(فتاة قوطية): سقف مختلف من الرعب المحلي المغربي

كتب: محمد الدواخلي.

الكتابة في أدب الرعب حتما تعد تجربة جريئة. فهذا واحد من الألوان المظلومة في الأدب العربي، وبعض النقاد يتجاهلون أن الخوف غريزة وإحساس بشري أساسي يصلح لصناعة أدب مذهل ويحكمون على كل هذا الفن حكمًا معممًا مجحفًا لا يميز الغث من السمين.

فتاة قوطية هي مجموعة قصصية متميزة جدا لكاتب هو -بدون مجاملة- واحد ممن يمتلكون موهبة قادرة على الوصول لأقصى درجات الإبداع في مجال من المجالات المنكمشة في الأدب العربي.

عبد العزيز أبو الميراث، الكاتب المغربي الطموح والذي أتوقع له بإذن الله مستقبلًا باهرًا هو شخص يعرف جيدًا مناطق قوته في الكتابة ويستغلها لإفزاع القارئ!

هو محب للرعب والخوف والأجواء الغريبة ويشكل من الأساطير العالمية مزيجًا مع القصص المحلية ليصنع أدب رعب يجمع بين التميز والجدية.

أجمل شيء في الكاتب هو سرعة تعلمه من أخطاءه، السرعة التي أحسده عليها صراحة!

بعض قصص المجموعة كنت قرأتها في مسوداتها الأولى ولكني إذ أقرأها الآن في صورتها النهائية أجد شغفًا جديدًا وتطورًا مذهلا.

المجموعة لمن يقرأها من هواة الرعب ستبدو عملًا محترفًا بامتياز كأنها لكاتب قديم متمرس في المجال بأكثر من سنوات عمر أبو الميراث الستة والعشرون!

ربما يحمل رأيي شبهة المجاملة كون الكاتب صديق أفتخر به، لكني صراحة منبهر من مستوى المجموعة الجيد في الكتابة الذي امتزج بالإخراج المتميز لدار رواية لتصدر نتيجة رائعة.

طبعا ليست كل القصص على نفس المستوى من الجودة لكن أظن أنني أستطيع تقديم وعد للقارئ أنه لن يندم على وقته الذي قضاه معها.

المجموعة تنتمي لأدب الرعب، ذلك اللون المهمل في أدبنا العربي ربما باستثناء نجاح د. أحمد خالد توفيق الذي يثبت القاعدة ولا ينفيها. لكن الكاتب في هذه المجموعة يمتلك لونه الخاص وشخصيته المميزة التي تختلف عن نجاح السابقين له رغم تأثره بهم. وهذه خاصية مهمة لكاتب الرعب (مثل أي كاتب آخر) أن تستطيع إخبار القارئ أن لك شخصيتك المتميزة التي تعده بالجديد.

أدب الرعب كأي أدب هو في النهاية وسيلة للتجسيد والتعبير عن المشاعر الإنسانية. يركز بالذات على مشاعر الخوف والقلق والحيرة. وكل إنسان له مخاوفه منذ أن نزل البشر إلى الأرض ليعمروها مواجهين قوى الطبيعة وعداء الشياطين وأحقاد قابيل على هابيل.

المجموعة تمزج هذه المخاوف بمشاكل ومواقف مستمدة من حياة البشر. فكما قتل قابيل هابيل بسبب المرأة نجد في القصة الافتتاحية العجل كيف ذبح الأخ أخيه مع مفاجأة قاسية في النهاية.

نجد انتقامًا رهيبًا من تاجر مخدرات وضابط فاسد في (أنتم أيضا ستموتون). نجد مزج الأسطورة المحلية مع الغطرسة الأجنبية يؤدي لنهاية مروعة في (بوجلود).

قصص المجموعة الثلاثة عشر يمكن تصنيفها لثلاثة أقسام تغطي أكبر مخاوف البشر: فحين يتحدث أبو الميراث عن الذنوب القديمة التي تطاردنا طالبة الثأر، هذا الإحساس المجنون الذي لا يعرف الرحمة (الورود الحمراء، الجراح، الذي فعلناه) يتلاعب بالعقول ويمزج الخيال بصفحات الحوادث ويفاجئ القارئ عادة بغير ما يتوقعه بعد أن يغرقه في بحر من الدماء!

وفي المقابل الشغف المجنون الذي يحطم كل ما في طريقه غير مهتم بالفزع الذي يثيره أو يواجهه.

على سبيل المثال: (قرون، العجل، فتاة قوطية) نجد الكاتب يدخل في قلب جنون الشغف الذي لا يعرف المنطق حتى يوقع صاحبه في مصائر غير عادية بعد أن يتلاعب بنا على حافة الجنون.

وأخيرا الأوهام الخادعة، البراعة غير العادية للبشر في إيهام أنفسهم أو إيهام الآخرين بما هو غير موجود. القدرة على تحويل العادي أو الغير مألوف إلى مفزع وشيطاني. هذه حالة بشرية كلنا يمر بها ويلقاه في حياته وتجسدت جيدا في قصص المجموعة (لن أحددها حتى لا أحرق أحداثها)

أسلوب الكاتب سلس، خالي من التعقيد لكنه ليس مغرقًا في التبسيط، أفكاره في قصصه تتراوح بين المباشرة والغموض بميزان معقول يحاول قياس انفعال القارئ مع هدف الكاتب، فهو حينا يوضحه لنا منذ البداية كما في فتاة قوطية التي تركز على البشاعة والدماء أو يؤخرها تاركا الحيرة حتى آخر لحظة في 25 قرش (عشرة دراهم في صياغة أخرى) قبل أن يصارحنا بها ويترك خيال القارئ ليكمل المشهد في بوجلود.

المؤلف يسعى بألفاظه أن تكون في متناول الجميع، متحررا من المحلية المغرقة التي نجدها أحيانا في بعض الكتابات حاجزا أمام القارئ دون أن يتخلى عن الهوية المغربية أو العربية في أفكاره.

صحيح أنه تأثر بمحاولات الكتابة في أدب الرعب العربي التي تسقط أغلبها في فخ التغريب (نجد كثرة من الشخصيات الأجنبية) لكنه تحرر من هذا التأثير في قصص أخرى ليحول الأمر إلى تنوع يثري المجموعة وينفي التشابه بين قصصها. وإن كنت أنصحه بمحاولة التقليل منها مستقبلًا.

هذه هي أول مجموعة للمؤلف، أظنها مبشرة حقا، تجعل عليه عبء المزيد من التجديد والإبداع. وتجعل القارئ في انتظار جديده.

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).