(3) عملاق أخضر غاضب

على ما أتذكر كان يومًا ممطرًا من شهر ديسمبر عام 2008م،
كنت وقتها أعمل في أحد الشركات الكبرى في الكويت.. أعيش وحيدًا في شقة لطيفة مؤثثة جيدًا..

لي أصدقاء قليلون في ذلك البلد الهادئ.. لم أكن أملك رخصة قيادة ولا سيارة – وهو شيء في غاية الصعوبة في دولة خليجية- ولدي وقت فراغ كبير لا أجد ما املأه به..

كان اليوم ممطرًا بشدة.. سائقو سيارات الأجرة قليلون للغاية في طرقات المنطقة التي يقع بها مقر الشركة.. لا حل سوى أن اختبئ في مكان ما حتى أجد طريقة أصل بها إلى الحي الذي أسكن فيه.

أحد زملائي تطوع أن يوصلني في طريقه إلى اقرب مول تجاري حتى أجد سائق أجرة ينتظر زبونًا يمنحه دينارًا أو دينارين يبتاع بهم عشاءًا يسد به رمقه.. وبعد نصف ساعة وجدت نفسي في احد المولات المتناثرة في ضواحي العاصمة.

قلت لنفسي.. لا مانع من كوب من الاسبريسو مع سيجارتين يمنحاني بعض السكينة و الدفء في طقس هذا اليوم..

ابتعت القهوة ووقفت تحت مظلة في واجهة المبنى متلذذا بها وأنا أراقب الأمطار الغزيرة تصنع بركة من الماء أمام الرصيف المرتفع.. ومع آخر رشفة في الكوب الصغير مرت سيارة ضخمة فوق البركة مطيرة الماء على قميصي وبنطالي بما تحمله من طين الطريق.

تعكر مزاجي وتصاعدت حمى الغضب إلى رأسي فركلت المقعد القابع بجواري على الأرض ورحت أسب بصوت مرتفع حتى لفت انتباه صبي صغير وأمه، فنظرا لي في تقزز.

أخطو إلى داخل المول التجاري قاصدًا الحمام محاولًا تنظيف بقع الطين المتناثرة فقط لأنثرها أكثر فوق ثيابي.. فخرجت من الحمام صافقا الباب في عنف وفورة غضبي لم تهدأ بعد.. قفزت داخل سيارة الأجرة قاصدًا منزلي.. متمنيا أن ينتهي ذلك اليوم بلا رجعة.

بعد فقرة الغداء.. وأثناء فقرة الإعداد ليوم جديد في العمل.. بما تشمله من كي الثياب و حلاقة الذقن.. إلخ إلخ. مما يعرفه أي مغترب يعيش بمفرده.

وبينما أدير مؤشرات القنوات أقلب فيها باحثًا عن فيلم أو مسرحية أملئ بهما وقت الليل قبل النوم.. رن جرس الباب في إلحاح.. ولأن أصدقائي قليلون كما قلت لك منذ قليل.. فلم أجب من يرن الجرس إلا بعد خمس دقائق كاملة.. لاعنًا إلحاحه و قلة أدبه.

فتحت الباب راسمًا أسوأ تعبير بالغضب على وجهي لأجد ذلك الشاب الهندي.. يحمل حقيبة على كتفه ويريد أن يبيعني مجموعة من الاسطوانات التي تحوي أفلامًا أجنبية مترجمة بنسخ أقل جودة وسعر مغري.. وهو أمر جيد في ذلك الوقت حينما كان تحميل فيلم واحد يستغرق يومين على الأقل!

نقدته ما طلبه ورصصت الاسطوانات على طاولة السفرة ورحت أتأمل غنيمتي التي ستمرر الوقت لأسبوع على الأقل.. ونويت أن أذهب للنوم الآن حتى وقعت عيني على تلك الاسطوانة.


عملاق اخضر غاضب.. وفيلم من بطولة إدوارد نورتون.. إدوارد نورتون يؤدي شخصية العملاق الاخضر هالك.. هالك الذي هو في الأصل طبيب الفيزياء البيولوجية بروس بانر.. الذي خضع لتجربة عسكرية في غاية السرية..

كانت آثارها الجانبية هي تحوله إلى عملاق اخضر غاضب يفتك بأي شيء وبكل شيء يقف في طريق فورة غضبه.. (دكتور جيكل ومستر هايد) على طريقة مارفل.

– يا بخته.

صدرت مني الجملة مع ابتسامة ساخرة وأنا أتذكر موقف اليوم والقميص الأبيض الذي أفسدته طينة الأمطار..

ثم قررت بلا تردد أن بروس بانر سيكون ضيفي الليلة.. وليذهب الكي إلى الجحيم.. فلنرتدي أي شيء و نغطيه بسترة ضد الأمطار غدًا.

بروس بانر يخضع لأشعة جاما.. يصاب بذلك التحول.. يهرب إلى البرازيل.. يختبئ في وظيفة متواضعة في مصنع مشروبات.. إنهم يبحثون عنه..

الجنرال ثندربولت الغاضب يريد ذلك العملاق ليستكمل ما بدأه.. الوحش الأخضر يستفز ويعود منتقما ليجدهم قد حولوا غيره إلى وحش جديد..

معركة مدمرة في قلب المدينة.. ثم لا بروس بانر.. بروس يختفي بلا رجعة..
كل هذا جميل.. جميل إلى درجة لا تقوى على مقاومتها.. فقط لو أخبرني أحد الأخوة في مارفل:

-لماذا ادوارد نورتون؟!

على الرغم من حبي الشديد لنورتون منذ نادي القتال (واحد من أعظم الافلام في تاريخ السينما) لكن.. لو سألتني عن خمسة ممثلين يمكن أن يكونوا بروس بانر فلن يكون نورتون منهم، ولا عشرة، ولا مائة.. ثم أن الفيلم جيد لكنه ليس ما توقعته من مارفل بعد أيرون مان، ولا ما يمكن أن يكون بداية لانطلاقة جديدة أبدًا.

ربما كنت وقتها سأفهم تصريح كيفن فيج الذي أعقب اختيار مارك رافلو لاداء الشخصية «لم يكن نورتون هو أفضل اختيار لنا، لذا فقد اتفقنا معه ألا نستمر في الخطأ».

كذلك تصريحه بعد فشل الفيلم في صندوق التذاكر «كل أفلامنا لا تخرج إلا عندما تكون على مستوى توقعاتنا.. أن هالك هو الفيلم الذي سيكون نقطة تحول في استراتيجيتنا». وهو ما اثبته كيفن فيج لاحقًا في كل أفلام مارفل..

انتهى الفيلم.. ورحت أراقب الأسماء و هي تتهادى فوق الشاشة.. رحت أتذكر تجربة يوم السينما.. لا بد أن أنتظر حتى تظلم الشاشة.. إنه بروتوكول مارفل الجديد..

الجنرال يجلس هناك يجرع مشروبات تنسيه ما فعله الوحش الأخضر بمشروعه الواعد.. بينما يدخل ذلك العابث المتباهي توني ستارك إلى الحانة.. يتقدم نحو البار قائلًا:

– أنت تعرف أن مشاريع الجندي الخارق وضعت في الثلج لسبب ما.
– توني.. لطالما أحببت حللك الجيدة.
– هل لديك مشكلة خطيرة يا جنرال.
– لا بد ان تتكلم.
– وأنت لابد أن تسمع.. نحن نكون فريقًا هناك.
– ومن أنتم؟

رسم توني تلك الابتسامة الغامضة فوق وجهه.

جلست أمام الشاشة قليلا لأستوعب ما سمعت.

إذًا توني بدأ في المساعدة على تشكيل الفريق.. ولكن هل يريد توني العملاق الأخضر؟ أم يريد الجنرال ثندربولت الذي من المفترض أن يتحول لاحقًا إلى العملاق الأحمر (ريد هالك) كما في القصص المصورة؟

حتى هذا المشهد.. لم يلمح إلى ماذا سيحدث بالضبط!

ثم ماذا يقصد توني ب وضعت في الثلج!

نهضت لأتمشى قليلا في مكاني.. فتحت باب الشرفة ورحت أعبّ من الهواء البارد المنعش وأنا أقلب في ثنايا مخي عن ما يقصده توني.. ثم لعنت سخافتي التي أتعامل بها مع الأمر كأنني سأحل شفرة (إينيجما) التي ابتكرها الألمان في الحرب العالمية..

أغلقت باب الشرفة ضاغطا على نفسي كي انعم ببضع ساعات من النوم حتى لا أفصل من عملي قريبًا.

الحرب العالمية الثانية.. النازيون.. مشروع الجندي الخارق.. وضعت في الثلج..

هنا فقط ابتسمت ساخرا من نفسي.. إنها مارفل يا عبقري.. فكيف لا يكون حاضرًا؟!

كيف لا يكون ستيف روجرز حاضرًا؟!

ذهب النوم من عيني كالعادة.

(يتبع)

عن ميسره الدندراوي

مؤلف مصري، من رواياته البوليسية: (آثار جانبية)، (صمت مزعج)، (العنصر التاسع).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.