الإثنين , أغسطس 19 2019

(مصطفى اليماني)، يكتب: عن المدمر وصاحبه والثمانينيات

♥ ذكريات الطفولة البريئة:

أؤمن أن كلٍ منا لديه تعريفه الخاص بالسينما، يتلخص هذا التعريف في أفلام معينة، لا يجب أن تكون هي الأروع بالضرورة، لكن لِما خلفته من ذكريات حميمة مبهجة، يروق لنا استعادتها مرارًا، سل أي شخص عن معنى السينما، وتأكد أنك لن تحصل على أي رد أكاديمي، بل عِدة عناوين.

بالنسبة لي يكمن معنى السينما في إعلانات الشهر التي كانت تعرضها القناة الثانية، لتفاجئنا بفيلم جديد كل مرة، ولتثير استيائنا سريعًا بكلمة “قريبًا”.

بالنسبة لي يكمن معنى السينما في الحرص على النوم نهارًا لأستطيع السهر ليلًا أمام الفيلم الجديد، وأشعر بالغيرة لو غلبني النوم؛ لأن العيال في الفصل سيتثنى لهم خوض الأحاديث الممتعة واسترجاع أحداث الفيلم بحماس، بينما أجلس بينهم كطفل يتيم لا يملك “بابا”.

لذلك، تعني السينما بالنسبة لي فيلم “يوم الاستقلال”، يوم اطلعت عينيّ على السفينة الهائلة التي غطت سطح الأرض وألقت بظل كبير مخيف، واليوم التالي الذي تحدثنا فيه بين الحصص عن الكائنات الفضائية القذرة وشكلها المخيف، تعني أيضًا فيلم “الغرب الشرس” وعنكبوته العملاق، وتعني “الماتركس” وكشف نيو عن ترسانة الأسلحة في معطفه وتفاديه الرصاص، وزميلنا الوحيد الذي كان يملك إنترنت في بيته وكان أكثر منا ثقافة بالضرورة، والذي حاول إقناعي أن الفيلم يدور حول الخروج عن سيطرة الإله ولم أقتنع، ويمكن أن أعرفها بفيلم “دراكولا” لأنني أتيت بكراسة وقتها وكتبت كل أحداث الفيلم، لأنني لم أكن أملك كمبيوتر ولا فيديو أو دش، وكنت أريد الاحتفاظ بنسخة من تفاصيل هذه التحفة المرعبة المقدسة، لأسترجعها وقتما أشاء، ولن أنسى ما حييت “كون أير”، و”فيس أوف”، و”ذا روك”، حيث اعتبرتهم أفلام مصرية أصيلة لكثرة عرضها وتفاعلنا معها وتأثرنا بها، نعم، كان (نيكولاس كيج) بطلنا الأوحد ذات يوم.

يمكن أن أعرف السينما بعناوين كثيرة، لكن ما أنشده في النهاية هي تلك الذكرى، حيث سهرت ووالدتي حتى وقت متأخر، ورأينا بالصدفة المطاردة الطويلة التي جرت بين روبوت بشري وامرأة، كانت ليلة كابوسية غير متوقعة ختمتها العين الحمراء التي انطفئت في النهاية، ونوم قلِق لتوقع عودة الروبوت مرة أخرى كما جرت العادة وقتها.

هذا ما تعنيه السينما بالنسبة لي، ذكريات حميمة، دافئة، وشغف نقي، وعيني طفل، صحيح أنها ليست أعظم الأفلام، لكنها أفلامنا.

سلسلة أفلام terminator هي سلسلة أكشن في المقام الأول، لكنه قائم على فكرة خيال علمي؛ أي أن الأكشن كان الغاية والخيال العلمي وسيلة لتحقيقه أو الوصول إليه، تقوم السلسلة على فكرة الروبوت المدمر الذي أُرسِل من المستقبل ليقضي على امرأة تُدعى سارة كونور، قبل أن تُنجِب ابنها الذي سيكبر ليكون قائد المقاومة ضد الآلات المتمردة في المستقبل، حققت السلسلة (بجزئيها الأول والثاني) نجاحات مدهشة وغير مسبوقة لكل أطرافها، وكانت من المرات النادرة التي نرى فيها فيلم (أكشن) يفوز بالأوسكار ويحتل مكانًا ضمن الـ250 الأفضل في التاريخ.. طيب.. لماذا تعثرت السلسلة في الأجزاء التالية، وصولًا إلى جزئها الخامس genisys والذي لا يخفى عن الجميع فشله التجاري العجيب؟

ربما هذا هو السؤال الرئيسي الذي يجب أن يُطرح وسط كل المعمعة التي أثيرت عن الفيلم الأخير.

(2)

ترتعش يد أرنولد وهو يلقم سلاحه، فينظر إلى كايل ريس ويقول له:

-عجوز.

فيرد كايل: لكن ليس تمامًا.

-ليس بعد.

هكذا قال أرنولد.

عندما فاز أرنولد شوارزنيجر بحكم ولاية كاليفورنيا كانت نكسة بالنسبة لي، فأنا أعد نفسي من أكبر عشاق الرجل، لكن من يمكن أن يكرهه؟!

الرجل الذي واجه الكائنات الفضائية وتجار المخدرات والجواسيس وبات مان والشيطان والإرهابيين لا يجب أن يكرهه أحد، إن أرنولد هو “الرب” بشكل أو بآخر، ربما يستفز نجاحه العجيب البعض، فكيف لـ”آلة العضلات البشرية” هذا أن يصبح جزءًا من التاريخ ذاته؟ والحقيقة أن نجاح أرنولد مبرر لأقصى درجة.

أؤمن أن هناك أشخاص خلقهم الله للقيام بأعمال عظيمة معينة، فمثلًا خلق الله أحمد خالد توفيق ليكتب ما وراء الطبيعة، ويوسف زيدان من أجل عزازيل وسلفستر ستالوني من أجل روكي، وبالطبع أرنولد من أجل المُدمِر، هذه هي رسالتهم التي وُجِدوا من أجل توصيلها وما سواها يسقط مع الزمن، هكذا كان أرنولد ومُدمِره مثل توأم الروح، وجه أرنولد وتكوينه الجسدي يناسبان دور الآلة تمامًا، فلم يكن بحاجة لأية مشاعر لن يستطيع توصيلها غالبًا، كان المدمر تذكرة اليانصيب الرابحة لأرنولد بعد ما يقرب من 11 فيلم لم ينجح منهم سوى “كونان البربري”.

هناك سر عمومًا يحيط بالعصر الذي بزغ فيه نجم شوارزنيجر، الثمانينات تحديدًا كانت تمتاز بذلك، كان يكفي أن تمتاز بالعمل الشاق والاختيار الجيد لتنجح، لم يكن يلزم أن تكون صاحب موهبة تمثيلية فذة، وعلى ذلك نشأت سلاسل عبدها الجماهير، مثل rocky وlethal weapon وdie hard بأبطال متفاوتي الموهبة، وبالطبع terminator.

في 2012 عاد أرنولد لعالم السينما في The Expendables 2، والحقيقة أن قبوله للدور يفضح -بشكلٍ ساخر- حقيقة مؤلمة، فالسلسلة ككل تدور حول مجموعة من المرتزقة العواجيز الذين يحاولون مجاراة العصر، رافضين الاعتراف بكونهم عواجيز وأن زمانهم قد ولى بلا رجعة، وبعين الخيال كنت أرى اتفاقًا غير مكتوب بين أرنولد وسيلفستر، ينص على أن يكونا عكازًا وسندًا لبعضهما في هذا الزمن الموحش، لذلك ظهرا معًا في Escape Plan، بينما تجلى عجز هذا الجيل وعدم قدرته على مجاراة الأمور في الجزء الثالث من السلسلة، حيث يلجأ سيلفستر لفريق من الشباب اليافع؛ لأن فريقه لم يعد صالح، وينبهر بمهارات الفريق الجديد، لكن فريقه القديم يعود قرب النهاية، في إعلان عن أنهم يرفضون الرحيل، لا، ليس الآن، فقط ترفقوا بنا، وامنحونا ماتشات اعتزال أخيره قبل التقاعد الإجباري الإلهي.

ويعود أرنولد أخيرًا لرفيقه القديم وفانوسه السحري.

(3)

♦ العودة:

في الجزء genisys تعود السلسلة مرًة أخرى، مبتكرة لنفسها خط زمني جديد، يبدأ الفيلم مع مشهد الفَناء الذي خلفه برنامج سكاي نت، متابعًا الحسنة الوحيدة التي قدمها الجزء الثالث Rise of the Machines، لننتقل لمشهد المقاومة الذي رأينا مثله في الجزء الرابع Salvation، برئاسة (جون كونور) بالطبع وساعده الأيمن (كايل ريس).

هذه افتتاحية تُطلِعنا لأول مرة على الرعب الذي سبب كل ما رأيناه في الأجزاء الماضية، تذهب بنا للجحيم أخيرًا بعدما قضينا الكثير في محاربة الشياطين على الأرض، بالطبع ترسل المقاومة (كايل)، لحماية (سارة) من المدمر الذي أرسلته الآلات سعيًا لقتلها والقضاء عليها قبل أن تنجب (جون)، الوحيد الذي سينجح في التصدي لها، إنها دائرة الزمن المفرغة الأبدية.

ما يصنع الفيلم حقًا، وبعد وصول (كايل)، هو الخط الزمني الجديد، حيث يفاجأ كايل بسارة في صحبة المدمر نفسه، لا تهرب منه!

كانت سلسلة terminator للأكشن في المقام الأول كما ذكرت، وهو أكشن قائم أو نتيجة لفكرة خيال علمي بسيطة، صغيرة، يمكن تلخيصها في الفقرة السابقة، وهذه ميزة للفيلم وليس عيبًا، في الواقع أحد أركان السلسلة أنها كانت للحركة في المقام الأول، لكن genisys يكسر هذه القاعدة بتحويل الفيلم للخيال العلمي قبل كل شيء، ويعرض فكرة السلسلة البسيطة في شكل معقد، لا داعي له، وغير مفهوم أو منطقي أحيانًا، متأثرًا بموجة أفلام الخيال العلمي الأخيرة التي تطرقت لفلسفة السفر عبر الزمن وأثارت ضجة في مجالها.

والسؤال هنا هو: هل نحن بحاجة للمزيد من تلك الأفلام؟

أو بطريقة أخرى: أنرغب في أن تتحول سلسلتنا هذه لمجرد فيلم آخر عن السفر عبر الزمن؟

هناك عوامل أخرى غير الجودة، تكون سببًا في نجاح بعض الأفلام، يتجلى ما أرمى إليه في الأفلام القديمة بالذات، بعضها على الأقل، ونحن أفضل من يعرف أن أفلام الأبيض وأسود جيده لأنها (أبيض وأسود)، ولأنها ترينا ما لن نستطيع رؤيته الآن، فنجد أننا نحبها، ليس لأنها جيدة بالضرورة، أو لأنها جيدة فقط، لكن لأننا نريد أن نرى الطربوش والمنشّة والمشربية والملاية اللف و”نهارك سعيد”، هكذا لعبت أفلام الثمانينات الأمريكية دورًا تثقيفيًا إلى جانب كونها ممتعة، ولأنها امتازت بطابع الثمانينات، حيث الدخان المتصاعد من فتحات التهوية، والموسيقى المتوجسة والملابس السوداء الجلدية والليل، هناك طابع قوطي حداثي دائمًا في الأجواء.

كانت إحدى طقوس السلسلة أن نرى أرنولد وهو يظهر عاريًا بعد رحلته عبر الزمن، يبحث عن ملابس جلدية سوداء، وسلاح ودراجة نارية، ونظارة شمس، هنا يفتقد الفيلم لهذا كله؛ لشيء في طبيعته، لكنه أضر بصحته.

(4)

نهاية المدمر؟

“عجوز..

لكن ليس تمامًا..

ليس بعد.”

هل عاد المدمر حقًا؟

ما أصاب مشاهد الأكشن في الفيلم كان حتميًا، نتيجة للتوجه الجديد للسلسلة، إلى جانب سن أرنولد نفسه، وهذا شيء فضحته كتابة الدور، فظهر المدمر كآلي قديم الطراز، ذو تكنولوجيا صدئة، وهيئة بشرية تتقدم مع الزمن، لم يقدم المدمر سوى بعض الضربات بقبضتيه، مع تكسير لبعض الجدران، في مشاهد أكشن ضيقة النطاق لدرجة مزعجة، مفصله خصيصًا لصاحبنا القديم. من جهة أخرى تجلى عناد العجزة في سعي أرنولد للدور؛ كأنه يقول لنفسه: لا، ليس بعد، لن أجلس فوق كرسي مدولب ولن أمسك عكازًا.

اافتقدت بشدة رؤية الوجه الكابوسي المخيف للمدمر من الجزئين الأولين، هناك شيء في طبيعة صناعة تلك الأفلام تجعلنا نحبها حقًا، فالفيلم الأول حقق طفرة في استخدام تقنية التحريك القديمة (الأنيماترونيكس)، حينما كانت الخدع حقيقية، وليست مصنعة بالكمبيوتر CGI، رغم أن الجزء الثاني حقق طفرة في الـCGI نفسه ونال 4 جوائز أوسكار في مجالات المؤثرات البصرية والمكياج.

كان هناك استجداء للنوستاليجيا من خلال حشر عبارة “I will be back”، وموسيقى الفيلم الشهيرة التي لم توظف في السياق أبدًا.

أما عن التمثيل، فلا يوجد شيء يُذكر، فقط ساءني الاستخدام السيء للرجل الكُبّارة جيه. كيه. سيمونز، الذي لم يظهر سوى لثوان معدودة تقريبًا، وكان دوره لاداعي له عمومًا، بينما قامت (إيمليا كلارك) -أو كاليسي- بدور سارة كونور، وهي نسخة جيدة من سارة كونور، الأنثى الـBad Ass.

هذا ليس فيلم terminator بالضبط.

فشل الفيلم (نوعًا)، لكل ما سبق، ولكل ماسبق نجحت السلسلة بجزئيها الأولين، وربما لكل ما سبق لن يكون للمدمر وجود مرًة أخرى.

كان المدمر ابن عصره وبطله وفكرته وطقوسه، وبدونهم، لن يكون له وجود.

طيب لماذا نجح الفيلم (رغم كل ما سبق) عن الجزئين الثالث والرابع ولاقى تأييد من البعض؟!

لأن الفيلم يعتبر التتمة الحقه لأول جزئين، بينما الثالث والرابع لم يتما أي شيء.

ربما نرى terminator آخر في السنوات القليلة القادمة، لكن إذا أراد أن ينجح حقًا، فيجب عليه أن يتحرر من صاحبه، ويخلق قوانين جديدة خاصة به، وعالم جديد.

من صفحة (يوميات فتى الكابل).

عن لأبعد مدى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.