عن الكتابة والالهام والسيدة التى تحدث الأزهار

كتب: أسامة علام.

كنا فى صيف تولوز الحار. أمر عليها كل يوم وأنا عائد من معملى بغرب المدينة. أطالع بدهشة متكررة طائرات مصنع الاير باس العملاقة المحلقة لساعات على ارتفاع منخفض. التجربة الأشد قسوة فى الطيران. اختبارها الأخير قبل الحصول على تأشيرة الجدارة بحمل البشر الى البلاد البعيدة.
وهى السيدة الثمانينية بملابسها الأنيقة تروى أزهارها كل يوم فى نفس التوقيت. تكلمها بصوت عال بحميمية الحديث للأحفاد.

تبتسم عندما تكتشف أننى أقف كعادتى أتابعها فى صمت ومحبة. فتكرر بخجلها المعتاد. نعم أحدث نفسى والأزهار يا صديقى الشاب. لتتركنى وتختفى عبر بيتها الفرنسى البديع. وكالعادة أتعجب من أنها لا تكف عن مناداتى بكلمة صديقى.

فى هذا اليوم دعتنى لفنجان قهوة فى حديقتها الصغيرة. كنت وقتها فى بداية الثلاتينيات من عمرى. أحب العجائز كما اعتدت دوما. تصيبنى رؤيتهم دائما بابتسامة تجعلنى شديد الوداعة فى عيونهم المليئة بالحكمة والتجربة. فلم أستطع رفض الدعوة.

عبرت سريعا باب المنزل وجلست مستمتعا بالتجربة. أن أكون ضيفا لسيدة تحدث الأزهار ولاتكف عن مناداتى بصديقها رغم أنى مجرد عابر اعتيادى أمام البيت. وسريعا عادت السيدة العجوز بمشيتها البطيئة كجدتى التى لم أحب أحدا مثلها. حاملة فنجان صغير من القهوة الاكسبرسو وقطعة أصغر من الشيوكالاته السوداء. وعلى وجهها ارتسمت ابتسامة ساحرة من شفتيها الرقيقتان والكثير من الصمت. مدت قدميها فأصبحت أكثر راحة وقدرة على تفحصى.

حملت الفنجان الى شفتى وانتظرت أن تتحدث. للقهوة القوية طعمها الخاص بالحنين الى أماكن وأشخاص لا يغادرون الذاكرة. رشفة وراء رشفة والمكان البديع ومضيفتى الطيبة يحملون قلبى الى أبعاد وأزمنة ساحرة. وبعد كثير من الصمت تحدثت بعد تنهيدة طويلة.

– يموت النحل كثيرا فى هذه المدينة.

فجأتنى الجملة فهززت رأسى مصدقا على كلامها. خجلًا من نفسى لأنى لم أشاهد النحل أبدا يطير حولى فى أى مكان. لكنى بأدب وضعت الفنجان على الطاولة الصغيرة أمامى. لتسألنى بدهشة طفولية:

-هل أعجبتك القهوة؟

قلت لها:

– ممتازة. كنت فعلا فى أشد الحاجة لها بعد يوم طويل من العمل.

سألتنى بجدية:

– هل لاحظت الخط الرفيع قرب قاعدة الفنجان؟

حملت الفنجان مرة أخرى وأعدت النظر. كان هناك فعلا خط ذهبى رقيق جدا يدور فى دائرة حول القاعدة. وضعت الفنجان وعاودت الابتسام. لتقول لى جملتها المهمة وكأنها تتحدث لنفسها:

– الحياة مليئة بتفاصيل صغيرة قادرة على جعل الحياة أكثر بهجة. لكنها تحتاج فقط لأن تتعامل بحب مع العالم. أن تسمح لنفسك بالقليل من الوقت كى تكتشف. أن تعيد النظر وأنت تؤمن بأنك تستحق شيئا مختلفا وخاص. حتى ولو كان مجرد خط ذهبى صغير يلمع لك وحدك فى فنجان صغير من القهوة.

أتذكر هذا اليوم وهذه السيدة الآن وأنا أحاول الكتابة عن الالهام. عن هذا الزائر الأهم فى حياة كل من يحاول صنع الجمال وتتبعه. الكتابة طريق أحادى الاتجاه للتعبير عن نفسك. عاشقة وفية للمجتهدين فقط فى التجمل لها. وليس أكثر كياسة من أن تقابل محبوبتك وأنت فى أجمل صورة. وهندام الكاتب الهامه الذى لا يأتى الا من تتبع التفاصيل الصغيرة، هذه التفاصيل التى لا تسكن الا فى صحبة الأشخاص والأماكن الملهمة.

صديقتى الفرنسية العجوز التى لم أعرف اسمها أبدا أحدهم. ببساطة وود أهدتنى أهم مفاتيح التواصل مع محبوبتى الكتابة. وخلال كلماتها القليلة الحنون كان صمتها أكثر الهاما.

يقولون أن لحظات الصمت بين النغمات هى دائما الموسيقى الأكثر تأثيرا لأى عمل موسيقى عظيم. هذا ما فعلته الجدة الفرنسية عندما قدمت لى القهوة وصمتت. الأزهار والحضور المتخيل للنحل والنسيم ودفئ الفنجان بين يدى ورائحة القهوة كان حضورهم أكثر حميمية من ضجيج العالم حول روحى. الهام كاف لتحريض أى كائن للاقتراب من ود الحياة والاستعداد للمس روح الكتابة وعطرها الفاتن.

عن لأبعد مدى