المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام، د/ جواد علي.

– صبح الأعشى في صناعة الإنشا، القلقشندي.

– مروج الذهب، المسعودي.

– لسان العرب، ابن منظور.

– تفسير السعدي، محمد بن ناصر السعدي.

– صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج.

– موسوعة قصص العرب، إبراهيم شمس.

– مجموعة من مواقع الانترنت.

عن محمد عبد العليم

فائز بجائزة (نبيل فاروق) للخيال العلمي، من رواياته في أدب الرعب: (ليل)، (القتلة).