(شمعة لا تنطفئ): قصة رعب قصيرة- منال عبد الحميد

• ملخص الجزء الأول:

أثناء تفحص تراث الجدة القديم يقع القريبان على أشياء كثيرة يمكن اعتبارها من الغرائب.. لكن أكثر غرابة كان شمعة أسطورية تدور حولها قصة مخيفة.. يتبادلان التكهنات حولها ويطلقان التخيلات..

لا أحد يعرف لِمَ هذه الشمعة محفوظة بتلك الطريقة الغريبة ولم ظل فتيلها كاملًا رغم أنها شوهدت مشتعلة بواسطة أحدهما ذات ليلة بعيدة!

يتراهنا حول الشجاعة.. ويقبل بطلنا التحدي.. يأخذها إلى بيته متجنبًا إشعالها تحت أي ظرف من الظروف.. لكن يبدو أن الظروف كلها اجتمعت لتجبره على القيام بذلك!

يناور حظه المكتوب له في تلك الليلة طويلًا حتى يجد نفسه أخيرًا في قبضة الظلام ولا وسيلة لديه سوى تلك الشمعة الملعونة المخيفة.. يشعلها قادحًا زناد حظه ورافضًا تصديق الخرافة!

فهل تفعلها.. هل تقتله الشمعة الخارقة أم يبقي حيًا ليروي لنا قصته بنفسه؟!

(2)

مرت دقائق.. لم يحدث شيء!

ها أنا ذا حي وسليم ولا زالت أعضائي كاملة ورأسي موجود فوق عنقي لم يطير بضربة فأس أو يشطره سيف بتّار من سيوف فرسان الهيكل.. ياللحماقة.. ياللحماقة!

أخذت أضحك قليلًا.. ثم بدأت أفكر في تسلية نفسي في الساعتين المتبقيتين على رجوع أسرتي أو حتى يتعطف علي التيار الكهربي ويعود.. فتحت هاتفي وأخذت أشاهد بعض ملفات الفيديو التي أحتفظ بها هناك والتي تخص أسرتي.. بعضها لقطات حية تجمعني بـ داليا  في حفل زواجنا، أو في شهر العسل الذي قضيناه على الشاطئ في الإسكندرية.. صور فوتوغرافية لأطفالي وهم يرتجفون فوق شراشف بيضاء عقب ولادتهم بدقائق قليلة..

شاهدت الكثير من تلك الفيديوهات المحببة التي تحمل أغلى ذكريات ولحظات حياتي.. ثم شعرت بالخدر في ساقي وذراعي فوضعت أغنية محببة لي على مشغل الأغاني في الهاتف ووضعته على النضد بجواري وأغلقت عيني لأحظى بشيء من الاسترخاء..

مرت دقائق وأنا أستمع لكلمات أوسكار وايلد مغناة بذلك الصوت المليء الرخيم الدافئ:

سر بخفة،  فهي قريبة تحت الثلوج
تحدث بلباقة،
فهي تسمع نمو أزهار الأقحوان

اندمجت تمامًا مع الكلمات وأخذت أدندن معها وأنا شبه ناعس من فرط الاسترخاء.. لكنني ، وبعد دقائق ، بدأت أتنبّه لشيء غريب.. كلمات غريبة متداخلة وسط كلمات الأغنية.. فتحت عيني وأنصت بكل جوارحي.. كنت ناعسًا نعم لكن ليس لدرجة أن أحلم أو أتوهم أشياء غير حقيقية!

فهو إذ ذاك محمي من كل جانب..

تردد الصوت فسمعته بوضوح.. من قال ذلك؟!

المغنية المتهافتة؟!

لا.. إنه صوت غليظ قاسي بارد يثير الذعر في العروق.. أنصت جيدًا وقربت الهاتف من أذني.. للحظة عادت المطربة تشدو بخلو بال:

سر بخفة، فهي قريبة
تحت الثلوج..

تنفست الصعداء.. كل شيء على ما يرام إذن؟!

لكنها وقبل أن تأمرني بأن أتحدث بلباقة لأنها تسمع نمو أزهار الأقحوان تلاشى صوتها العذب وسمعت صوتًا غليظًا قاسيًا يردد:

– لا يهزه الخوف من الإنس أو حتى الشياطين..

أصبت بصدمة جعلت البرودة تسري في عروقي.. وجعلتني ودون أن أشعر بما أفعله أرمي الهاتف من يدي.. فسقط وارتطم بالأرض وتحطمت شاشته وسمعت بأذني صوت تهشم الزجاج الناعم..

أجفلت ونهضت واقفًا.. التفت إلى جواري.. كانت الشمعة اللعينة لا تزال مُضاءة.. قربت وجهي منها وتفحصتها بعمق.. جف حلقي وتسارعت أنفاسي!

لم يذب مليمترًا واحدًا منها ولم تسقط منها نقطة.. والفتيل.. لا زال مكتملًا ناصع البياض رغم خيط اللهب الثابت الممسك به!

لا لا.. هذا يتجاوز كل حد ممكن.. بلا تردد نفخت فيها.. انكمش ضوءها وزوى وبدا في طريقه للتلاشي والخمود.. هووف.. انطفأت تماما!

حمدًا لله.. هدأ قلبي قليلًا وتوقف عن الركض.. لقد أطفأتها أيها المتحمسون!

بغتة سمعت صوتًا موشوشًا.. ورأيت خيط لهب ضخم يندفع من رأس الفتيلة.. تصاعد خيط اللهب سنتيمترات إلى أعلى.. ثم هدأ وانخرط في صورة خيط صغير من اللهب الثابت!

سقط قلبي بين قدميّ وانهرت في مقعدي بجوار النضد الذي تقف الشمعة فوقه.. نظرت إليها للحظة ثم خطرت لي فكرة عبقرية.. تركتها تتوهج مكانها وتناولت كوبي الذي به بقايا الشراب.. كانت لا تزال هناك بقية صغيرة في الثمالة فألقيتها فوق الشمعة.. خمد ضوءها لثانية ثم عاد يتوهج من جديد!

أصابني إحباط قاتل لدقائق.. ثم أخذت أتساءل عن معنى كل ذلك!

إذا كانت هذه الشمعة اللعينة مصرة على أن تبقى مشتعلة فلتبقى كذلك حتى تذوب وينتهي أمرها.. تركت مكاني واتجهت نحو باب المنزل.. فتحت الباب ووقفت بجواره مستروحًا نسمات الهواء، فالجو خانق بسبب الظلمة داخل المنزل رغم برودة الجو.. لكنني وبمجرد أن فتحت الباب حتى وجدت أحدهم يقف أمامه..

فتى صغير يرتدي زيًا مميزًا.. عامل توصيل طلبات للمنازل!

كان يحمل صفًا من العلب الورقية العريضة ويقف أمام بابي متهيئ لدق الجرس..

– عفوًا أهذا المنزل رقم 66؟!

– نعم!

– السيد…  هناك طلبية لك.. من مطعم!

نظرت إليه بتوتر وعدم فهم للحظات:

– حسنًا.. لكنني وكما أذكر لم أطلب أي شيء من مطعمكم!

ابتسم الولد بصفاقة وقال منهيًا أي محاولة مني للتملص:

– لقد تم عمل الطلبية باسمكم بالفعل وتم إملاء العنوان بشكل صحيح.. هل ترفض تسلمها؟!

فكرت قليلًا (لعل داليا  هي التي قامت بهذا الأمر):

– حسنًا.. سأتسلمها!

ناولني فاتورة صغيرة فتفحصتها.. لم تكن باهظة الثمن فدفعت إليه مما كان لدي من مال في جيوبي ونقدته بقشيشًا سخيًا إكرامًا لخاطر زوجتي التي انتظر عودتها بلهفة في أية لحظة سعيدة قادمة.

سألته وأنا أوقع له الفاتورة عما إذا كان قد تعذر عليه الوصول إلى العنوان بسبب الظلام فضحك ضحكة صبيانية وهتف بدهشة:

– شيء غريب.. الحي كله غارق في الظلام.. لم أرَ شيئًا كهذا من قبل!

عدت سريعًا إلى الداخل وقد تذكرت شيئًا مهمًا.. رأيت الشمعة السخيفة لا تزال تتوهج فأصابني الغم.. هرولت ناحية هاتفي الملقى على الأرض وتناولته.. تفحصته وبدأت أجربه راجيًا أن يعمل بشكل طبيعي حتى يمكنني على الأقل الاتصال بـ داليا  والاطمئنان عليها.. لم يستجب الهاتف لكل محاولاتي فغضبت من نفسي غضبًا شديدًا..

كيف سيكون بإمكان زوجتي الاتصال بي الآن.. ماذا ستعتقد عندما تحاول الاتصال بي وتجد ذلك مستحيلًا.. أية أفكار مخيفة ستدور في رأسها ؟!

نفخت ضيقًا وغيظًا، وقررت أن أسري عن نفسي بتناول قطعة صغيرة من الطعام.. تناولت إحدى العلب التي أحضرها عامل التوصيل للمنازل وفضضت تغليفها غير المتقن.. كانت هناك بيتزا شهية المنظر والرائحة بالداخل.. النوع المفضل لدي يشي بأن من قام بعمل هذه الطلبية هي زوجتي فعلًا ولا أحد سواها!

تناولت شريحة مغطاة بالفطر وأخذت ألوكها على مهل.. لم أكد استمتع بطعم القضمة الأولى لأنني سمعت صوت خطوات فوق رأسي تمامًا!

*********

تركت الطعام، بعد لحظات من التردد، ونهضت ببطء.. لن أتصرف بطريقة هستيرية وأترك لصًا يجول فوق رأسي.. خطوت ناحية السلم كنت خائفًا مترددًا لكنني لن أجبن.. الجبن أقبح الرذائل.. ماذا سيحدث لو أتت داليا  والأولاد الآن فوجدوا حاجياتهم قد سُرقت لأن أباهم جلس بأسفل خائفًا مرعوبًا من مواجهة اللص المقتحم الدخيل؟

أصابني الغيظ وتذكرت أنني نسيت الشمعة.. كيف سأرى طريقي بأعلى دونها؟!

كارهًا انتزعتها من مكانها وأمسكتها بيدي.. صعدت درجات السلم بتؤدة لن أجازف بالقفز على السلم في الظلام حتى أنزلق ويدق عنقي ويعتقد البعض أن شمعتهم السخيفة نجحت في القضاء علي!

كان الدور الأعلى غارقًا في الظلمة تمامًا.. توجهت ناحية إحدى النوافذ وتفحصت الشارع عبرها.. حقًا كل شيء غارق في لون أسود كثيف.. غريب!

أنصت قليلًا.. انتظرت أن يتردد صوت الخطوات المتلصصة لأحدد من أي اتجاه أتت.. لكنني لم أسمعها ثانية!

أنصت للحظة وثانية وثالثة.. وفجأة سمعت صوت دق.. دق دق قريب مني للغاية.. ارتعشت الشمعة في يدي وتقلقلت.. نظرت خلفي للحظة.. لم أرَ شيئًا غريبًا.. تطايرت الستائر السميكة بفعل الهواء المندفع ورفرفت محدثة صوتًا مخيفًا في الظلام.. ابتلعت ريقي وعدت أنظر حولي.. نظرت إلى ما أمامي.. وفجأة رأيته واقفًا هناك!

مخلوق ضخم مصفح بالحديد، دروع كثيرة، ويرتدي رداءً أبيضًا متسعًا كاسيًا عليه صليب كبير وخوذة قديمة مخيفة.. نظرت إليه ثم أطلقت صرخة رعب في الظلام!

انزلقت قدمي ووجدت نفسي أهوي.. تلقيت ضربة على ظهري ووقعت متدحرجًا فوق السلم الطويل.. سقطت من فوق السلم حتى ارتطمت بالأرض بقوة وغبت عن الوعي!

لا أعرف كم مر علي من الوقت وأنا ملقًى هناك لكنني فتحت عيني في النهاية.. كنت راقدًا على الأرض.. ألم مدوي في رأسي وخيالات باهتة تبرق وتطفو وتتلاشى أمام ناظري..

تسلل الألم إلى عيني فأثقلهما.. أغلقتهما للحظات متفاديًا حرقة الألم بهما ثم فتحتهما من جديد.. لم يعد التيار الكهربي بعد ولا زال البيت غارقًا في الظلام.. هنا تذكرت تلك الرؤية المفزعة التي رأيتها قبل قليل.. ذلك الجسم الضخم المخيف!

كم بدا لي الأمر مضحكًا وأنا راقد منهك هنا الآن.. يبدو كفارس من فرسان الهيكل حقا!

لكن ماذا يفعل السيد الفارس المبجل في منزلي في القرن الحادي والعشرين؟!

ضحكت ثم نهضت من مكاني بقليل من الصعوبة.. آلمني ظهري واحتجت مؤخرتي بغمزة ألم زاعقة لكنني لم أبالي بهما.. هنا لمحت شيئًا يفوق التصور!

الشمعة الأسطورية اللعينة ساقطة على قيد ثلاث خطوات مني.. مقلوبة على جانبها لكنها لا تزال مشتعلة!

وصل صبري مداه.. فحملتها بين يدي بحذر ومضيت على ضوئها إلى المكان الوحيد الذي لا يمكنها أن تبقى مضيئة فيه.. في المطبخ ألقيتها في الحوض وقررت أن أفتح عليها الصنبور وأغمرها بالماء.. ولتريني كيف ستبقي مشتعلة بعد ذلك.. مددت يدي وأدرت الصنبور لكنني سمعت صوت خرخرة غريبة دون أن تسقط منه قطرة ماء واحدة.. انقطعت المياه أيضا ؟!

يا للمصيبة.. لم أرَ شيئًا كهذا في حياتي!

لكن لا عفوًا.. لن تغلبيني أيتها الشمعة الملعونة.. سأحضر زجاجة ماء من الثلاجة وسأغرقك بمائها.. هممت بتنفيذ فكرتي عندما سمعت صوتًا غريبًا.. صوت الخطوات المتلصصة الواثقة ذاتها عادت مرة أخرى!

ألقيت الشمعة في الحوض الجاف وأسرعت بالخروج من المطبخ.. هرعت ناحية غرفة المعيشة وأحضرت مضرب التنس الذي يعود لزوجتي داليا..

أيًا كان شخص هذا الدخيل المتلصص فإنني سأهشم رأسه بذلك المضرب أولًا ثم سأخذه إلى الشرطة.. كانت الخطوات قادمة من أعلى مرة أخري.. عدوت فوق السلم وأخذت الدرجات المرتفعة كلها في أربع وثبات طويلة..

أصبحت في الطابق العلوي فساد الهدوء فجأةً وتوقف كل شيء.. لا ريب أن المقتحم قد أحس بي وتوارى بعيدًا أو يحاول الآن أن يلوذ بالفرار..

بيد ثابتتين وبقلب مرتعش أخذت أتفقد الغرف المظلمة هنا..لم يكن لدي مصدر ضوء لكنني فتحت ستائر النوافذ لكي أستضيء بنور القمر الساطع الليلة.. فتحت غرفة الأطفال فلم أجد فيها شيئًا.. غرفة المكتبة أيضا كانت هادئة تمامًا.. لكنني عندما أزحت باب غرفة النوم ، التي استخدمها أنا وزوجتي، وفتحتها فوجئت بشيء في غاية الغرابة وإثارة الدهشة.. زوجتي كانت واقفة هناك!

– داليا ؟!
كانت تغير ثيابها وظهرها لي، وبدا أنها لم تسمعني في المرة الأولى فقد كنت أهمس بخوف وبحلق جاف من فرط المفاجأة:

– داليا.. داليا متى عدتِ؟!

استمرت تبدل ثيابها لكنها أجابت وهي لا تزال تنظر إلى الناحية الأخرى بعيدًا عني:

– حبيبي.. مرحبًا..

كان صوتها غريبا متحشرج ومكتوم بعض الشيء لكنه هو صوت داليا زوجتي مهما تغير:

– متى عدتِ؟!

سألتها وأنا لا أزال واقفًا لدى الباب لا أجرؤ على الاقتراب منها:

– منذ كثير يا عزيزي.. عدتُ منذ سنوات!

أغرب كلام سمعته في حياتي.. سقط الثوب الذي كانت ترتديه وعلى ضوء القمر رأيت أمامي.. رأيت جسدًا بنيًا خشنًا تخرج منه أذرع قصيرة كأذرع الإخطبوط تنتهي بفتحات دائرية تختلج وتدور وتتشمم الهواء في نهم وجشع..

صرخت رعبًا فالتفتت إلي.. لم يكن وجه  داليا  قطعًا.. بل كان وجهًا آخرَ تمامًا.. وجه جدتي.. وجه جدتي لكنه متغضن مشوه بطريقة رهيبة!

صرخت وأنا أبتعد عن الغرفة كلها.. تراجعت بظهري إلى الوراء وسقط المضرب من بين يدي.. أصطدم ظهري بحائط من الصلب فطقطقت عظامي ألمًا واحتجاجًا..

ألتفت خلفي بسرعة.. كان هو نفسه مرةً أخري.. الفارس المدرع ذو الرداء الأبيض.. نظر إلي للحظة فسقط قلبي بين قدمي.. أنقض علي بسرعة البرق ولف يدين كالفولاذ حول رقبتي.. ألصقني بالحائط دافعًا إياي نحوه بقوة فارتطم ظهري بالحائط وشعرت بأن عمودي الفقري قد تحطم كله..

خنقني بقسوة ورفعني عن الأرض وهو مستمر في خنقي ومحاولة كسر رقبتي التي ضجت من الألم بالفعل.. اختنقت وكتمت أنفاسي.. شعرت بآلام رهيبة في صدري وبالحاجة إلى الهواء تمزقني..  جاهدت لكي أصرخ وحاولت إبعاد يديه الفولاذيتين اللتين تطوقان عنقي ، جاهدت لخلعهما من حول رقبتي لكنني فشلت.. لجأت لحيل العجزة فأخذت أضرب يديه ما وسعني وأخمشهما وأحاول عضهما بل وأنشبت أظافري القصيرة الضعيفة فيهما.. لكن كل ذلك دون جدوى!

مرت لحظة تأكدت بعدها أنني ميت لا محالة.. لكن فجأة سمعت هذه الهمسة تتردد في أنحاء المنزل:

– لا علينا.. لا علينا.. يا ربنا!

كنت على حافة الاختناق لكنني شعرت أن أحدًا ما، قوةً ما، تلقنني ما يجب أن أقوله.. بذلت جهدًا مضنيًا مؤلمًا لأتمكن من فتح فمي ورددت بصعوبة بالغة بصوت متحشرج لا يكاد يُسمع:

– لا علينا يا ربنا.. لا علينا يا ربنا!

رددت بيأس وقنوط والدموع تتساقط من عيني الجاحظتين.. اختفى الفارس على الفور!

سقطت أرضًا فارتطم وجهي بالأرض الصلبة وتحطمت أنفي وشعرت بأن جمجمتي كلها قد تهشمت.. نهضت بصعوبة بالغة وتمالكت نفسي.. حاولت أن استجمع قوتي لئلا أسقط ثانيةً وأصبح فريسة سهلةً لهذا المعتدي الذي لا أعرف ماذا يكون بالضبط..

قمت بصعوبة بالغة على قدمي.. ودون لحظة تردد هرولت نازلًا من فوق السلم.. سقطت مرتين بسبب تخلخل قدمي والآلام التي أعانيها في جسدي كله.. لكنني نهضت ثانيةَ مذكرًا نفسي بأنني إذا استسلمت للحظة الآن فسأقضي نحبي قتيلًا في هذا المنزل.. الأسطورة على حق.. كل ما قالوه حق!

الشمعة قاتلة.. الشمعة تقتل من يشعلها..

وصلت الطابق السفلي بصعوبة بالغة.. الظلام الدامس لم يعد كذلك.. ثمة توهج مخيف يضيء البيت كله.. نظرت بصعوبة فرأيت.. المطبخ يحترق!

نار هائلة تزأر داخله وألسنتها البرتقالية المخيفة تملأ كل ركن.. سينفجر المنزل.. يا إلهي كل شيء سينفجر..

لا ملاذ لي الآن إلا الشارع.. جريت بقدر ما سمحت لي به حالتي المضعضعة نحو باب الخروج.. باب المنزل.. باب الفردوس.. فتحت الباب.. وألقيت نفسي خارجًا..

تعالي الزئير من الداخل.. فنهضت سريعًا على قدمي المخلخلتين.. جريت نحو وسط الشارع وأنا أصرخ طالبًا النجدة.. غشيت عيناي بسبب كشافات هائلة أعمت بصري.. خلال لحظة كان جسم صلب حاد يرتطم بجسدي.. شعرت بأنني أرتطم وأتحطم..

سمعت صوت تهشم داخل جسدي.. ترددت صرخة رجولية مرتاعة.. المزيد من التحطم.. إنني أرتفع لأعلى.. إنني أهوي لأسفل بسرعة رهيبة.. إنني.. لم يتبقَ مني شيء ليتكلم ولم تعد الضمائر تصلح للاستخدام بعد ذلك!

*********

بكت حتى تورمت عيناها.. كان الطفلان ملتصقين بها ومختفيين في حضنها.. بين رجال الشرطة يحيطون بها.. جارة شابة تقدم لها مشروبًا في كوب ورقي وتحاول تهدئتها بلا جدوى..

كانت داليا في أشد حالاتها ذعرًا وانهيارًا.. أتت بها الشرطة في العاشرة مساءً لترى جثة زوجها وتتعرف عليها.. لكن علام تتعرف بالضبط!

كومة من العظام والأشلاء.. حتى وجهه لم يخلُ من إصابات بليغة جعلت من شبه المستحيل التعرف عليه:

– كيف حدث ذلك؟!

– لا نعرف كافة التفاصيل بعد.. سائق السيارة لا زال يخضع للتحقيق..

بكت  داليا  وذهبت لتلقي نظرة أخرى على زوجها تاركةً الطفلين بحوزة أختها.. راجيةً إياها ألا تسمح لهما بالدنو ورؤية والديهما وهو في تلك الحالة الرهيبة.. ولم تكن الخالة في حاجة إلى رجاء أو إعلام بذلك..حادث دهس عادي.. لكن ثمة أسئلة تخامر الجميع..

لماذا اندفع القتيل وسط الشارع بهذه الطريقة الغريبة؟!

شهد السائق أن هناك علامات رعب وذعر رهيب كانت تبدو عليه..

لم يكن ثمة شيء مثير للرعب بالداخل.. المنزل هادئ ساكن لطيف.. لكن بضع أشياء غريبة رغم ذلك لم يكن من السهل التغاضي عنها..

هاتف الضحية المهشم على الأرض.. آثار الأقدام المزدوجة التي ملأت درجات السلم وغطت أرض الطابق العلوي..

وأخيرا الشمعة الطويلة الغريبة الشكل المثبتة على النضد في الصالون بأسفل.. لما يوقد شخص شمعة ويضعها بجواره إلا إذا:

– هل كان التيار الكهربي مقطوعًا بالأمس ؟!

سأل أحد رجال التحقيق فأجابه شخص غير واضح الهوية تمامًا بثقة قائلًا:

– كلا.. التيار يعمل بشكل طبيعي تمامًا!

– إذن لم يكن النور مقطوعًا؟!

– مطلقًا!

– إذن فلم أوقد تلك الشمعة ووضعها بجواره؟!

– لا ندري بعد.. الغريب أنها لا تبدو أنها استخدمت بتاتًا!

– ماذا تعني؟!

– أعني أنها مثبتة على النضد بالفعل.. لكنها لا زالت جديدة تمامًا.. فتيلها كامل ولا علامات ذوبان عليها!

– همممم.. شيء غريب فعلًا!

– ربما هذا لا شيء مطلقًا.. وربما كان فعلًا شيئًا غريبًا!

تعالى بكاء الطفلين في تلك الحالة وعادت أمهما لتحتضنهما بقوة.. أخذ الثلاثة يبكون بصوت مرتفع وبأعصاب منهارة.. فاتجهت جميع الوجوه والقلوب نحوهم!

(تمت)

عن منال عبد الحميد

كاتبة مصرية، من رواياتها الفانتازية: رواية (ستيغماتا)، ثلاثية (أنهار بابل).