الخميس , ديسمبر 12 2019

رواية (الاحتقار): معالجة معاصرة لما لم تقوله (الأدويسا)

تحكي ملحمة (الأوديسا) لـ (هوميروس) عن عودة جميع المحاربين الإغريقيين من حصار طروادة، عدا (أدويسيوس).. الذي تأخر لمدة عشرة أعوام، ماذا لو أن السبب لا يعود إلى ما ذكرته الملحمة بالتفصيل، عن المخاطر والأهوال التي واجهها في رحلته؟ بل إلى دافع نصف متواري داخل عقل البطل الأسطوري، يكمن في رغبة التهرب من العودة إلى زوجته؟

زوجته التي تعتبرها الملحمة مثالًُا للإخلاص، بسبب انتظارها لزوجها كل تلك السنوات، بينما -من وجهة نظر أحد أبطال رواية (احتقار)- تجسد كل بدائية الطابع القبلي الأثيني، (الكبرياء، الاعتداد، الاستقامة)، في حين أن (أوديسيوس) -على النقيض- سابق لعصره، يجسد كل معاني التحضر (الدهاء، العقلانية، التجرد، التعامل مع كل ما حوله بدون أحكام مسبقة).

نظرًا لهذا التناقض بين طباع الزوجين -والكلام لا يزال على لسان رواية (احتقار)- غادر (أوديسيوس) إلى حرب طروادة من الأساس، بينما كان من الممكن أن يوكل بأحد قادته الثقات على رأس كتيبة، وهو ما سيعد كافيًا كترضية وتضامن مع (ميلانوس).

ماذا لو أن (بينلوب) لم تنتظره كل تلك المدة بدافع الحب، وإنما من منطلق الولاء لا أكثر؟

اندهشت كقارئ عندما قرأت هذه النظرية ضمن سياق الرواية، لا أعرف كيف فكر فيها المؤلف، بالطبع أختلف معها بالمناسبة، إلا أن هذا لا يتعارض مع إعجابي بخروجها عن المألوف.

خلال مرحلة معينة من الرواية، ظننت أن الاستطراد في مناقشة هذه النظرية، يعتبر إطنابًا زائدًا، لا داعي لاثقال إيقاع الأحداث به، ثم لم يلبث أن تغير رأيي إلى العكس:

– النظرية مهمة جدًا للرواية، لدرجة أنني استشعرت بأن المؤلف قام أولًا بالتفكير فيها، ثم استخدمها كعمود فقري، قام بتفصيل الرواية بناء عليها.

كأن الرواية (دراسة نفسية لشخصيات الأدويسا،تنكرت في هيئة عمل أدبي معاصر).

لو أنني رجعت سنوات إلى الخلف بواسطة (آلة زمن)، وأخبرت نفسي وقتها بأن: ستقرأ يومًا (دراسة متنكرة في شكل رواية)، لظنت نسختي الماضية -حتمًا- أن الجملة مقصود بها (الذم).

لا أتخيل أن سأقولها يومًا كتعبير عن الإعجاب، لا أتخيل أن مؤلف نجح في فعل ذلك، دون أن يفسد النص بسبب شهوة (التنظير) أو (تكرار لوي عنق الأحداث، كي تتفق ع رؤيته).

تعد هذه الرواية بمثابة تجربتي الثانية مع (ألبرتو مورافيا).

هذا الرجل مدهش.

ربما تكون مشكلتي الوحيدة معه صغيرة جدًا، تكمن في اختيارات لعناوين أعماله. التي أجدها تقريرية جدًا بشكل لا يجعلها معبرة (الاحتقار، السأم، إلخ)، على أقل تقدير، ربما كانت لتصير أفضل لو يحذف الألف واللام.

لكن بخلاف ذلك، يدهشني امتلاكه قدرة غريبة على تشريح العلاقات الاجتماعية، والتوغل في نفوس أصحابها، معظم الرواية نعيشه داخل العقل المتأرق للبطل، فيقوم (مورافيا) بطهو القارئ على نار هادئة.

«كاتب مسرحي،  اشترى شقة جديدة، اتجه للعمل كسيناريست، أخبرته زوجته بأنها تحتقره».

قرأت للعديد من المؤلفين المهتمين بالجانب النفسي، الذين يركزون على الصراعات الداخلية، لدرجة أن الأحداث الخارجية، تكون قليلة أو بسيطة من واقع حياة يومية عادية، مما يجعل الرواية تسقط في فخ البطء أو تغدو أشبه بالخواطر.

استطع (مورافيا) إيجاد معالجة رفيعة المستوى لتلك النقطة، فجعلني أتوحد وأتفهم مشكلة البطل، وفي نفس الوقت.. يضيق صدري بسبب بعض ردود أفعاله.

ألتمس العذر للزوجة.. دون أن يمنعني ذلك من كرهها.

لم أقرأ روايات عديدة نجحت في خلق مثل هذه الانطباعات المعقدة تجاه شخصياتها.

 

للمرة الثانية، يمنحني (مورافيا) واحدة من الأعمال الأدبية التي تؤكد وجهة النظر: لا تعارض بين أن تكون الرواية عميقة جدًا + ليست مملة.

في الثلث الأخير من الرواية، اجتمع الثلاثة (السيناريست، المنتج، المخرج)، كي يناقشوا استيحاء سيناريو الفيلم من ملحة (أوديسا) لـ (هوميروس)، بعد إعادة معالجتها بشكل معاصر، لكن سرعان ما ظهر مدى الفجوة في وجهة نظر كل منهم، عن الجانب الذي يجب التركيز عليه في المعالجة الجديدة.

فكرت في تخطي الصفحات التي تتحدث عن هذا الجانب، باعتبارها أقرب إلى (المناظرات التقريرية)، ولحسن الحظ أنني لم أفعل، فكل كلمة قيلت اتضح أنها ذات صلة إلى صميم موضوع الرواية.

رغم أن هذه الطريقة -في رأيي- لم تخلُ من الافتعال، من منطلق: مع هي احتمالات أن يناقش ثلاثة مشروع فيلمهم الجديد، ثم يختار أحدهم موضوعًا يتضح أنه قابل للاسقاط على صميم مقاس المشاكل الخفية بين السيناريست وزوجته، التي يتضح أن المنتج طرفًا فيها.

عمومًا، عندما يكون البنيان العام لرواية رائعًا ومتجانسًا، يمكنك أن تغفر وتبتلع مصادفة أو اثنين من هذا النوع.

خلال الصفحات الأخيرة من العمل، ظننت أن (مورافيا) انجاز إلى اختتام الأحداث بنهاية سعيدة. ارتحاح لها قلبي، إلا أن عقلي كان يرى أن ذلك لن يكون متجانسًا مع ما سبق من صفحات سادها (الأرق، الاحباط، الرجاء، الاستنزاف النفسي، ..). عجزت عن ابتلاع فكرة (احتقار + نهاية سعيدة). وبالفعل صدق ظني. وجاءت النهاية مؤلمة نعم، لكنها مناسبة.

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).

4 تعليقات

  1. I all the time used to read post in news papers but now as
    I am a user of web thus from now I am using net for articles or reviews, thanks to web.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.