الثلاثاء , أكتوبر 15 2019

رف كتب: (جنازة الملائكة)- وائل رداد

كتب: رايفين فرجاني.

[1] القصة:

هي رواية فانتازيا تنتمي إلى مدرسة الواقعية السحرية، تحكي عن مغامرة في أرض فلسطين يخوضها أبطال الرواية الذين يشكلون نموذج نقي للشجاعة والجلد والفداء يندر تواجده على أرض الواقع.

تتخلل الرواية حكايات من عدة نوافذ ما بين عالم الأحلام وحكايات الجدة وقصص التاريخ وأبيات الشعر والأغاني والأسماء الفلسطينية للأماكن والشخصيات والوقائع التي مرت بأبطال القصة، وحتى الشخصيات الجانبية.

كل هذا تم توظيفه بشكل معبر للغاية،  وأخص بالذكر الأغاني التي جرى توظيفها مع باقي النوافذ الحكواتية في الرواية لخلق حالة من الحنين والشجن وخلفية درامية في ذهن المتلقي عن الشخصيات التي سيتعاطف معهم حتى لو لم يعرف الكثير عن تفاصيل حياتهم.

[2] الوقائع:

وهي وقائع وقعت على أرض الواقع، ولكنها تبدو في جموحها كأنها آتية من الخيال، فصارت حكايات تُروى على ألسنة الصاحين والنائمين، ممتزجة بالفانتازيا ومروية على أرض فلسطين في خليط بين الواقع والخيال. ومن ذلك

1- حكاية شبح الليل.

2- حكاية الفتاة المخطوفة.

3- مذبحة دير ياسين.

إضافة إلى كونها تصنع أجواء حزينة وحالة من الحنين والشجن في المتلقي، فهي تعطي للرواية طابعًا عربيًا أصيلًا، كأنها أتت من قلب الليالي العربية من كتاب ألف ليلة.

ويصف الكاتب تلك الوقائع في روايته بالعبارة الآتي:

– في فلسطين تغدو مثل تلك الحكايات التي تروي البطولات وقائع يا صاحبي.

التوظيف الثالث لتلك النوافذ الحكواتية قد يكون هو الأهم، وهو توظيف لرمزية مهمة في الرواية الفلسطينية، والمتمثلة في دلالات الغول والذئاب التي صور الكاتب اليهود على شاكلتها. ويتجلى ذلك في أربعة مظاهر بالرواية.

المظهر الأول هو النوافذ الحكواتية المتمثلة في الأغاني والأشعار والحكايات الخرافية والأحلام والتاريخ وحتى إسم الرواية وأسماء فصولها. فالكاتب قسم الرواية إلى فصلين، الأول والمعنون باسم حكايا النهار في إشارة لطهارة الفلسطينيين، وسميت الفصول الفرعية منه بأسماء فلسطينية عربية.

الفصل الثاني جاء بإسم حكايا الليل في إشارة لقذارة الإسرائليين، وسميت الفصول الفرعية منه بأسماء إسرائيلية يهودية.

المظهر الثاني يتمثل في الفعل المروع الذي ينتظر القارئ في نهاية الرواية، والذي يعبر بكل وضوح عن مدى وحشية ودموية وقساوة هؤلاء البشر.

المظهر الثالث في عدم حضور الشرير بحيث يتعلق به القارئ، وينحصر اهتمامه بأبطال الرواية، وتم تضييق صورة الشرير على شكل واحد.. اليهودي.

بخصوص البطولة فإن الكاتب قدم لنا بطولة عذبة -أبطال الحجارة- برغم مرارة الدماء المسألة، وجاء في وصفها ما قاله الأستاذ مروان الصقعبي عن أبطالها “عاشوا بشرف، أحبوا بنقاء، استشهدوا بعزة”.

النقطة الثانية أن أبطالها أطفال تم تقديم رحلتهم في بعض الجوانب بصورة تدنو من أدب الأطفال في أجزاء من فصولها الأولى، وترقى إلى أدب الكبار -رغم أن أبطالها صغار- في باقي فصول الرحلة الحزينة.

النقطة الثالثة هي المعنى الأول الذي تجسده البطولة في الرواية، وهو التضحية.

أهم رسالة في هذا العمل هو الصراع الإسرائيلي / الفلسطيني، وتذكير بالأرض المعتدية والأرض المغتصبة في واحدة من أجمل الروايات العربية التي تناولت القضية الفلسطينية في إطار فانتازي مبتعدًا عن العمق التاريخي أو السياسي.

[3] الإسلوب:

من كل ما سبق يظهر أن الرواية محمولة على أكتاف الإسلوب الجميل والبسيط من الكاتب الذي سرد أحداثا دامية بإستخدام كلمات صائبة وُضعت في مواضعها. وتوظيفه للحكايات التي روت القصة لتزيد لسانا مع لسان الراوي، حتى أن الكاتب لم تفته العناية في إختيار حكاية الغلاف أو التمهيد أو النهاية.

[4] الشخصيات:

حضور جميل للأبطال والشهداء مع غياب وجودي للأشرار والأوغاد، حتى أنه لا يوجد شرير واحد عالق في بالي رغم أن الكاتب قدم أكثر من واحد. إضافة إلى تشتت للقاريء بسبب كثرة الشخصيات الجانبية بدون توزيع جيد من الكاتب.

أما عن أبطال الرواية، فنذكر أبرز ثلاثة منهم:

1- يزن:

أكثر بطل تعلقت به هو يزن الفتى الأشقر الوسيم، الطيب هادئ الطباع والمجنون بأحزانه المثقلة على صدره، خاصة المآسي التي مرّ بها وتلقاها بطريقة مغايرة. وهو يمثل جميع الشخصيات البطولية الأخرى بصفاتها التي تنصهر تحت أخلاقيات الوفاء والفداء والشهامة والمروئة.

بدئا بـ منذر وسلمى ولبني وصولا إلى نصر ونصار والديب.

2- الديب:

ثم بالطبع الديب قاهر الذئب وعاشق الكنافة، والآتي مع عوالم ألف ليلة وليلة.

3- فاتك النمر:

أما هذا فمنفصل عن الجميع، أعطاه الكاتب هالة أسطورة ولكنه أطفئها بصخرة الواقعية الثقيلة التي وقعت على رأسه ورأس أباه.

[5] الإيقاع:

قدم وائل رداد في روايته مغامرة فريدة يخوضها بعض الفتية لإنقاذ فتاة من أنياب اليهود، والأهوال التي تقابلهم في هذه الرحلة.

لا تصنف الرواية إلى أدب الرعب بالرغم من وجود الرعب بها، بل هي أقرب إلى الواقعية السحرية.

يشد ويفجع الكاتب القارئ بأحداث مستلهمة من الذاكرة وليست من المخيلة، والفرق بين الأولى والثانية هو أن الأولى مرت بالبشر على الأرض التي تمتد إليها جذور الكاتب فلسطين، وليست من مخيلته التي لا تحمل سوى صور عقلية لما قد يحدث أو لا يحدث.

الأولى هي أمور قطعًا حدثت بالفعل، وهو ما ينقل لنا صورة مؤلمة عن وطن محتل وطفولة مأسورة. رغم ابتعاد الكاتب في روايته عن التاريخية وإنتمائه إلى الفانتازية بصورة تذكرنا بالليالي العربية، وهي نقطة تتفق معي فيها الكاتبة هدى خريم بتساؤلها عن الرواية:

– هل هي حدوتة من حواديت الشاطر حسن؟

يستخدم الكاتب عناصر التشويق والغموض والفانتازيا والتراجيديا في سرد قصته، وقد نجح في توظيف تلك العناصر بصورة متفاوتة الجودة تميل للردائة في عنصري التشويق والغموض، وترقى إلى الامتياز في عنصري الفانتازيا والتراجيديا.

إيقاع الأحداث كان سريعا وتطورها كان لافتًا من سرعة القفزات -وقد يقع القاريء أثناء قفزه في بعض الحفر الموجعة- حتى النهاية التي حملت لمسات من الواقع الصامت. نهاية غريبة حاول الكاتب أن يجعلها مفاجئة.

أكثر الحفر جائت من قصص متعلقة بشخصيات جانبية لا فائدة منها في الخط الرئيسي للأحداث إلا في إضافة المزيد من الآلام والأحزان.

عن لأبعد مدى