فصل من رواية (اتصال)- كارل ساجان- ترجمة: نادر أسامة

لطالما كانت سماء الليل رفيقة دائمة ومصدر إلهام لكل حقب البشر المُتتابعة على الأرض. النجوم مُطمئنة. وظاهريًّا تبدو كأنها تُعبِّر عن كون السماء قد خُلقت لمنفعة وتعليم البشر. هذا الغرور المثير للشفقة صار حكمة مألوفة في العالم أجمع، ولم تخلُ ثقافةٌ منه. بعض الناس يرون في السماوات منفذًا للحس الديني، كثيرٌ ارتعدوا وتواضعوا أمام عظمة وحجم الكون، وآخرون حفَّزهم هذا للتطلُّع إلى رحلات مُفرطة في خيالها.

في اللحظة التي اكتشف فيها البشر حجم الكون ووجدوا أن أقصى خيالاتهم جموحًا تتقزَّم أمام الأبعاد الحقيقية لمجرَّة شاردة مثل درب التبَّانة، اتَّخذوا خطوات تضمن أن أحفادهم لن يستطيعوا مُشاهدة النجوم على الإطلاق. لمليون سنة نشأ البشر مع معرفة شخصية يومية بقُبَّة السماء. في السنوات الآلاف الأخيرة بدؤوا في البناء والهجرة إلى المدن. في العقود القليلة الأخيرة، تخلَّى السواد الأعظم من السكَّان عن نمط الحياة الريفية. ومع تطور التكنولوچيا وتلوُّث المدن، أصبحت الليالي عديمة النجوم.

أجيالٌ جديدة شبَّت ونمت إلى النضج وهي تحمل جهلًا تامًّا بالسماء التي أذهلت أسلافها وحفَّزت عصرًا جديدًا من العلم والتكنولوچيا. ودون حتَّى أن يلحظوا الأمر، وبمجرد أن دخل الفلك عصره الذهبي بالكاد.. قطع معظم البشر أنفسهم عن السماء… عُزلة كونية لم يُنهها سوى بزوغ عصر استكشاف الفضاء.

********

كانت إيلي تتأمَّل كوكب الزُّهرة وتتخيَّل أن عليه عالمًا شبيهًا بالأرض، مسكونًا بنباتات وحيوانات وحضاراتٍ عاقلة، لكن كلًّا منها مختلف عن أشكال الحياة التي لدينا. على أطراف البلدة، وبعد غروب الشمس مباشرةً، كانت تتفحَّص سماء الليل وتُدقِّق في نقطة الضوء التي تشع بثبات. بمقارنتها بالسحب القريبة التي تعلو رأسها والتي لا تزال مُضاءة ببقايا أشعة الشمس الآفلة، بدت ذات لون أصفر. حاولت أن تتخيل ما الذي يحدث هناك في الأعلى.

كانت تشبّ على أطراف أصابعها وتُحدِّق مليًّا إلى الكوكب. أحيانًا كانت تقنع نفسها أنها بالفعل ترى تضاريسه.. وفي خيالها تنقشع دوَّامة من الضباب الأصفر فجأةً، لتُظهِر مدينة واسعة مُرصَّعة بالجواهر بشكلٍ يخطف الأنفاس.. سيارات مُحلِّقة تُسرع في طريقها بين أبراج من الكريستال.

أحيانًا كانت تتخيَّل نفسها تمعن النظر جيدًا في واحدة من تلك المركبات وأنها تلمح أحدهم بداخلها. أو تتخيَّل واحدًا منهم حديث السن مثلها يُلقي نظرة عابرة على نقطة زرقاء باهتة من الضوء تظهر في سمائه، ويشبّ على أطراف أصابعه متسائلًا عن سكَّان الأرض. كانت فكرة لا تقاوم. كوكب استوائي قائظ الحرارة، مُترعًا بأشكال حياة ذكية، وفقط على مرمى بصر منَّا.

التزمت إيلي بالاستذكار والحفظ عن ظهر قلب، على الرغم من أنها كانت تعلم أن هذه سُبَّة التعليم. كانت تبذل أقل جُهد ممكن كي تنجح في مقرَّراتها الدراسية، وأخذت تسعى وراء أشياءٍ أخرى. رتَّبت أمورها كي تقضي أوقات فراغها بعد المدرسة فيما كان يطلق عليه «الورشة»، وهو مصنع صغير قذر وضيق أُنشئ عندما كانت المدرسة تُكرِّس جهدًا إضافيًّا للتعليم المهني. التعليم المهني يعني -أكثر من أي شيء آخر- أن تعمل بيديك.

كانت هناك مخارط، وثاقبات تعمل بالضغط، وبعض المعدات الآلية التي كان مُحرَّمًا عليها استخدامها، لأنها -بغض النظر عن مدى قدرتها ومهارتها- لا تزال «فتاة». على مضض، أعطوا لها الإذن كي تُنجِز مشاريعها الخاصة في ركن الإلكترونيات بالورشة. قامت بصنع راديوهات من الصفر بشكلٍ أو بآخر، وبعدها انتقلت إلى شيء أكثر إثارة.

قامت بابتكار آلة تشفير. كانت بدائية، لكنها تعمل. تستطيع الآلة أن تأخذ أيَّ رسالة مكتوبة باللغة الإنجليزية وتحوِّلها باستعاضة رمزيَّة بسيطة إلى شيء أقرب لرطانة غير مفهومة. ابتكار آلة تستطيع فعل العكس، أي تقوم بتحويل رسالة مُشَفَّرة إلى لغة مفهومة، كان شيئًا أكثر صعوبة، خصوصًا وأنت لا تعلم أسلوب التشفير.

يُمكنك أن تجعل الآلة تُجرِّب كل التوافيق الممكنة (A يرمز لـ B، A  يرمز لـ C، A يرمز لـ D، …)، أو أن تتذكَّر أن بعض حروف اللغة الإنجليزية يتكرَّر مُعدَّل استخدامها أكثر من الحروف الأخرى. يُمكنك تكوين فكرةٍ ما عن نمط تكرار الحروف بالنظر إلى أحجام صناديق حروف الطباعة في المطبعة المجاورة. “ETAOIN SHRDLU”، هذا ما يقوله الأولاد في المطبعة، مُعطين بذلك -بشكلٍ دقيق جدًّا- ترتيب الاثني عشر حرفًا الأكثر استخدامًا في اللغة الإنجليزية. في أثناء فك تشفير رسالة طويلة، الرمز الأكثر شيوعًا غالبًا سيكون الحرف E. اكتشفت أيضًا أن بعض الحروف الساكنة تميل إلى السير جنبًا إلى جنب، بينما حروف العِلَّة توزِّع نفسها بطريقة عشوائية بشكلٍ أو بآخر.

الكلمة الأكثر شيوعًا في اللغة الإنجليزية التي تتكوَّن من ثلاثة أحرف هي “The”، فإذا كان يوجد حرف بين حرفي الـ T والـ E ضمن كلمة، فمن شبه المؤكد أنه H. وإن لم يكن كذلك، فيمكنك المراهنة على R أو حرف عِلَّة. استخلصت الفتاة قوانين أخرى، وأمضت ساعات طويلة تُحصي مُعدَّل تكرار الحروف في كُتب المواد الدراسية المختلفة، قبل أن تكتشف أن مثل هذه الجداول التكرارية للحروف قد جُمعت مسبقًا بالفعل وتم نشرها.

آلة فك التعمية الخاصة بها كانت لمتعتها فقط. لم تستخدمها لنقل رسائل سرية إلى أصدقائها، لم تكن متأكدة من الشخص الذي قد يؤتمن على هذه الاهتمامات الإلكترونية والتَعمَوية.. الأولاد عصبيون أو مُجَعجِعون، والفتيات كُنّ ينظرن إليها بغرابة.

********

كان جيش الولايات المتحدة يُقاتل في مكان بعيد يُدعى ڤيتنام. بدا أنه في كل شهر يتم أخذ مزيد من الشُّبَّان اليافعين من الشوارع أو المزارع وشحنهم إلى ڤيتنام. كُلَّما كانت تتعرَّف أكثر أسباب الحرب، وكُلَّما استمعت إلى تصريحات القيادات الوطنية.. اشتعل الغضب بداخلها أكثر.

الرئيس والكونجرس يكذبون ويَقتُلون، هكذا فكَّرت، والجميع تقريبًا يؤيد دون وعي. حقيقة اعتناق زوج والدتها المواقف الرسمية للدولة في الالتزام بالمعاهدات، والمعاداة الصريحة للشيوعية، عزَّزت استنتاجها. بدأت تحضر اجتماعات ولقاءات في الكُلية القريبة.

الناس الذين قابلتهم هناك بدوا أكثر ذكاءً، وأكثر ودًّا، وأكثر حيوية من رفاقها الخُرْق الباهتين في المدرسة. چون ستوتن حذَّرها في البدء، ثم منعها بعد ذلك من قضاء أوقاتٍ مع طلاب جامعة. لن يحترموها، هذا ما قاله. سيستغلّونها. إنها تدَّعي عُمقًا لا تملكه ولن تملكه أبدًا. ذوقها في الملابس كان مُتردِّيًا. الزي العسكريّ لم يكن مناسبًا لفتاة، وبدا تظاهُرًا كاذبًا وهزليًّا من شخص يَدَّعي مُعارضته لسياسات الولايات المتحدة في جنوب شرق آسيا.

بخلاف إعطاء نصائح وَرِعَة لإيلي وستوتن كي لا يتشاجرا، قليلًا ما شاركت أمها في النقاش. كانت تناشد إيلي سِرًّا كي تطيع زوج أمها، وأن تكون لطيفة معه. كانت إيلي تشُكُّ حاليًّا أن ستوتن قد تزوَّج والدتها فقط من أجل وثيقة التأمين على حياة والدها… وإلا فلماذا؟

إنه لم يُظهر أيَّ علامة على حبه لها، ولم يُبد استعدادًا لأن يكون لطيفًا. في أحد الأيام، وبطريقة انفعالية، طلبت منها أمها ارتياد دروس الإنجيل. عندما كان والدها -المُتشكِّك في وجود الأديان- على قيد الحياة، لم يكن هناك حديث عن دروس الكتاب المقدَّس.

كيف جرؤت أمها على الزواج بستوتن؟ ظلَّ هذا السؤال يؤرِّقها ويتردد داخلها آلاف المرَّات. دروس الدين -أكملت أمها- ستغرِس بداخلها الفضائِل العامة.. ولكن الأهم من ذلك أنها ستجعل ستوتن يرى أن إيلي على استعداد لبعض الوئام. بدافع الحب والشفقة على والدتها، قَبِلت إيلي.

لذا كل يوم أحد، ولمدة سنة دراسية كاملة تقريبًا، اعتادت إيلي الذهاب بانتظام إلى مجموعة نقاش في الكنيسة القريبة. كانت المجموعة من الطوائف البروتستانتية الجديرة بالاحترام، وغير ملوَّثين بالتبشير غير المنضبط. كان هناك عددٌ قليلٌ من طلاب المرحلة الثانوية، وبعض البالغين -غالبًا نساء في منتصف العمر-، والمُعلِّمة زوجة القس. لم تكن إيلي قد قرأت الإنجيل بجدِّية من قبل، وكانت تميل إلى اعتناق حُكم والدها -المُخِل غالبًا- بأن «نصفه تاريخ همجي، ونصفه حكايات خيالية».

لذا خلال نهاية الأسبوع التي تلت درسها الأول، قرأت إيلي ما بدا أنه أجزاء مُهمَّة من العهد القديم، وحاولت أن تُحافِظ على عقلٍ مُتفتِّح. فورًا لاحظت أن هناك قصتين مُتضادتين للخلق في الفصلين الأولين من سفر التكوين.

لم تتمكَّن من فهم كيف يمكن أن يكون هناك ضوء وحساب للأيام قبل وجود الشمس، وشعرت بصعوبة في معرفة بِمَن تزوَّج قابيل تحديدًا. وفي قصص لوط وبناته، وإبراهيم وسارة في مصر، وخِطبة دينة ابنة يعقوب على عيسو، وجدت نفسها مُندهشة. كانت تعرف أن الجُبن موجود في العالم، وأن الأبناء قد يَخدعون والدهم المُسنّ ويحتالون عليه، وأن يَعطي رجل رعديد موافقة خسيسة جَبانة على إغواء زوجته من قِبَل الملك، أو حتَّى يُشجِّع على اغتصاب بناته. لكن في ذلك الكتاب المقدَّس، لم تكن هناك كلمة واحدة تُدين هذه الأفعال المُشينة. بدلًا من ذلك، بدا أن تلك الجرائم مُصدَّقًا عليها، بل محمودة.

عندما بدأ الدرس، كانت تتوق إلى مُناقشة هذه التناقضات المُزعجة، كي تُسلِّط الضوء على هدف الرب، أو على الأقل لتفسير لِمَ لَم تُدَنْ هذه الجرائم من قِبَل الخالق أو المؤلف.. لكنَّها أُصيبت بخيبة أمل. زوجة القس داهنت وماطلت، وبشكلٍ ما لم تظهر هذه القصص على السطح مرةً أخرى في المناقشات اللاحقة. عندما استفسرت إيلي كيف استطاعت خادمات ابنة الفرعون معرفة أن الطفل الذي عُثر عليه وسط عُشب البرك يهوديٌّ بمجرَّد النظر، احمرَّت وجنتا المُعلِّمة كثيرًا وطلبت من إيلي ألا تطرح أسئلة غير لائقة مرَّةً أخرى.) هبطت الإجابة على إيلي في تلك اللحظة).

عندما وصلوا إلى العهد الجديد، زاد ارتباكها. قام ماثيو ولوق بتتبُّع أسلاف يسوع رجوعًا إلى داود الملك. لكن وفقًا لماثيو هناك ثمانية وعشرون جيلًا بين داود ويسوع، بينما هم -وفقًا للوق- ثلاثة وأربعون فقط. لم تكن هناك أسماء مشتركة تقريبًا بين قائمتي النَّسب. كيف يمكن لماثيو ولوق أن يُمثِّلا -معًا- كلام الرب؟

التناقض في سُلالة الأنساب بدا لإيلي محاولة مكشوفة لدمجٍ نبوءة إشعياء لاحقًا بعد وقوع الحدث. في معمل الكيمياء يطلق على هذا طبخ البيانات. حرَّكتها بشدَّة عِظة الجبل، وأصيبت بخيبة أمل عميقة من نصيحة أعطوا ما لقيصر لقيصر، واختزلت مشاعرها في دموعٍ يائسة بعدما تجنَّبت المُعلِّمة سؤالها مرتين حول معنى «ما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا». بعد ذلك اليوم مُباشرةً أخبرت أمها القانطة أنها بذلت كل ما في وسعها، لكن حتَّى الجياد الجامحة لن تقدر على سحبها إلى دروس الإنجيل مرةً أخرى.

********

كانت مُستلقية على فراشها في تلك الليلة الصيفية الحارة، وكان ألڤيس يُغني: «ليلة واحدة معكِ، هذا كل ما أطلبه». الفتية في المدرسة الثانوية غير ناضجين بالمرَّة، ومن الصعب عليها أن تُقيم علاقة من أيِّ شكل مع طلاب الجامعة الذين قابلتهم في المحاضرات واللقاءات، خصوصًا مع القيود العديدة وحظر التجوُّل الذي يفرضه عليها زوج أمها.

چون ستوتن كان على حق -هكذا اعترفت لنفسها على مضض- بخصوص هذا الأمر على الأقل: الفتية اليافعون -بلا أيّ استثناء تقريبًا- لديهم ولع بالاستغلال الجنسي. لكنهم في الوقت نفسه، بدوا لها أكثر ضعفًا عاطفيًّا ممَّا توقَّعت. رُبَّما الأمران كل منهما سببٌ ونتيجة للآخر.

كانت تتوقَّع بشكل جُزئي أنها لن تلتحق بالكُلية، وعلى الرغم من هذا كانت مصمِّمة على مغادرة المنزل. ستوتن لم يكن ليدفع لها مالًا للذهاب إلى أيِّ مكان، وشفاعة أمها الوديعة لم تكن لتُجدي. لكن إيلي أبلت بلاءً حسنًا بشكلٍ مُذهل في الاختبارات المُوحَّدة للقبول في الكُلية، وفوجئت بمُعلِّميها يخبرونها بأنها غالبًا ستتلقَّى عروضًا لمِنَح من قِبَل جامعات مرموقة.

كل ما فعلته أنها خمَّنت الإجابة الصحيحة في عددٍ من الأسئلة متعددة الاختيارات، واعتبرت أداءها الجيد مُجرَّد ضربة حظ. إذا كنت تعرف قليلًا جدًّا، فقط ما يكفي لاستبعاد جميع الاختيارات بخلاف الإجابتين الأكثر ترجيحًا، وإذا قمت بعدها بتخمين الإجابة الصحيحة منهما لعشرة أسئلة على التوالي، ففرصتك لتُجيب الإجابة الصحيحة عليها جميعًا واحد في الألف، هكذا فسَّرت لنفسها.

بالنسبة إلى عشرين سؤالًا مُتتاليًا، الاحتمالات ستكون واحدًا في المليون. لكن ملايين التلاميذ يقومون بهذه الاختبارات… بالتأكيد أحدهم سيكون محظوظًا.

جامعة كامبريدچ في ماساتشوستس بدت بعيدة بشكلٍ كافٍ للتملُّص من نفوذ چون ستوتن، وقريبة بما يكفي لتعود في الإجازات لزيارة أمها، الأخيرة التي نظرت إلى الوضع كحَلٍّ وسط صعب بين التخلي عن ابنتها وإغضاب زوجها بشكلٍ متزايد. في النهاية، فاجأت إيلي نفسها باختيار جامعة هارڤارد بدلًا من معهد ماساتشوستس للتقنية.

ذهبت إيلي من أجل فترة الإعداد، شابة متوسِّطة الطول ذات شعر داكن وابتسامة جانبية عصبية وشغف هائل لتعلُّم كل شيء. عزمت على توسيع ثقافتها، والاشتراك في أكبر عدد ممكن من الدورات التدريبية البعيدة عن محور اهتماماتها بالرياضيات، والفيزياء، والهندسة. لكن المُشكلة كانت تكمن في محور اهتماماتها هذا. وجدت صعوبة في مناقشة مواضيع الفيزياء -فضلًا عن المجادلة فيها- مع زملائها من الذكور المُهيمنين.

في البداية، كانوا يبدون عدم اهتمام مقصود بتعليقاتها… تَمُرّ لحظة صمت، ثم يعودون إلى ما كانوا يفعلونه وكأنها لم تتفوه بشيء. أحيانًا كانوا يهتمُّون بملاحظاتها، بل حتَّى يستحسنوها، ثم مجدَّدًا يُكملون حديثهم غير مُبالين.

كانت واثقة بدرجة معقولة أن مُلاحظاتها لم تكن ساذجة بالكامل، ولم تكُن ترغب في أن يتجاهلوها بهذا الشكل، فضلًا عن تجاهلها تارة ومناصرتها تارة. كانت تعلم أن جُزءًا من الأمر -فقط جُزء- سببه نعومة صوتها. لذا قامت بتطوير نبرة خاصة لمنقاشات الفيزياء، صوت احترافيّ، واضح، وكفؤ، وأعلى بأكثر من ديسيبل واحد عن نبرة المُحادثة العادية.

بصوتٍ كهذا كان من الضروري أن تكون على صواب، وأن تختار التوقيت المناسب. كان من الصعب عليها الاستمرار بهذا الصوت طويلًا، لأنها في بعض الأوقات كانت عُرضة لأن تنفجر ضاحكة في أيِّ لحظة. لذا وجدت نفسها تميل إلى المُداخلات السريعة، المبتورة أحيانًا، التي تكفي تمامًا لإثارة اهتمامهم، ثم يمكنها بعدها الاستمرار بنبرة أكثر طبيعية.

في كل مرَّة كانت تجد نفسها ضمن مجموعة جديدة، تحتَّم عليها شق طريقها خلالهم من جديد، فقط لتغمر مجدافها في بحيرة النقاش. الأولاد بالطبع كانوا غير مُدركين بالكامل أنها تواجه مُشكلة من الأساس.

أحيانًا تكون مُشترِكة في أحد الأنشطة في المعمل أو في حلقة درس، عندما يقول المُعلِّم: «أيها السادة، لنُكمل…» ثم يلاحظ أنها عابسة، عندها يضيف: «أعتذر يا آنسة أرُّواي، لكنني أعتبرك واحدًا من الأولاد». أعلى إطراء كانوا قادرين على إعطائه هو أنها -داخل عقولهم- لم تكن أُنثى بشكلٍ علني.

كان عليها أن تحارب نفسها ضد تطوير شخصية عدائيَّة، أو أن تصبح باغضة للبشر بشكلٍ كامل. لهذا استمرَّت في ملاحظة نفسها. «باغض البشر» هو شخص يكره الجميع، وليس فقط الرجال. وبالتأكيد هناك مُصطلح آخر للشخص الذي يكره النساء: «ميسوچينست». لكن يبدو أن مؤلِّفي المعاجم الذكور أغفلوا صكّ مُصطلح لكُره الرجال. كلهم كانوا رجالًا تقريبًا، هكذا فكَّرت، ولم يكونوا يتصورون أن كلمة مثل هذه قد تلقى قبولًا.

كانت إيلي مُثقلة أكثر من غيرها بالمحظورات الأُسرية، لذا كانت الحريات التي اكتشفتها حديثًا -الفكرية والاجتماعية والجنسية- مُنعشة لها. في الوقت الذي بدأ فيه كثير من أبناء جيلها ارتداء ملابس غير مُميَّزة تقلِّل الفروق بين الجنسين، حرصت إيلي على الأناقة والبساطة في رداء أنثوي، وتنميق، يُرهقان ميزانيتها المحدودة. هناك وسائل أكثر فاعلية للإعلان عن الآراء السياسية للمرء، هكذا فكَّرت.

استقطبت قِلَّة من الأصدقاء، وصنعت عددًا من الأعداء العابرين، الذين كرهوها بسبب ردائها، وبسبب آرائها في الدين والسياسة، أو بسبب حَمِيَّتها في الدفاع عن تلك الآراء. وُبِّخَت على تمَكُّنها وابتهاجها بالعلم من قِبَل كثير، بخلاف الشَّابَّات الأخريات البارعات. لكنّ قليلًا نظروا إليها باعتبارها ما يُطلق عليه علماء الرياضيات بُرهان وجودي، دليل على أن المرأة تستطيع -بكُل تأكيد- التفوُّق في العلوم، بل أن تصبح قدوة يُحتذى بها.

في ذروة ثورة التحرُّر الجنسي، خاضت إيلي التجرُبة بحماسة مُتزايدة تدريجيًّا، لكنها وجدت أنها تُخيف عُشَّاقها المُحتملين. مالت علاقاتها إلى الاستمرار لشهورٍ معدودة أو أقل. البديل كان أن تُخفي اهتماماتها وتخنق آراءها، وهو الأمر الذي رفضت القيام به في المدرسة الثانوية. صورة أمها الخاضعة، والراضية بحبس حُرِّيَّتها، ظلَّت تُطاردها.. وبدأت تُفكِّر في رجال لا علاقة لهم بالحياة العلمية والأكاديمية.

بعض النساء على ما يبدو لم يكن لديهن أيُّ مكر، وكُن يسبغن مشاعرهن دون أن يُكلِّفن أنفسهن لحظة تفكير واعية. أُخريات كُن يخططن وينفِّذن حملاتٍ عسكرية تطويقية، وألاعيب كر وفر مُعقَّدة، فقط ليقتنصن رجلًا جذَّابًا. لم تتعمَّد إيلي لفظة «جذَّاب» وهي تُفكِّر، فالمسكين الأحمق ليس جذّابًا في الواقع، إنه فقط مرغوب فيه. كائن مُشتهى في نظر أولئك اللاتي -على شرفه- قُمن بأداء هذه التمثيلية المؤسفة بالكامل.

فكَّرت إيلي أن مُعظم النساء يقبعن في مكانٍ ما في المُنتصف، يسعين إلى التوفيق بين عواطفهن وبين إدراك منفعة طويلة الأمد. المُراسلات بين الحب والمصلحة الشخصيَّة قد تَمُرّ أحيانًا دون مُلاحظة العقل الواعي. لكن فكرة الفخ المنصوب بأكملها جعلتها تَقشَعِر. في هذا الأمر تحديدًا، قررَّت أنها نذيرة للعفوية. كان هذا حين قابلَت چيسي.

• صدرت (اتصال) عن دار (اكتب) للنشر والتوزيع.

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).