رقصة حادة على (إيقاع) رواية (الكومي)

قضيت الأسابيع الأخيرة فيما يشبه أجازة طويلة، شغلت أغلب وقتها بالإطلاع على عدد كبير من الأفلام، وإن كنت أدفع نفسي دفعًا لتخصيص بعض الوقت لقراءة الروايات، نظرًا لأن المشاهدة البصرية –بالنسبة إليّ- أكثر إغراءً من القراءة.. لكن.. عندما بدأت رواية (إيقاع) جذبتني جدًا، لدرجة أنني لم أجد صعوبة في تنحية أي أفلام جانبًا، لإكمال صفحاتها.

استخدم المؤلف أسلوب سرد (تعدد الرواة)، إذ أتى كل فصل على لسان أحد الشخصيات، التي تقاطعت مسارات حياتها في مرحلة ما.

صاحب مكتب دي جي المهرجانات (أحمد خريشة)، المهندس (عزيز بطرس فيني)، البروفسور الألماني (شاندور)، المغني الشعبي (جوجو)، الداعية (حمزة أبو نور)، (زهران)، وغيرهم.

الفصول الأولى بالذات، أتقن الكاتب تقمص وارتداء كل شخصية، كما نجح عمومًا في نقل واقع الحياة في منطقة شعبية كـ (بين السرايات)، بالإضافة إلى أنه جعلني أرى أغاني المهرجانات –لأول مرة- بعيون صانعيها، كما ربط هذا كله بقصة تاريخية قديمة عن العلاقة بين الخديوي (إسماعيل) وخادمته القبطية (جوليان)، التي جعلت الأخير يكتب (عزبة الوقف) –منطقة (بين السرايات) حاليًا- باسم زوجها.

ماذا لو أن المؤلف استهل الرواية بالفصل الذي يأتي على لسان (حمزة أبو النور) أو (الأنبا) أو (شفق)؟

ماذا لو لم تتضمن الفصول الأولى عبارات تنقل بصيصًا من مستقبل الأحداث، بشكل يستدعي الفضول والتساؤل، مثل:

«يهرعون، يحملون قوائم بالأسماء، كأنهم يتأكدون أن أحدًا لن يهرب».

«ماذا حدث لك يا خريشة؟ كنت فنانًا وعندك أكبر مكتب دي جي يتفوق على ديجيهات المطرية ودار السلام!».

«لم أستطع مصارحتهم بالمصيبة، أن شفق أشهرت إسلامها قبل فترة كبيرة من اختفائها، ومن عزل مرسي، لكنها الحقيقة، أسلمت على يد حمزة أبو النور».

يمكن القول: أن المؤلف انحاز إلى قرارات موفقة جدًا، بخصوص (ما الذي يبدأ به، وما الذي يؤخره، مكتفيًا بإلقاء تلميحات مختصره عنه في الفصول الأولى).

هذه المسألة، جعلني أخمن أن المؤلف له علاقة بالصحافة، يعرف أهمية جذب القارئ من العناوين والسطور الأولى، علاوة على استخدام لغة سهلة، في نفس الوقت، يجيد تضفير حياة أبطاله، كي تتقاطع مع بعضها البعض، وفي نفس الوقت، مع خطوط أحداث سياسية واجتماعية (الخديوي اسماعيل، قضية كاميليا، الثورة، مذبحة ماسبيرو، فض اعتصام رابعة والنهضة).

تلك الحدوتة والأجواء المسلية (في الفصول الأولى على الأقل)، نجحت في تخفيف –قدر الإمكان- ما تضمنته الصفحات لاحقًا من محاولة تأريخ للثورة وما سبقها وتلاها، بالتوازي مع تمرير المؤلف لوجهات نظره عن مشكلة (الطائفية) في مصر.

أقول «قدر الإمكان»، لأن العمل لم يخلُ  –في رأيي- من نقاط غير منطقية عقليًا، وأخرى غير مريحة نفسيًا.

ماذا لو ذهبت إلى نازحة فلسطينية مسلمة، وطلبت منها أن تعتنق اليهودية، وتهجر زوجها وعائلتها، لتتزوج من إسرائيلي، في مقابل أن تعيد لها ملكية منزل قديم امتلكه جدها في (القدس)؟

لو رأيت أن موافقة المرأة على العرض تعد أمرًا منطقيًا، فربما قد استوعب حينذاك أن توافق شخصية قبطية مثل (شفق) على تغيير دينها، والتخلي عن حياتها المستقرة، من أجل ثأر قديم يعود إلى زمن الخديوي (إسماعيل).

من حسن الحظ أن الرواية أرجأت هذا الفصل إلى نهاية الرواية، أعني الفصل الذي ينقل لنا تبرير (شفق) لهذا القرار غير المنطقي، بينما قفز  بعقولنا مباشرة إلى الانشغال بتداعيات ما بعد القرار، أعتبر هذا القرار ذكيًا جدًا من المؤلف.

على الناحية الأخرى، لو بدأ بالفصل الخاص بـ (أبو نور) أو (زهران) أو (الأنبا)، لظن القارئ سريعًا أنه بصدد تنظير  يتعلق بمشكلة (الطائفية)، متنكر في قالب قصصي.

مُجملًا، دعنا نكون متفقين على أن:

1- من الجميل أن يحمل كاتب أو فنان هموم قضايا الأقليات، فيكون صوت من لا صوت له.

2- الروايات ليست مصدرًا للمعلومات التاريخية.

لكن.. لم أسترح تجاه التلميح –داخل أحداث العمل- إلى شخصية محام، تحول إلى داعية شهير، ترشح لرئاسة الجمهورية، ثم انسحب، وحاصر  أنصاره مدينة الإنتاج الإعلامي، وكأننا -بناء على ما سبق- نرتكز على العديد من الخيوط الحقيقية في حياة (حازم أبو اسماعيل). مع فارق أن المؤلف أسماه في صفحات الرواية (حمزة أبو نور)،  ثم ألحق بنفس الشخصية جريمة تنظيم شبكة لخطف المسيحيات القاصرات، لإجبارهن على الإسلام، قبل أن يتم الدفع بعضهن كدروع بشرية في اعتصامات النهضة ورابعة.

هل حدث ذلك حقًا؟!

من المباح للروائي أن يضيف لصفحاته أي شخصية خيالية، ويسند إليها أدوارًا في أحداث تاريخية، فماذا عن استخدام التلميح لشخصية من الواقع، موجودة في السجن حاليًا بسبب عدة جرائم معلنة، فأقرر أن أضيف واحدة أو اثنين من عندي، بدافع الضرورة الدرامية.

كما أن الكهنوت الديني مرفوض بكل أشكاله، هذه النقطة لا خلاف عليها في البروتوكولات غير المكتوبة لمرتادي (ريش) و(زهرة البستان)، بالتالي لابد –في الروايات- وأن يكون رأس الهرم الديني (كبابا الكنيسة في “إيقاع”) ما هو إلا متاجر بالدين، ومعتمد على رعاياه كوقود في آلة تحالفاته أو صداماته مع السلطة السياسية.

على الناحية الأخرى، أشعر وكأن شخصية (نيلو) وضعها المؤلف في الرواية، كمحاولة لأن يكون باستطاعته قول:

-هناك (حمزة أبو نور) وجده و(أبو صالح) و(زهران)، لكن في المقابل.. لدينا كذلك (كهنوت ديني مسيس)، و(بلطجي مسيحي) في القصة، خرج من رحم الفقر والعشوائيات، فلا يستطيع أحد أن يقول أنني أشيطن طرفًا ما بعينه.

تم نقل أحداث (فض اعتصام النهضة) بعيون (زهران)، الذي بدأ ذاك الفصل بالحكي عن ظروف نشأته الفقيرة، وكيف كان تدينه منذ البداية، ما هو إلا تدين ظاهري، ليكبر كجزء من  قطيع بلا عقل، تم حشو عقله بحلم الخلافة، قطيع لا يتوان عن خطف المسيحيات القاصرات، لإجبارهن على الدخول في الإسلام، ثم يتورط في حمل السلاح، لارتكاب القتل، بالتالي عندما نصل إلى مذابح (فض الاعتصام) يصبح القارئ مهيأ لألا يتضايق كثيرًا، فهناك قدر ليس بالقليل من المعتصمين لا يختلف عن (زهران)، بالتالي.. قد لا تعد تصفيتهم جرمًا صادمًا لهذه الدرجة من الدولة.

وجه المؤلف شكرًا في نهاية الرواية، لأحد الباحثين الألمان الذي ساعده على كشف ماضي (عزبة الوقف)، أي هناك تحري للأمانة في نقل الحادثة التاريخية الرئيسية التي بناء العمل عليها، غير أنني تفهمت نوعًا بقية القراءة الاجتماعية والسياسية التي تسود النصف الثاني من الأحداث، عندما علمت أن المؤلف صحفي بالفعل، يعمل في اليوم السابع، عرفت هذه المعلومة عندما لم ينس الكاتب أن يضع اسم رئيس تحريره (خالد صلاح)، ضمن لائحة الشكر.

عمومًا، أثق أن هذه السياق الذي تمرره سطور الرواية، سينسجم مع وجهة نظر شرائح معينة من القراء.. لست أعتبرني منهم.. لذلك أصنف الرواية من أفضل ما قرأت لهذا العام (رغم النقطة السابقة)، وليس (لأنها أحد أسباب إعجابي بالعمل).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).