(سامح فايز)، يكتب: ما وراء (رحلة يوسف)

اعتزل القاص والمترجم (محمد إبراهيم مبروك) (1943 – 2014) الكتابة قرابة 13 عامًا بعد مروره بتجربة اعتقال فى نهاية الستينيات، دفعته ليطرح على نفسه سؤالًا يبحث فى جدوى الكتابة، لماذا نكتب؟

الكاتب (أحمد خالد توفيق) حين طرح عليه السؤال، قال:

ـ «أكتب للتسلية».

بين (مبروك) و(توفيق) تعيش آلاف الأقلام التي تبحث عن جدواها. لكن أنسب الإجابات التي أدركت أنها تعبر عني كانت إجابة الروائي (أشرف الخمايسي)، حين أجاب على سؤال حول مشروعه الروائي:

ـ «أكتب لأهزم الموت».

أنا أيضًا أكتب لأهزم الموت، لأعيش أعمارًا بعد عمري، أكتب حتى يعيش من أحبهم ويظلوا بجواري حتى بعد رحيل أجسادهم، هكذا تعاملت مع كتابي الأحدث الذي صدر عن دار الكرمة بعنوان (رحلة يوسف).

(يوسف) ولدي الذي توفي إثر جراحة في الدماغ في مستشفى أبو الريش، ولد بعيب خلقي فى الدماغ دفع طبيب المخ والأعصاب الكبير لأن يقول عبارة موجزة: «موته مسألة وقت، وفر مالك». لكن هذه الكلمات كانت سببًا لأحمل على كتفي مسئولية دفع الموت عن ولدي.

وعلى مدار 54 يومًا قضاها في المستشفيات كنت أكتب تقارير يومية أخاطبه فيها، أحكي إليه ما يحدث ويعجز عن مشاهدته أو إدراكه. لكن هاتفًا ما كان يراودني عن نفسي، يخبرني أن ولدي يسمعني، لذلك كنت أحكي بجدية، واستمرار.

اليوم حضرت يا ولدي إلى الطبيب أسأله دواءك، لكنه يعجز عن إيجاد العلاج، ربما ذلك الطبيب بالذات يجهل السبيل، سأذهب ياولدي إلى ثانٍ، وثالث.

هل تعلم ياولدي أنك أنت من تداويني، تحمل عن كتفي وجعي؟ في بداية علاجك كنت أظن أنني الأب الذي يحمل مسئوليتك، لكن بعد أيام قليلة أدركت أنك الولد الذي أتكئ عليه فى عجزي.

ظلت خطاباتي إلى (يوسف) تزداد بشكل يومي لا تنقطع، بدأت بفقرة أو فقرتين وانتهت إلى صفحات أكتبها فى أيامه الأخيرة، أحكي فيها رحلة عائلات من محافظات مصر المختلفة إلى مستشفيات أبو الريش، بحثًا عن علاج أطفالها.

الفقراء والأغنياء يتساوون فقط في مستشفى أبو الريش، الاثنان يقتلهما هلع المحب، والاثنان يقعان تحت وطأة منظومة صحية فسدت منذ سنوات، ولا يقترب من إصلاحها أحد، كأن الجميع تحالف بشكل ضمني على تركها هكذا، ليرحل الأطفال فى صمت عن الحياة، قبل أن يصيروا شبابًا يرى عورات الحياة التي نعجز عن مداراتها.

ولد (يوسف) ميتًا، كانت فقط مسألة وقت، وكنت طوال فترة علاجه أهزم موته بالكتابة، كان يحكي إليَّ هو أيضًا كل يوم، يناقشني، يضحك، يبكي أحيانًا، لكنه لم يضعف مثلي.

كان طفلًا قويًا، وكانت كلماته التي يكتبها ويرسلها إليَّ في خطاباته أقوى من كلماتي، حتى حين مات، حين دفنته فى مقابر العائلة بصعيد مصر كان قويَّا، حين أرسل إليَّ كلماته تربت على كتفي فلم أبكِ، بل وجدت ابتسامة خفيفة طريقها إلى وجهي، ظن منها الناس أن الأب ذهب عقله، لكنها ابتسامة من وجد عقله بالفعل، بعد نجاة طفله من العلاج فى مستشفيات مصر.

بعد رحيل ولدي (يوسف)، يوم 10-يونيه-2014م، جمعت التقارير والخطابات التي كنت أرسلها إليه كل ليلة، وقررت وضعها فى كتاب يحمل اسمه.

هذا كتاب (يوسف)، وهكذا يخلد، هكذا أهزم موته، وأجبره على البقاء. 54 تقريرًا تحمل بين طياتها ولدي، وخربشات أخرى واجهت بها منظومة الصحة بما شاهدته في مستشفيات أبو الريش. لكن بعد نقاشات مع الأصدقاء أدركت أن جميعنا رحل له عزيز، لا يوجد قلب فى هذا البلد لم يكسره موت الأحباب، ماالذي يدفع الناس أن تقرأ خطاباتي إليك ياولدي؟

حتى تعيش خالدًا يجب أن يكون هناك كتاب يحمل اسمك، وأيضًا يجب أن يقرأ الناس هذا الكتاب، لن يخلد كتاب صاحبه إن لم يقرأه الناس. لكن لن يحتاج الناس لقراءة خطاباتي إليك، مؤكد جميعهم يحملون أيضًا خطابات من فقدوهم، فما الذي يجبرهم على اقتناء كتابك ياولدي؟!

ستة أشهر من التفكير كانت كفيلة لأن أجد الفكرة التي أكمل بها كتاب (يوسف)، حين عدت لقراءة خطاباتي إلى (يوسف) انتبهت إلى الخربشات على هامش رحلته، حكايات الناس من محافظات مصر الذين حضروا بأطفالهم للعلاج فى مستشفيات أبو الريش، أسر تحضر بأكملها لعلاج الطفل، لكنهم لا يجدون مكانًا يبيتون فيه، فيكون رصيف الشارع أمام المستشفى ملاذًا لهم.

لا تندهش حين تجد رجال عائلة من الصعيد يلتحفون السماء غطاء لهم، يتمددون على الأرض لا همَّ في قلوبهم سوى ذلك الطفل الذي ينتظر النجاة داخل المستشفى.  الأم التي حضرت من طنطا بطفلتها المريضة، لكن لأنها حضرت متأخرة لم تتمكن من الحصول على تذكرة.

هناك عدد محدد من التذاكر يوزع على المرضى إن انتهى أغلق الباب، مهما كانت حالة الطفل، الأم تجلس على الرصيف تبكي طفلتها المريضة، تحكي للمارة قصتها قائلة:

ـ «ذلك هو أسبوعي الثالث الذي أحضر فيه ولا أجد تذكرة!»

تحولت حياة الناس فجأة إلى ورقة تنقذهم، ورقة بجنيهين فقط، لكنها نادرة الوجود. وحكاية الأب الذي ظل يصرخ كالمجنون أمام غرف رعاية القلب، ماتت طفلته الموجوع قلبها، ظن الناس أنه يبكيها، لكنها صرخ في الأطباء قائلًا:

ـ «أنا بني آدم مش حيوان! عاملونا كبني آدمين!».

من هذه الخربشات التي كتبتها على هامش خطاباتي إلى (يوسف) فكرت في أن أتخيل أنه ما زال حيًا، وأنه أصابه مرض فجأة، فخرجت أتلمس الطريق لعلاجه، لكنني لن أذهب إلى مستشفيات أبو الريش.

سوف أستقل أول وسيلة نقل تقابلني إلى محافظة الفيوم، ثم أنتقل إلى كل محافظة في جنوب مصر، سأبحث عن علاج ولدي المتخيل في حكايات الناس عن المرض، عن الحياة والموت، عن حال المستشفيات في صعيد مصر، ثم أجمعها فى كتابك ياولدي، هكذا المسألة تليق بكتابك.

**********

تخيلت مظاهر الحداثة في قريتي:

المباني الأسمنتية، خبز الفرن الآلي، دكاكين المواد التموينية، ثلاجات المياه الغازية، مكاتب الكمبيوتر وصفحات الفيس بوك، طاولة البلياردو، الدراجات النارية، وملابس أهل المدينة، جميعها مظاهر حضرية أفقدت القرية ميزتها.

لكن هذه المظاهر القشرية، وإن كانت مهمة وطبيعية في تطور المجتمعات، إلا أنها لم تتوغل في الوحدة الصحية، أو في مستشفى المركز، ولم تسيطر بعد على ذلك الشيخ الذي ستجده في كل قرية، يعالج الناس بالقرآن، بعد أن يسلبهم بعض المال والقربان. في القرى يحصل الناس على فضلات الحداثة التي تلقيها عليهم الحكومات، لكن لم يفكر أحد أن يهتم بالتعليم والصحة أو بمقاومة الفقر وتردي الحال.

فكرت: ماذا لو كانت الحال في بقية قرى الجنوب مثل ما رأيت في محافظة الفيوم ومحافظة بني سويف؟ جن الليل فعكفت على كلماتي، أكتبها تحت عنوان: «حكاية يوسف: الحياة والموت في بر مصر».

• المصدر: كتاب (من وحي رحلة).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى)