الثلاثاء , أكتوبر 15 2019

ستيفن كينج: (قصة ليزي)- ترجمة: «محمد عبد العزيز»

 “لو كنت القمر، لعرفت أين سأسقط”.

د. هـ. لورانس.. قوس قزح

– 1 –

بالنسبة للجماهير، زوجات الكتاب المشهورين تكن دائمًا في الظل.. ولا توجد واحدة تعرف هذه المعلومة أكثر من “ليزي لاندون”، فعلي الرغم من أن  زوجها حاز علي كلٍ من جائزة البوليتزر وجائزة الكتاب القومية، إلا أنها لم تقم إلا بحديث صحفي واحد فقط طيلة حياتها، وكان هذا لمجلة “النساء المعروفات” Well -known women’s   والأسوأ أنه كان لعمود صحفي اسمه: نعم. أنا متزوجة منه!

وكانت النتيجة أنها قضت ما يقرب من نصف الحديث الصحفي الذي تكون من خمسمائة كلمة في دردشة سخيفة عن اسم التدليل الذي يطلقه عليها، بينما نصف الحديث الآخر كانت تصف فيه وصفتها الخاصة برغيف اللحم! هذا طبعًا إلي جانب أن أختها “آماندا” أخبرتها أن الصورة التي صاحبت المقال اللعين أظهرتها بدينة للغاية!

لم تكن “ليزي” غير معتادة علي السخرية من الآخرين، لكن الوحيدة التي واجهت “ليزي” صعوبات حقيقية في أن تحبها أو تعتاد وجودها حتى من ضمن أخواتها جميعًا كانت هي “آماندا” هذه، وهي أكبر أخواتها (وأكثرهم غرابة كذلك).. كانت “آماندا” تعيش بمفردها في الوقت الحالي في منزل اشترته لها “ليزي”، وهو مكان صغير مقاوم للتقلبات الجوية، وغير بعيد عن “كاستل فيو”، حيث يمكن لـ”ليزي”، “دارلا”، و”كانتاتا” إبقاء أعينهم عليها..

كانت “ليزي” قد اشترته لها منذ سبعة أعوام، قبل وفاة “سكوت” بخمس سنوات، والذي توفي شابًا، وقبل موعده بكثير، كما قال الكثيرين ممن حولها..

كانت “ليزي” لا تزال تجد صعوبة في تقبل واستيعاب أنه توفي منذ عامين، فقد بدا الموضوع كأنه حدث للتو، وفي نفس الوقت بدا كأنه حدث منذ فترة طويلة للغاية..

عندما تمكنت “ليزي” أخيرًا من تمالك نفسها بما يكفي للبدء في تنظيف جناح مكتبه، والمتكون من سلسلة من الحجرات المضاءة بطريقة جميلة، والتي لم تكن في السابق أكثر من مخزن غلال يعلو حظيرة ريفية، ظهرت “آماندا” في اليوم الثالث، بعدما كانت “ليزي” قد انتهت من جردها لكل الطبعات الغريبة (وكان هناك المئات منهم).. لكن قبل أن تتمكن من فعل ما هوأكثر من كتابة قائمة بالأثاث الموجود، مع وضع نجوم صغيرة بحانب القطع التي اعتقدت أنها من الأفضل أن تبقيها، ظهرت “ماندا” العزيزة..

انتظرت “آماندا” لتسألها لماذا لا تتحرك أسرع من هذا بحق السماء.. لكن “آماندا” لم تسألها أية أسئلة علي الاطلاق..

وبينما انتقلت “ليزي” لوضع المراسلات الخاصة بزوجها في صناديق من الورق المقوي دون ترتيب لتقوم بوضعها بعد هذا في الدولاب الرئيسي، بدا تركيز “’آماندا” منصبًا علي أشياء أكثر إثارة للاهتمام، مثل أكوام التذكارات التي احتلت الجدار الجنوبي المخصص للأعمال الفنية، فشقت طريقها عبر تلك الكومة المتلاحمة، وهي تدون بشكل مختصر في نوتة صغيرة أبقتها قربها..

ما لم تسألها “ليزي” عنه هو: ما الذي تبحثين عنه؟ فكما ألمح “سكوت” في أكثر من مناسبة، كانت لدي “ليزي” واحدة من أندر الصفات الانسانية:

عدم الفضول، أي أنها لا تقحم نفسها في الأمور التي لا شأن لها بها.. طالما أنك لا تقوم بإعداد متفجرات لتلقيها علي أحدهم ( وهو الاحتمال الذي يظل دائمًا قائمًا في حالة “آماندا” للأسف)، والتي تنتمي للطراز الذي لا يملك نفسه من التحديق بفضول فيما حوله، ذلك الطراز الذي سيفتح فمه عاجلًا أم أجلًا..

كانت “آماندا” تعيش مع زوجها بـ”رامفورد”(“كزوجين من المذئوبين تم الامساك بهما في أنبوب المجاري”، كما قال “سكوت” بعد زيارتهما مساءًا ذات يوم في زيارة أقسم ألا يكررها مرة أخرى) في عام 1985، قبل أن يتوجه زوجها صوب الجنوب..

ابنة “آماندا” الوحيدة، والتي أطلقا عليها اسم “انتيرميزو”، ويتم اختصارها بـ”ميتزي”، اتجهت شمالًا صوب كندا (في شاحنة نقل للمسافات الطويلة، علي سبيل البحث عن فتي أحلامها) في 1989م..

“واحد طار للشمال، والآخر طار للجنوب، لم يستطع واحد منهما أن يتمكن من إغلاق فمها بمفرده”، اعتاد أبيها علي تكرار تلك الأغنية عندما كن أطفالًا.. والوحيدة من بين بنات “داندي دايف” التي لا تستطيع ابقاء فمها مغلقًا هي بالتأكيد “آماندا”، التي تركها زوجها أولًا، ثم تركتها ابنتها بعده..

ولأنه من الصعب أن يحب أي بشري “آماندا”، لم ترغب “ليزي” في وجودها معها هنا في “رامفورد” بمفردهما، ولم تكن تثق فيها ولا تعرف السبب، وعلي الرغم من أن أيهن لم تقلها صراحة، فـ “ليزي” كانت متأكدة من أن كلٍ من “دارلا” و”كانتاتا” تشعران بنفس الشيء نحوها.. لهذا قامت بالتحدث مع “سكوت” في الأمر، وعثرا سويًا علي ذلك المكان بـ”ماساتشوتس” والمدعو “رأس سمكة القد” والذي يمكن الحصول عليه مقابل سبعة وتسعون ألف دولار نقدًا، وسرعان ما انتقلت “آماندا” له بعد هذا..

والآن “سكوت” قد مات و”ليزي” قد استجمعت شجاعتها أخيرًا لتقوم بمهمة تنظيف ركن “سكوت” الخاص بالكتابة.. والآن وقد بلغت منتصف اليوم الرابع، وقد قامت بالفعل بوضع الطبعات الأجنبية في صناديق، والمراسلات قد تم تعليمها وترتيبها إلي حدٍ ما، وأصبح لديها فكرة لا بأس بها عن أي قطع أثاث سيتم بيعها وأيها سيبقي، لماذا تشعر إذن وكأنها لم تفعل شيئًا؟ كانت تعرف من البداية أنها مهمة لا يمكن استعجالها، علي الرغم من كم الرسائل المزعجة والمكالمات الهاتفية التي تلقتها منذ وفاة “سكوت” (والعديد من الزيارات كذلك)، افترضت أن الناس التي كانت مهتمة بقراءة أعمال “سكوت” غير المنشورة سيحصلون علي ما يرغبون فيه في النهاية، لكن ليس قبل أن تكون هي مستعدة أن تمنحه لهم .. ربما لم تكن واضحة معهم في البداية بصدد هذا، وبالتأكيد لم تكن مهمة سهلة أن تقنعهم بأن يصبروا قليلًا..

كان هناك الكثير لقوله حول ما تركه “سكوت” خلفه.. الشيء الوحيد منهم الذي استوعبت كنهه بالكامل كان التذكارات.. لكن كان هناك شيئًا آخر، غريب إلي حدٍ ما، وشعرت أن أقرب وصف له هو “مجموعة المجانين التذكارية”..

كانت تعرف أن هذه المجموعة هي ما أراد نافذي الصبر هؤلاء، والمتملقين، والغاضبين، الحصول عليه.. وقد بدأت “ليزي” تفكر مؤخرًا فيهم كمدمنين!

– 2 –

أكثر شئ شعرت “ليزي” به، خصوصًا بعد ظهور “آماندا”، هو انعدام الحماسة، كما لو كانت قد قللت من تقدير المجهود الذي تحتاجه المهمة نفسها، أو بالغت (كثيرًا) في  تقدير قدرتها علي رؤية النتيجة المحتومة:

الأثاث الذي سيبقي سيتم تخزينه في الإسطبل الموجود بالأسفل، والسجاجيد سيتم طيها ولفها بالشرائط..

أما الشاحنة الصغيرة صفراء اللون فستبقي في الممشى لتلقي بظلالها علي السور العريض الفاصل بين فناء منزلها وفناء آل “جالوايز” في البيت المجاور..

أوه، ولا تنسي القلب الحزين لهذا المكان، أجهزة الكومبيوتر الثلاثة (في الواقع كانوا أربعة، لكن واحدًا منهم، والذي كان موجودًا في “ركن االذكريات” قد رحل، والفضل في هذا يرجع لـ “ليزي” نفسها) . وكل جهاز منهم كان أحدث وأخف وزنًا من السابق.. لكن حتى أحدث واحد فيهم كان لا يزال جهازًا ثقيلًا، وكان ثلاثتهم يعملون بكفاءة.. كان ثلاثتهم محميين بكلمات سر، وهي لم تكن تعرف الحل، لأنها لم تسأله أبدًا.. ولم يكن لديها أدني فكرة عما يمكن أن يحتوي القرص الصلب الخاص بتلك الأجهزة.. طلبات البقال الشهرية؟ قصائد شعرية؟ أم مواد إباحية؟

كانت متأكدة من أنه كان بوسعه الدخول للانترنت من تلك الأجهزة، لكنها لم يكن لديها أية فكرة عن المواقع التي يزورها.. موقع أمازون؟ مواقع سياسية؟ مواقع عن “هانك ويليامز”(مغني أمريكي شهير)؟ أم مواقع للخدمات جنسية ؟ حاولت ألا تفكر في تلك الأخيرة بالذات، لأنها كانت لتجد فواتير خاصة بالموضوع، أوعلي الأقل ستعثر علي مسحوبات ثابتة تثير الشكوك من ميزانية المنزل)، لكنها سرعان ما فكرت في أنها غبية، فلو رغب “سكوت” حقًا في إخفاء ألف دولار عنها كل شهر فبوسعه أن يفعلها، لكن ما فائدة كلمات السر إذن؟ المضحك أنه كان بوسعه إخبارها.. هي كانت تنسي الأشياء من ذلك الطراز طيلة الوقت.. فكرت في أن تستخدم اسمها ككلمة سر، بعد أن تتخلص من “آماندا” في نهاية اليوم، وهو ما لم يبد أنه سيحدث قريبًا..

تراجعت “ليزي” في مكانها للوراء، ونفخت لتبعد خصلة شعر سقطت علي جبينها، وهي تفكر أنها لن تصل للمخطوطات قبل شهر يوليو بهذا المعدل.. سيجن أولئك المختلين لو رآوا البطء الذي تتحرك به بين أشياء كاتبهم المفضل..

آخر من أتي منهم – منذ خمسة أشهر- بدا لها رجلًا مختلفًا، ومتمالك لأعصابه بشكل جيد، لدرجة أنها فكرت في أنه مختلف عن بقية المختلين الذين أتوا قبل ذلك..

أخبرت “ليزي” زائرها أن جناح “سكوت” للكتابة بقي فارغًا لما يقرب من العام والنصف الآن دون أن يدخله أحد، لكنها أوشكت علي أن تحشد الطاقة الكافية لكي تصعد للمأوي الأدبي الخاص بزوجها، وتبدأ في العمل في تنظيف الحجرات الموجودة به وتعيد تنظيم المكان..

كان زائرها يُدعي بروفسور “جوزيف وودبودي”، من جامعة “بيتسبيرج”، قسم اللغة الانجليزية.. كانت تلك هي الجامعة التي درس بها “سكوت”، وكان صف  “محاضرات الأساطير الأمريكية” الذي اشترك فيه “سكوت” مع “جوزيف” شهيرًا للغاية وكبيرًا للغاية.. كان هناك أربعة طلاب يقدمون أطروحة “لاندون” هذا العام، لهذا كان علي الأرجح شيئًا حتميًا أن يدخل المعجب المخلص للمحراب الأدبي الخاص بـ”سكوت” في أسرع وقت ممكن، لكنه فوجئ بـ “ليزي” تحدثه بتلك الطريقة المبهمة (مثل: “علي الأرجح لن يأخذ الأمر كثيرًا من الوقت”، و”غالبًا قبل نهاية الصيف”). لكن لم ييأس “وودي” فعلًا منها إلا بعدما أخبرته أنها ستهاتفه بمجرد أن “تنتهي من التنظيف”..

أخبرها أن كونها شاركت كاتبًا أمريكيًا كبيرًا الفراش لا يعطيها الحق في أن تكون الوصية علي أعماله الأدبية، وأن تلك المهمة (كما قال لها) يجب أن تُعهد لخبير، وأنه يتفهم عدم كونها حصلت علي شهادة جامعية من الأصل .. ذكرها بالوقت الذي مضي بالفعل منذ وفاة “سكوت لاندون”، وأخبرها عن الإشاعات التي بدأت تظهر..

افترض البعض أن هناك أكوامًا من أعمال “سكوت” غير المنشورة، قصصًا قصيرة، وحتي روايات!! ألا يمكنها أن تدعه يدخل للمكتب حتى ولو لوقت قصير؟ تدعه ينقب لبعض الوقت في دولاب الملفات وأدراج المكتب؟ فقط لوضع تلك الإشاعات المهينة عند حدها؟ يمكنها أن تبقي معه طيلة الوقت طبعًا، كان يتوقع أنه أفحمها وأنها لن تملك إلا أن تجيب طلبه و…

“لا!”، أجابته وهي تقوده لباب المنزل، “لست مستعدة بعد”، وهي تنظر للرجل خلسة (تحاول علي الأقل) منتظرة رد فعله، لأنه بدا لها مجنونًا كبقيتهم، علي الرغم من كونه متمكن من إخفاء جنونه هذا بشكل أفضل منهم، ولفترة أطول..

“وعندما أصبح مستعدة، سأرغب في تفقد كل شيء، وليس المخطوطات فقط”.

“لـ..لكن!”

أومأت برأسها له في جدية، “كله تمام!”

” لا أفهم ماذا تعنين”.

بالتأكيد لا يفهم.. كانت تلك الجملة من ضمن الجمل التي لا يفهمها إلا هي و”سكوت”.. تلك الجملة التي كانت من مفردات لغتهما الخاصة هما فقط..

في العديد من المرات كان يندفع “سكوت” لداخل المنزل، هاتفًا:

-“عزيزتي، لقد عدت ..كله تمام؟”

كان يعني “أكل شئ علي ما يرام؟ أكل شئ كما ينبغي؟”

(شرح لها “سكوت” هذا الموضوع مرة، علي الرغم من أن “ليزي” كانت تعرفه بالفعل)، كان لتلك الجملة معني آخر، دفينًا، مستترًا..

رجل مثل “وودبودي”لا يمكنه أن يفهم أبدًا المعني المستتر لجملة ” كله تمام”.. حتي لو قضت “ليزي” يومًا كاملًا تشرح له فيه معني الجملة فلن يمكنه استيعابها.. لماذا؟ لأنه مختل.. وعندما يتعلق الأمر بـ”سكوت لاندون”، فشيء واحد فقط هو ما يثير اهتمام أولئك المختلين..

“لا يهم..”، أجابت البروفيسور “وودبودي” وهي تقوده للخارج في ذلك اليوم منذ خمسة أشهر، ” “سكوت” كان سيفهم!”

يتبع.. الحلقة التالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.