صعوبات ترجمة الخيال العلمي والفانتازيا

• صعوبات ترجمة الخيال العلمي:

– المشكلة الأبرز أنه لا تُوجد جهة واحدة تحمل على عاتقها مسؤولية تعريب ما يَجِد من مصطلحات، أو حتى القديم منها، واعتمادها مُصطلحاتٍ رسمية مُلزمًا للجميع. لذا لا يجد كل مُترجم سبيلًا آخر إلا أن يهيـم في واديــه الخاص، ويجتهد بنفسه لمحاولة الوصول لأفضل تعريب مُمكن لمصطلحٍ ما (…) عدم وجود ضوابط تحدد عملية ترجمة المصطلحات العلمية مسألة لا أظن لها حلًا، ما دام سيستمر العلم في القـدوم إلينا من الغرب، وسنظل نحن في اضطرار دائم لترجمته.

هذه هي وجهـة نظـر (نادر أسامة) فيما يخـص أحد أبرز الصعوبات المرتبطة بترجمة الخيال العلمي، ثم انتقل الرجل إلى الحديث عن مشكلة أخرى قد يحار الكثيرون في اتخاذ موقف بصددها، ألا وهي (الهوامش):

– أحيانًا تكون الهوامش ضرورية جدًا لدرجة أن القارئ قد يشعر بالضياع من دونها، لا بصفتها حاشية توضيحية لكلمة غير دارجة أو أخرى قديمة قل استخدامها لكنها ضرورية لنقل نبرة الترجمة إلى العربية، ولكن لأنها تشرح تفصيلة محورية تمامًا لحبكة الرواية، وعدم فهمها بالشكل الأمثل قد يجعل عملية التخيُّل صعبة جدًا على القارئ.

بعيــدًا عن التفاصيــل التحـريرية، انتقـل (محمـد سلامة) إلى الفضفضة حول نوع مختلف العوائق، يتعلق بمدى احتمالية قبول القارئ العربي لهذا اللون الأدبي من الأساس:

– قصص الحياة على المريخ في الغرب لن تكون صادمة، لأن مجتمعهم فعلًا أرسل مركبات للمريخ ولما أبعد من المريخ.. لكن عندنا سيكون الأمر كمن يناقش طفلًا في تفاصيل كتاب دراسي جامعي! لا يمكن القفز للدرجة الأخيرة من السلم فجأة. ابدأ من البداية. ابدأ بقصص عن نيوتن لا عن الثقوب السوداء.

اتفق المترجم (وسام عبده) مع الرأي السابق، مصرحًا:
– المجتمـع العـربي اليــوم يفتقـر إلى روح المنهــج العلمي والموضوعية، فتراه يتأرجح بين خرافتين:

خرافة ميتافيزيقية يضفي بها القداسة على ما ليس بمقدس، خرافة مادية تكفر بكل ما هو يستحق التقديس وتعبد المادة. وفي كلا الحالين يقوم المجتمع بذلك على أسس من التعصب لا على أسس من الموضوعية، فهذا العالم الذي لا يستطيع أن يفهم حقيقة الدين وحقيقة العلم وحقيقة الفلسفة، لا يمكنه أن يتلقى نصوص إبداعية مثل الخيال العلمي، الذي أشرنا من قبل أنه يسبح في بحور فلسفية وعلمية وميتافيزيقية لم يتم استكشافها بعد. لذلك تجد أن القليل الذي ينشر من أدب الخيال العلمي، أقل منه هو الذي يستحق، والأكثر يعتمد على التسطيح والإثارة البسيطة.

بالعـودة إلى (نادر أسـامة) نجده –على العكس من الآراء السابقة- يتبنى وجهة نظر أكثر تفاؤلًا:

– يستطيع الناشر بالتسويق الجيد وبذوقٍ رفيع في اختيار أعماله أن يضمن الوصول إلى شريحة لا بأس بها من عشَّاق هذا الضرب من الأدب، ما سيضمن له الربح بالتبعية. ثمَّة مشاريع عربية دُشنت بالكامل على الخيال العلمي قبل أن تتفرّع إلى ما هو أكثر، مثل ما فعلته المؤسسـة العربيـة الحديثـة قديمًا بسلسلة “ملف المستقبل” لنبيل فاروق مثلًا.

***********

• صعوبات ترجمة الفانتازيا:

ظننا أن العالم قد تجاوز –منذ زمن بعيد- إشكالية التعامل فقط مع الأدب (الاجتماعي، التاريخي، إلخ) على أنهم (أدب جاد)، بينما تصنف الفانتازيا والرعب من قبيل (الترويج للخرافات) و(مخدر للهروب من الواقع). لكن الواقع يقول أن بعض الناشرين لا يزالوا يتحلون بنفس النظرة، سنتسعرض نموذجًا  في الفصل التالي. لكن لنضع الآن نصوص الفانتازيا ذاتها تحت الميكرسوب، ونناقش نوع مختلف من الصعوبات، يتعلق بترجمة مفردات هذا اللون الأدبي.

ساهم (محمد الدواخلي) –بالإشتراك مع شقيقته (منى)- في ترجمة نصوص تنتمي إلى أدب الرعب، من نوعية رواية (دراكيولا) لـ (برام ستوكر) و(الدبور المصري) لـ (ألجيرنون بلاكوود). ومع ذلك، أشار إلى أن لغة أدب الفانتازيا تتسم بطابع مختلف، ضرب مثالًا بـ..:

– «في المخلوقات الأسطورية، ربما تترجم (جوبلن) إلى (عفريت). وهي الترجمة الأقرب لوصف المخلوق بالفعل. أو تترجم إلى (شيطان) أو (جني) أو تترك كما هي. لأن -في النهاية- إيلف وجوبلن وأورج ودوارف. لها سمات تختلف عن المخلوقات الأسطورية العربية: الجني والعفريت والغول والقزم».

تنفرد الفانتازيا –حصرًا- كذلك باحتمالية ورود ألفاظ من خيال المؤلف بالكامل. بل -في بعض الأحيان- يخترع لغة كاملة من بنات أفكاره، مثل: لغة (الدوثراكي) في سلسلة (أغنية الجليد والنار)، لغة (كوينيا) أو (السيندارين) في أعمال (تولكين).

تلك المعضلة الأخيرة، اصطدم بها السوري (أسامة أبو ترابة) أثناء ترجمته لرواية (السليمارين)، فيقول أنه استغرق نحو أربع أشهر للوصول إلى أشخاص ومراجع ساعدوه في مشكلة ترجمة الفقرات والأشعار التي كتبت بها تلك اللغات.

بعيدًا عن الكلمات التي لا مقابل لها في معجم أو قاموس، إذا تطرقنا إلى عقبات تخص طابع لغة النص عمومًا، يروي (أبو ترابة) –في هذا الصدد- أنه لاحظ محاكاة (تولكين) لأسلوب العهد القديم، فوجد المترجم السوري نفسه بحاجة إلى قراءة إلى عهدي الكتاب المقدس -القديم والجديد- كي يستطيع تقديم نقلًا أمينًا لروح النص.

تناول (هشام فهمي) تلك الصعوبات اللغوية من منظور أوسع، عندما نشر مقالًا في مجلة (الثقافة الجديدة)، يقول في أحد مقاطعه:

– يجب الانتباه كذلك إلى الخصائص اللغوية لكل عالم خيالي، فكثيرًا -على طريقة شيكسپير- ما يستخدم مؤلفو الفانتازيا كلمات أو تعبيرات في عالمهم بمعنى يختلف عن المتعارف عليه في عالم الواقع (..) ثمة مؤلفون يبتدعون كلمات جديدة، مع الوقت تصير جزءًا من اللغة المتداولة في عالمنا. تولكين مثلًا كان أول من وضع مصطلح «Kinslayer» الذي استخدمه كتاب الفانتازيا من بعده، وأترجمه إلى «قاتِل الأقربين»، ويستخدم مارتن تعبير «Half  a hundred»  دلالة على الكثرة، فلم أجد غضاضة في ترجمته إلى «نِصفمئة» بدلًا من «خمسين».

************

• صعوبات مشتركة في ترجمة (الخيال العلمي، الفانتازيا، إلخ):

– تباين اللغة:

في هذا الجزء، نستمر في الاقتباس من تجربتيّ (فهمي) و(الدواخلي).

يقول الثاني:

– يمكن القول أن نفس النص يختلف ترجمته حسب عوامل كثيرة، مثل: تذوق المترجم، فهمه للنص وإدراكه لغرض الكاتب والمعنى الذي يريده إيصاله للقارئ أكثر من غيره. كل هذه عوامل شخصية بخلاف العوامل العلمية، مثل: خلفية المترجم الدراسية واللغوية، والمدرسة التي يتبعها، والنص الأصلي الذي يختاره للنقـل إذا كان يترجم من خلال لغة وسيطة.

أكد (الدواخلي) على اختلاف قناعات المترجمين حتى أمام التعبيرات الجامدة (اسم شخص أو مكان)، ضرب مثالًا بشخصية قد تدعى (فيرجينيا) والتي –حرفيًا- معناها (الطاهرة). مما يترتب عليه وجود مترجمين ينقلون الاسم كما هو، بينما قد يلمس مترجم آخر رمزية مقصودة في الاسم ستضيع بكتابة (فيرجينيا)، فيكتبها (الطاهرة). بينما قد يفضل ثالث وضع الاسم الإفرنجي ويربط المعنى العربي بملاحظة في الهامش.

بالانتقال إلى تجربة المترجم (هشام فهمي)، التي رواها –يومًا- بتوسع على صفحته الفيسبوكية:

–  عندما قمتُ بترجمة رواية(فرانكنشتاين) مثلًا، حرصتُ على أن تكون اللغة جديرة بكلاسيكيَّة النص وما فيه من تعبيرات منمقة، وفي الوقت نفسه حاولت قدر المستطاع أن تكون اللغة عصريَّة تجذب القارئ إلى الرواية ولا تنفره منها، لأن هناك كثيرين يشتكون من أن ترجمات الأعمال الكلاسيكيَّة بالذات معقدة جدًّا ولغتها أصعب من اللازم.

أكّد (فهمي) على التزامه بنفس النهج عندما ترجم نصوصًا لڤرچينيا وولف ولاڤكرافت وبورخس وكافكا وآرثر كونان دويل. بل أنه استخدم نفس النسق مع سلسلة (أغنية الجليد والنار) على الرغم من أنهـا ليست روايـة كلاسيكيَّـة، لكن أجـواؤهـا أقرب إلى هذه الأعمال.

انتقل (هشام) إلى شرح نوعية أخرى:

– عندما ترجمتُ نصوصًا لتشاك بولانك -كروايتي (الناجي الأخير) و(أغنية المهد)- وجدتُ أن الرجل يكتب بالعامية الأمريكية، ما يعني أن استخدام العربية الفصحى في الترجمة كلها سيدمر النص تمامًا، فحاولت الموازنة بين الفصحى والتعبيرات العامية التي ليس لها مقابل في الفصحى العربية أصلًا، والشيء نفسه ينطبق على ترجماتي لستيڤن كينج ونيل جايمان ووودي آلن وجورج كارلن.

***********

– الاصطدام بقناعات دينية أو مجتمعية:

من واقع تجاربه في ترجمات (الخيال العلمي والفانتازيا)، أشار (نادر أسامة) إلى تلك اللحظات التي يجد فيها المترجم أمام نص يخالف أفكاره هو نفسه، فلا يكون من حلٍ أمامه إلا أن يُجرِّد نفسه من أي قناعات، ويخلص لفكر الكاتب، ما دام قد قبل مهمة الترجمة وشرع فيها من الأساس:

– بعض المترجمين يفعل ذلك، وبعضهم لا، وتوجد فئة ثالثة مُضحكة تزج بأفكارها الخاصة المُعارضة لرأي الكاتب في هامش، مثلما يضع بعض مترجمي الأعمال السينـمائية والتليفـــزيونيــة تحـــذيـرات للمشاهدين بأن مشهدًا جنسيًا سيأتي بعد لحظات.

يرفض (نادر) هذا النهج، بل يعتبره جريمة حقيقية. من منطلق أن المترجم عندما أمسك بالكتاب وفتحه أول مرَّة كان قارئًا، ولم يُوجَد وسيط بينه وبين الكاتب، فكيف يعطي لنفسه حق الوصاية على من يأتي بعده.

واصل (أسامة) في نفس السياق:

– ما دام أحب عملًا وأخذ على عاتقه مهمة ترجمته، لا يجب أن يحشر نفسه في العملية إلا بالقدر الذي حددته له المهنة، وهو التفاني في محاولة إيصال المعنى بأفضل ما يكون للغة المنقول إليها، من دون المساس بأفكار الكاتب، مع سعة محدودة لتوضيح بعض الأمور الغريبة في النص باستخدام الهوامش، مع تحري عدم الإفراط فيها.

بالإضافة إلى رأي (أسامة)، لابد من الوضع في الاعتبار تدخلات أخرى، خارج إرادة المترجم.

في هذا الصدد، أوجز (محمد سلامة) نتيجة تجربته مع ترجمة رواية (فرانك هربرت) الشهيرة.. (كثيب):

– أصبح النص النهائي المنشور لا يعبر بدقة عن النص الأصلي ولا عن أسلوبي في الترجمة.

أرجع (سلامة) السبب إلى تدخل محرري دار النشر في النص، والقيام بالكثير من التعديلات، ربما بسبب حساسية موضوع الرواية كما يعرف من قرأها، فهي في أحد جوانبها رواية عن «المهدي في الفضاء»، وعن الصراعات السياسية المستقبلية، وعن خطورة بعض القادة الدينيين.

ختم (سلامة)، بقوله:

– أحتفظ لنفسي بالترجمة الأصلية الأمينة، والتي تنتظر ناشرًا شجاعًا يشتري حقوقها الورقية من ورثة المؤلف، خصوصًا وأن الإنتاج السينمائي الجديد سيصدر قريبًا (إخراج ديني فيلينوف) وسيجدد اهتمام العالم بالرواية.

 نشرت السطور السابقة كأحد فصول الكتاب الإلكتروني (خياليون جدد).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).