عائلات أدبية في الخيال العلمي والفانتازيا

عندما أجرينا حوارين صحفيين مع: الكويتية (ضحى الحداد)، المصرية (هبة الله محمد).

قالت الأولى:

– بعد تجربتي الناجحة أصدر أخي كتابه الأول بعنوان (سوبر كتاب) الذي ينشر حاليًا مع دار آفاق.. نستطيع القول أنني كنت تأثيرًا جيدًا.

(هبة الله محمد):

– زوجي متفهم كثيرًا ويسألني بين آن وآخر: هل كتبتِ شيئا جديدا؟ لِمَ لم تكتبي منذ فترة؟ بل أنه أصيب بعدوى الكتابة هو الآخر، واستطاع أن يكتب وينشر قصصًا ناجحة.

هذين النموذجين أثارا عدة أسئلة في ذهني:

هل شغف الكتابة قابل للانتقال بالعدوى؟

أم أن بذرة الموهبة كانت لدى الزوج والأخ منذ البداية، لكنها كانت متوارية تحت السطح منذ البداية؟

أيًا كان التفسير، ففي كل الأحوال نحن أمام أمر واقع، يتمثل في:

– عائلات خرج منها أكثر من مؤلف، بل قد يمتد ذلك إلى أكثر من جيل.

مثـل: (ستيفـن كينج) وابنيـه (جو) و(أوين). من قبلهـم الأخوات (برونتي)، و(ألكسندر دوماس) الأب والابن.

عربيًا.. عندما اقترن (مريد البرغوثي) بـ (رضـوى عاشور) ليس غريبًا أن يثمر زواجهما عن ابن مثل الشاعر (تميم البرغوثي).

ما لا يعرفه الكثيرون –كذلك- أن الروائي الشهير (علاء عباس الأسواني) ينحدر من أب حاصل على جائزة الدولة التقديرية في الأدب.

إذا رجعنا بالزمن أكثر، لن نستطيع غض الطرف عن عائلة بزغ نجم جيلها الأول منذ القرن التاسع، الذي تمثل في الشاعرة (عائشة التيمورية) وشقيقها (أحمد باشا تيمور) الذي تنوع إنتاجه ما بين (التاريخ، اللغة، التراجم، الفقه الإسلامي، وغيرها). تلاهم الجيل الثاني: (محمد) المصنف  كأحد رواد الأدب القصصي والمسرحي، إلى جوار شقيقه (محمود) الذي اقترن اسمه أكثر بفن (القصة القصيرة) .

حتى بالنسبة للخيال العلمي والفانتازيا المعاصرين، بزغت فيهن عدد من العائلات الأدبية أيضًا. مثل:

• آل (معاطي):

«جمع بيني وبين د. (صلاح معاطي) حبنا للأدب والعلم، فالتقينا، وجمعت بيننا موضوعات عديدة كانت هي محور أحاديثنا، فارتبطنا، وأكملنا مشوار حياتنا معًا، وحبنا للأدب والخيال العلمي، شجعني زوجي على الكتابة في هذا المجال».

بدأت الأديبة والإذاعية (عطيات أبو العينين) حديثها بهذه الكلمات، قبل أن تشـير إلى أمـر آخـر أقنعها به (معاطي): أن يطلقا اسم (نهاد) على ابنهما الأول سواء كان ذكرًا أو أنثى، نظرًا لما يحمله من حب وانتماء شديد إلى أستاذه: رائد أدب الخيال العلمي في مصر (نهاد شريف).

تقول (أبو العينين):

– ارتبطت نهاد ابنتنا بالراحل نهاد شريف لدرجة أنها كانت تظنه جدها المباشر.

عن تأثير النشأة داخل أسرة أدبية، تضيف الأم:

– كانت تخاف أن يجور والدها على سريرها وتستيقظ يوما لا تجده، وقد حلت المكتبة محله، لطغيانها على كل مساحات داخل المنزل.

على أثر خـلاف مع زميلة لها في KG2، كتبت (نهاد معاطي) أول قصة، أسمتها (الشر بين  الجميـع). عندما بلغت السادسـة تقريبًـا، نشرت أحد الموضوعات في مجلة (العربي) الصغير، ثم حصلت على جائزة (راماتان- طه حسين) وهي دون السادسة عشرة، كما حصدت –فيما بعد- روايتها الأولى (أحلام طبق الأصل) على الجائزة الأولى في مسابقة الكتاب الأول بالمجلس الأعلى للثقافة، نشرها ضمن سلسلة المواهب.

أشار الأب (صلاح معاطي) إلى موهبة أخرى امتلكتها الفتاة منذ الصغر: أتقنت ما يزيد خمس لغات (قراءة وكتابة)، فتمكنت من الاطلاع على مدارس عالمية مختلفة من الخيال العلمي.

أضـاف الأب أنه تابـع/ يتابـع تطـورها سـواء في (طبق الأصل)، أو المسودات التي لم تنشر بعد، ثم حدثنا من منظور أوسع عن جيل (نهاد) ككل، وعلاقته بما سبقه:

– إذا جاز لنا توثيق الخيال العلمي في مصر الآن، فلابد من ذكر ثلاثة أجيال تناولوا هذا الأدب بأكثر من شكل ووجهة نظر وأسلوب.

جيل نهاد شريف الذي ينتمي بالأساس إلى جيل الستينيات ذلك الجيل الذي اهتم بجماليات اللغة والأسلوب وروعة البناء والسرد. وكيف تشكلت ذائقتي الأدبية في ظل تعاملي المباشر مع نجيب محفوظ ويحيى حقي وإحسان عبد القدوس وطبعًا نهـاد شريف، ولا ننسـى توفيـق الحكيـم بروعتــه ورؤيته للمستقبل وكذلك مصطفى محمود.

ومن عباءة نهاد شريف خرجت محملًا بثقافة وفكر ذلك الجيل ليس في الخيال العلمي فحسب وإنما كل مجالات الإبداع. وفي هذه المدرسة الراقية تعلمت أن الفن وحدة واحدة، فلكي تكتب ينبغي أن تقرأ في كافة مجالات الإبداع، بل وتطلع على الفنون المختلفة من موسيقى وفن تشكيلي ونحت ومسرح.. إلخ. ثم نصل إلى الجيل الجديد، وكلمة الجديد هو الذي بدأ إبداعه بعد عام 2010م، ومنه بطبيعة الحال نهاد معاطي، فهي بالإضافة أنها امتداد لمدرسة نهاد شريف ولي.

************

• آل (مطـر):

يعد (مطر) عاملًا مشتركًا بين اسمين تخصصا في الخيال العلمي: (محمد نجيب مطر) و(مدحت عبد الله مطر).

كان الثاني مقيمًا –بسبب ظروف عمل والده- في السعودية، بدأ يقبل بنهم هناك على روايات الجيب للدكتور نبيل فاروق وأحمد خالد توفيق، كما هوى كتابة الشعر أيضًا. فما كان من العم (محمد نجيب) -الذي لا يزال بمصر- إلا أن تعاقد نيابة عن ابن شقيقه المغترب مع إحدى دور النشر لطباعة أول ديوان للصبي.

– ظل والدي وعمي المقرب يراقبانني وعلى وجه كل منهم ابتسامة عريضة وقد ألهمهم الظن أني أحلم. نعم هذا أجمل حلم وواقع، وقتها كان حلم عمي أيضًا  أن يكون كاتبًا معروفًا وقد اتخذته مثلًا أعلى لذا قررنا نحن الاثنان أن يكتب كلاً منا رواية تخصه.

عندما عاد (مدحت) إلى مصر بدأت محاولاته الأولى في الكتابة، فلاحظ العم تشبعه بأسلوب وطريقة (نبيل فاروق).

يذكر (نجيب مطر):

– نصحته في البداية أن يتخلص منه، وأن يكون نفسه، حاول وتحوّل لكن ببطء، كتب أول رواية له

فلاحظت ميله للكتابة في الخيال العلمي الممزوج بالفنتازيا المائل إلى أدب الرعب. كنت أحاول أن أقدم له نصائح كان يقبلها بأدب، ولكنه لا يلقي لها بالًا.

استمر العم ومن قبله الأب -الذي كان بدوره أديبًا وشاعرًا نشر عدة دواوين- في قراءة أعمال مدحت أولًا بأول، وتبيين جوانب الإجادة وجوانب القصور فيما يكتب، لكنه كان يصر على اختياراته، يكتب ما يحب.

اعترف (محمد نجيب مطر) فيما بعد:

– انطلق مدحت في مجال أدب الرعب، وتكررت أعماله، كنا نلاحظ تحسن أسلوبه وبلورة أفكاره، ومنه تعلمت أن الشباب ينظرون إلى الأشياء بصورة غير التي نراها، وأن ما نستصعبه في الكتابة ونحاول تبسيطه يميل إليه الشباب الذي يهوى العقد المركبة، فتلاحظ في أعمالهم كثرة الخطوط الدرامية المتقاطعة فالفكرة متعددة والحبكات متتالية صاعدة هابطة والشخصيات كثيرة، وهو ما لا نميل إلى قراءته وكتابته جيل كبار السن.

***********

• آل (الدواخلي):

(إيمان، محمد، منى، وجدان). مما هو جدير بالانتباه: أن يخرج كل هؤلاء الموهوبين من رحم واحدة.

(وجدان) مهندسة معمارية، إلا أن هذا لم يمنعها من كتابة القصص الواقعية القصيرة أو أدب أطفال أحيانًا، من قبلها الشقيقة الكبرى (إيمان)، التي تركت طب التخدير منذ سنوات، تفرغت للكتــابة/ التدقيـق اللغــوي/ التحـرير الأدبي، فأصدرت عدة روايات، مثل (الأمة تلد) و(أذان السندباد). سنتطرق -في فصل لاحق- إلى تجربها أيضًا كأم لكاتب واعد. لكن بالعودة إلى الأشقاء، هناك اثنان فحسب أسهما بإنتاج أدبي ينتمي –بشكل مباشر- إلى أحد الألوان الأدبية التي يستهدفها الكتاب:

(منى) التي تنوعت مجالات دراستها ما بين (بكالريوس هندسة زراعية/ دبلوم فن إسلامي- منمنمات واكسسوار/ ليسانس آداب- ترجمة- تعليم مفتوح)، شاركت مع شقيقها (محمد) في ترجمة أعمال عالمية مهمة في أدب الرعب، مثل (دراكيولا) لـ (برام ستوكر) و(الدبور المصري) لـ (ألجيرنون بلاكوود).

في سبتمبر 2019م، أثناء حوارنا مع  مؤلف وناشر الفانتازيا (محمد الدواخلي)، أفاد عن كواليس نشأته وسط مثل هذه العائلة الأدبية الواسعة، قائلًا:

– منى كانت مع وجدان.. رفيقتي الطفولة وقراءة ألغاز محمود سالم وأعداد نبيل فاروق وأحمد خالد توفيق. ربما استمرت منى معي مدة أطول لكن عائق الخط غير المقروء جعل من يستمر معي كمستشار في مسودات أعمالي هو شقيقي الأصغر خالد. بالنسبة لإيمان؛ فالفارق العمري الكبير يجعلها من جيل مختلف عني.

المفارقة الحقيقية تكمن في أن (محمد الدواخلي) لم يكن يعلم من الأصل بالميول الأدبية لشقيقته الكبرى (إيمان)، وأوضح السبب بقوله:

– حين دخلت في مرحلة هوس القراءة كانت قد خرجت منها بالفعل. تخلت عن الكتابة قبل أن أعي لحبي للكتابة، لذا كانت مفاجئتي كبيرة حين بدأت أنشر على المنتديات، أن بدأت هي بدورها تكتب وتنشر قصصها. ابن أختي العزيز الموهوب إسماعيل وهدان كان له الدور الأكبر في تشجيعها على العودة للكتابة.

 نشرت السطور السابقة كأحد فصول الكتاب الإلكتروني (خياليون جدد).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).