الثلاثاء , أكتوبر 15 2019

ستيفن كينج: (قصة ليزي) جـ 3.. ترجمة: «محمد عبد العزيز»

لقراءة (الحلقة الأولى).

لقراءة (الحلقة الثانية).

*****

سألتها أماندا:

-ليزي!  هل قلتي شيئًا؟

-لا.. فقط تمتمة بيني و بين نفسي.

أجابتها وهي تحاول أن تبتسم:

-هل كنت تتحدثين إلي سكوت؟

استسلمت ليزي و توقفت عن محاولة الابتسام و هي تجيبها:

-نعم..أعتقد أنني أفعلها من وقت لآخر.. مجنونة، صح؟

-لا أظن هذا.. ليس إذا كان الأمر ناجحًا و كان هو الآخر يحدثك.. أعتقد أنه يعتبر جنونًا في حالة عدم كون الأمر ناجحًا و كان هو لا يتفاعل معك.. لدي بعض الخبرة بالأمر لو كنتي لا تتذكرين..

-أماندا!

لكن أماندا التفتت بعيدًا لتنظر نحو كومة الكتب و الجرائد و المطبوعات السنوية ومجلات الطلبة، وعندما عادت بنظرها نحو ليزي مرة أخرى كانت تبتسم..

-هل تصرفت بشكل جيد يا ليزي؟ أنا حاولت أن أقوم بكل ما بوسعي!

تناولت ليزي إحدي يدي أماندا بين يديها واعتصرتها بخفة بين أصابعها.. لقد فعلتي.. ما رأيك أن نخرج من هنا؟ وسأدعك أنتِ تحظين بالدش الأول..

– 4 –

«كنت تائهًا في الظلمة و أنتِ عثرتي علي..
كنت أحترق، وأنتِ أطفئتِ تلك النيران»
                                            صوت سكوت

فتحت ليزي عينيها، وهي تعتقد أنها غابت عن العالم أثناء إحدي مهامها اليومية لتحظي بحلم يقظة قصير لكن ملئ بالتفاصيل، كانت فيه مدركة أن سكوت ميت، وهي منهمكة في المهمة البطولية المتعلقة بتنظيف مكتبه، وعندما فتحت عينيها، أدركت أن سكوت بالتأكيد ميت، وهي مستلقية بمفردها في الفراش، بعدما قامت بتوصيل أماندا لمنزلها، وأن ما كانت فيه منذ لحظات كان حلمًا..

شعرت كأنها تطفو في ضوء القمر، وكانت تستطيع شم رائحة الزهور .. وشعرت برياح الصيف الخفيفة تداعب شعرها من جذوره.. تلك الرياح التي تظهر بعد منتصف الليل في بعض الأماكن التي تكون في الأغلب بعيدة عن منزلك، لكنها هذه المرة ظهرت عند المنزل، لأنها بالتأكيد في المنزل..

الدليل علي هذا هو وجود الإسطبل الذي احتضن كتابات سكوت، والتي كانت موضع اهتمام الكثير من المختلين، والآن، والفضل في هذا يرجع لأماندا، عرفت أن المكان يحتوي علي تلك الصور التي تظهر فيها مع زوجها الراحل..

ذلك الكنز المدفون..

ذلك الصدغ العاطفي!

ربما من الأفضل عدم النظر لتلك الصور، كذا همست الرياح في أذنيها..

أوه، هي متأكدة من هذا، لكنها متأكدة كذلك من أنها ستنظر لها ولا تملك من هذا فكاكًا.. لم يكن الأمر باستطاعتها، ليس بعد أن عرفت أنهم موجودين..

كانت سعيدة لأنها تطفو علي قطعة من القماش دائرية مذهبة الأطراف، ومطبوع علي كل مكان فيها: أفضل أنواع دقيق بيلسبيري، وكانت أطرافها معقودة كالمناديل.. شعرت أن غرابة موقفها ساحرة إلي أقصي حد.. كأنها تطفو علي سحابة…

سكوت.. حاولت نطق اسمه بصوت عالي لكنها لم تستطع.. الحلم لم يدعها تفعل.. الطريق الذي يقود للإسطبل اختفي من أمام عينيها، وكذلك اختفت المسافة بينه وبين المنزل، وفي مكانهما ظهر حقلًا واسعًا من أزهارًا بنفسجية اللون تتألق في ضوء القمر الفضي..

سكوت..أنا أحببتك..

أنا أنقذتك..

أنا…..

– 5 –

ثم استيقظت و كان بوسعها أن تسمع نفسها في الظلام وهي تكرر مرة خلف الأخرى كأنها تردد صلاة ما:

أنا أحببتك..

أنا أنقذتك..

أنا أطفئت نيرانك..

أنا أحببتك..

أنا أنقذتك..

أنا أطفئت نيرانك..

استلقت مكانها لفترة طويلة، وهي تتذكر صباح حار من شهر أغسطس في ناشفيل، وتفكر (ليس للمرة الأولى):

كم أن كونها وحيدة بعدما كانت مرتبطة لفترة طويلة يبدو غريبًا للغاية..

كانت تعتقد أن فترة عامين كافيان للغاية لكي تنفد غرابة الموقف بالنسبة لها وتعتاد علي حالها الجديد، لكنها لم تكن كافية..

غالبًا الوقت لا يقوم إلا بجعل أشواك الحزن الحادة أقل إيلامًا، وغير قادرة إلا علي التسبب في جروحًا سطحية أكثر مما تخترق متسببة في جروحًا غائرة في الروح كما كانت تفعل في البداية..

لأن لا شيء بقي كما هو.. لا شيء خارجيًا، ولا داخليًا .. ليس بالنسبة لها!

وبينما هي مستقلية علي الفراش الذي اعتادا أن يحتلاه سويًا، شعرت ليزي أن أكثر أوقات الوحدة قسوة هو ذلك الوقت الذي تستيقظ فيه صباحًا لتجد أنك بمفردك، وأن المنزل كله لا يحتوي إلا عليك أنت فقط..

وأنك أنت والفئران التي تختبئ في شقوق الحوائط الكائنات الوحيدة التي تتنفس بالمكان.

الفصل الثاني

ليزي و المجنون

(الظلام يحبه)

– 1 –

في الصباح التالي، جلست ليزي بملابس تشبه ملابس البحارة، علي أرضية ركن الذكريات، ناظرة نحو أكوام و صفوف المجلات، أبحاث الخريجين، نشرات قسم اللغة الانجليزية، والجرائد الجامعية التي احتلت الجدار الجنوبي بأكمله..

خطر ببالها أنه ربما كانت نظرة سريعة منها كافية للتخلص من الحمل الثقيل الذي تمثله كل تلك الصور التي لم ترها بعد علي مخيلتها، لكن وبينما هي تلقي تلك النظرة فعلًا، فقد أدركت كم كانت فكرتها خاطئة.. كما أنها لم تحب أن تلجأ للنوتة التي تركتها لها أماندا، بكل تلك الأرقام التي تملأها.. استلقت النوتة علي الأرضية بالقرب منها، فالتقطتها ووضعتها في جيب بنطالها الجينز الخلفي.. لم تحب منظر النوتة.. بدت كأنها خريطة كنز لعقل مختل إلي حدٍ ما، ولم تحب الفكرة علي الاطلاق..

لمرة ثانية قامت بقياس الكومة الكبيرة المصنوعة من الكتب و المجلات والتي تستند علي الجدار الجنوبي، والتي بدت كثعبان طويل من الكتب المغطاة بالأتربة ارتفاعه حوالي أربعة أقدام، وطوله ثلاثون قدمًا علي الأقل..

لو لم تكن أماندا موجودة، فعلي الأرجح ليزي كانت ستضع كل شيء دون تمييز في صناديق الخمر الفارغة، ودون حتى أن تنظر فيهم أو تتساءل لماذا كان سكوت يبقي كل هذا العدد منهم!

عقلي لا يعمل بتلك الطريقة، كذا أخبرت نفسها، عقلي ليس من  الطراز الذي يميل للتفكير..

ربما لا، لكنك دائمًا ما كنتِ تتذكرين كل شيء! كان سكوت يقول لها هذا بلهجته الساحرة، لكن الحقيقة أنها كانت تمتلك دومًا موهبة أفضل في النسيان، مثله هو الآخر.. علي الرغم من أن كل واحدٍ منهما كانت لديه أسبابه الخاصة..

بعد ذلك، و كأنما لتثبت أنه محق، سمعت همسات سريعة من محادثة بين شخصين.. كان صوت أحد المتحدثين مألوفًا.. كان صوت سكوت، أما الصوت الآخر فكان يحمل لكنة جنوبية لا شك فيها..

كانت لهجة جنوبية رنانة، و كان الحوار كالتالي:

-سيكون توني متوليًا موضوع الكتابة.. أترغب في رؤية نسخة ياسيد لاندون.

-مممم.. بالتأكيد أرغب..

بينما كانت هناك أصواتًا تدمدم من كل مكان حولهما .. سكوت كان بالكاد يسمع تلك الجمل المتعلقة بتولي توني الكتابة..

كانت لدي سكوت موهبة تكاد تجعله من السياسيين، وهي أنه كان بوسعه أن يتشابه مع أولئك الذين يأتون لرؤيته في الأماكن العامة، ويجعلهم يشعرون أنه مثلهم في كل شيء..

كان سكوت يسمع أصوات المتزاحمين و يكون قد بدأ بالفعل في التفكير في النقطة المناسبة التي يبدأ منها الحوار..

تلك اللحظة السعيدة التي كانت تطفو فيها الكهرباء منه لزواره قبل أن ترتد نحوه بضعف قوتها أو أحيانًا ثلاثة أضعاف، عندما يرتاح الناس لوجودهم معه و ينطلقون بالحديث.. كان يحب هذه الطريقة، لكن ليزي كانت مقتنعة بأنه كان يستمتع بأولي لحظات الحوار و التي يبدأ هو فيها الحديث لإذابة الجليد أكثر..

-يمكنك أن ترسل الصور، المقالات التي ترد في جريدة المعسكر، أو الريفيوهات، الكتابات الإدارية، أو ما شابه.. من فضلك، أرغب في رؤية كل شئ.. الأماكن العلمية.. أماكن بيع البيرة.. أماكن الحانات.. قلعة الصخر المرعبة Castle Rock  الموجودة في ماين.. ليزي تعرف الرمز البريدي، أما أنا دائمًا أنسى..

لا شيء آخر.. ليزي تعرف الرمز البريدي.. تري كيف كان سيكون رد فعل أماندا لو كانت موجودة معهم؟

علي الأرجح كانت ستنبح في وجوههم.. لكن ليزي رغبت في أن يتم نسيانها في تلك الرحلات.. أن تكون موجودة و غير موجودة في نفس الوقت..كانت تحب أن تشاهد من بعيد..

مثل الرجال الذين يظهرون في الأفلام الإباحية و يتفرجون فقط علي ما يحدث؟ سألها سكوت هذا السؤال مرة، فابتسمت له تلك الابتسامة الصفراء التي تعني أنه كان يقترب من الحافة بحماس، قبل أن تجيبه:  إذا كان هذا رأيك يا عزيزي..

كان يقوم بتقديمها للآخرين دومًا في كل مكان يذهبان إليه.. سواء أكان الموجودين سيهتمون لمن هي فعلًا أم لا..

لكن خارج محيطهما الشخصي، كان أولئك الأكاديميين يفتقدون الفضول بشكل مريب.. كانوا يسعدون فقط لكونهم يحظون بزيارة من مؤلف رواية ابنة العاصفة  (والتي حازت علي جائزة الكتاب القومية) ورواية  الرفات ( والتي حازت علي جائزة بوليتزر)..

كما أنه مرت فترة (حوالي عشر سنوات) بدت فيها شهرة سكوت وكأنها تجعله بالنسبة للبعض أكبر من الحياة نفسها، وربما لنفسه كذلك (لكن ليس بالنسبة لليزي، والتي كانت تناوله ورق المناديل لو نفد منه أثناء جلوسه علي المرحاض).

أثناء وجود سكوت علي المسرح وهو يمسك الميكوفون بين يديه، حتى ليزي شعرت بالاتصال الذي يحدث بينه وبين الجمهور.. كان شحنة من الكهرباء تسري منه إليهم، كأنها دائرة كهربائية مغلقة.. كانت موهبة لديه،  كان القليل منها يرجع لكونه كاتبًا.. ربما لا علاقة لها بالأصل بكونه كاتب.. لابد أن الأمر يرجع لكونه سكوت؟

لابد أنها تبدو كمجنونة وهي تقول هذا..

لكنها الحقيقة.. كما أن هذا لم يغيره، أو يجرحه، علي الأقل حتى..

توقف عيناها عن الحركة، وثبتت علي كتاب ذو غلاف سميك ذهبي اللون، ومكتوب عليه أنه ريفيو يو تن – ناشفيل لعام 1988..

1988، العام الذي ظهرت فيه رواية روكابيلليRocckabilly ، والتي لم يكتبها قط!

988، عام الرجل المجنون.

-توني سيكون هنا يكتبها..

-لا.

قالت ليزي:

-هو لم يقل توني، هو قال….. “تونيه”..

نعم.. هذا صحيح.. هو قال تونيه.. قالها بلهجته الجنوبية الغريبة:

-تونيه سيكتبهااااا كلللهاااا..

-سيكتبها لعدد سنة 88..

-تمام .. وممكن أن يرسلها بالبريد؟

ماذا كان اسم ذلك الرجل؟ داشمور؟ داشمان؟ كان في اسمه مقطع داشو هي متأكدة من هذا.. لكن ماذا كان الاسم؟

داشمييل.. همست ليزي للغرفات الخالية، وهي تضم قبضة يدها.. نظرت نحو الكتاب ذو الغلاف الذهبي، كما لو كان سيختفي في اللحظة التي ستبعد فيها عيناها عنه.. كان اسم الوغد الجنوبي داشمييل، وكان جبانًا كالأرانب..

كان سكوت ليرفض موضوع الإرسال عبر البريد هذا، لأنه كان يظن أن مثل تلك الخدمات هي بلاعة أموال غير ذات فائدة.. بالنسبة للمراسلات لم يكن سكوت متعجلًا أبدًا..

بالنسبة للمراسلات التي كانت تتبع ظهوره أمام جماهير، فإن البريد العادي كان مناسبًا له للغاية.. و بما أن مكتبه هذا كان له عنوانه الخاص، فإن احتمال أن تصادف ليزي قدوم أي من هذه الأشياء كان منعدمًا، و بمجرد وصول تلك الأشياء هنا، حسنًا..

كانت تلك الحجرات جيدة الإضاءة والتهوية هي أماكن سكوت المفضلة، بينما لم تكن هي تفضلهم إلى هذا الحد.. في تلك الأماكن كتب معظم قصصه واستمع لموسيقاه المفضلة بصوت عالي كما يرغب في الحجرة المبطنة بعازل للصوت، والتي كان يطلق عليها  زنزانتي المبطنة، ولم تكن هناك علامة معلقة علي الباب تحذر من الاقتراب..

كانت تظل مستيقظة في هذا المكان لكثير من الليالي عندما كان حيًا، وكان سكوت دائمًا ما يكون ممتنًا لرؤيتها، لكن الأمر احتاج لآماندا لعرفة ماذا كان ثعبان الكتب ذلك (الذي يحتل الجدار الجنوبي) يخفي..

آماندا سريعة الاهتياج..

آماندا الشكاكة..

آماندا ذات الوسواس القهري، والتي بطريقة ما كانت مقتنعة أن منزلها سيحترق حتي يصبح رمادًا لو لم تضع ثلاثة قطع من الرخام سويًا بداخل الموقد..

ثلاثة!

ليس أكثر، وليس أقل!

أماندا التي كانت لديها عادة لا تتغير بخصوص الالتفات لثلاث مرات من وراء كتفها لو حدث و نسيت شيئًا بداخل البيت و يجب أن تعود لتحضره..

بالنظر لمثل تلك الأمور (أو بالاستماع  لها و هي تعد ضربات الفرشاة بينما هي تغسل أسنانها) يمكنك بسهولة أن تعتبر أماندا أحد أولئك العجائز المجانين.. ألا يوجد من يكتب لها دواءًا للاكتئاب أو ما شابه؟

لكن مع قليل من التفكير، لو لم تكن ماندا موجودة، فهل كانت ليزي  الصغيرة ستدرك وجود مئات الصور لزوجها الراحل من حولها، في انتظارها لتتعطف و تنظر لها؟ مئات الذكريات في انتظارها لتخرجن من طي النسيان؟ و معظمها بالتأكيد لن تكون ذكريات أكثر سعادة من  الذكري الخاصة بذلك الجبان الجنوبي المدعو داشمييل و ..

تمتمت:

-توقفي! توقفي يا ليزا لاندون، افتحي يديكي، ودعي تلك المواضيع جانبًا..

لكن كان من الواضح أنها لم تكن مستعدة لذلك بعد، لأنها نهضت، عبرت الغرفة، و انحنت أمام الكتب.. مرت بيدها اليمني فوق رأسها كأنها ساحرًا يقوم بحيلة سحرية، و التقطت الكتاب المعنون يو تن – ناشفيل ريفيو عام 1988..

عن لأبعد مدى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.