الثلاثاء , أكتوبر 15 2019

رحلة إلى الإسكندرية على خطى (ملكوت)

                          إهداء..

إلى روح (محمد عامر)

                     ياسمين

مايو 2016م.. ابتلعت المياه صديقي، حادث أليم استسلمت بعده لهواجس الموت وزهد الحزن، ومرة أخرى أبحث عن التداوي بالقراءة، وجدتني ألملم أجنحتي المتكسرة بين ضفتي كتاب.

اخترت رواية (ملكوت)، تأليف (شريف عبد الهادي).

تتحدث الرواية عن الملاك المتأمل في أحوال البشر، العاجز عن فهم سلوكهم، الحائر بين سخطه وشفقته عليهم؛ فيأتيه الأمر بالنزول للأرض، ليحيا حياة بشرية لمدة معلومة حتى يحصد بالتجربة إجابات أسئلته.

وبالفعل ينزل الملاك إلى الأرض، بالتحديد “الإسكندرية” في صورة شاب لا يتذكر أي شيء عن ماضيه، أو من أين أتى، ليلتقي صدفة ببطلة الرواية “آيات” الفتاة المسيحية، فيقع كل منهما في حب الآخر.

ثم تستمر الأحداث ويتقابل الشاب مع باقي الشخصيات تباعًا، ليخوض من خلالهم رحلة في الأديان الثلاث(اليهودية/­المسيحية/ الإسلام) ويختبر الضعف الإنساني بمميزاته وعيوبه.

«سنصنع يومًا استثنائيًا يُباهى به الله ملائكته ومن يأتي من بعدنا من البشر»

بهذه السطور وخلال أحداث الرواية اتفقت آيات مع حبيبها على قضاء يومًا مميزًا يعوضان به ما نالهما من ألم، كنت أقرأ عن رحلتهما السعيدة حين لمعت في ذهني فكرة، وقتها كنت أستعد للسفر مع أخي إلى الإسكندرية لحضور حفل الموسيقار (عمر خيرت). ففكرت:

– لماذا لا أحيا نفس يوم أبطال الرواية (آيات والملاك) واقتنص السعادتين، تخيُل الأحداث على أرض الواقع، والاستمتاع باستكشاف أماكن جديدة؟

صحيح أنه في حقيقتي لا وجود لملاك لكني عزمت على الذهاب لبعض الأماكن وحدي، والبعض الآخر مع أناس أحبهم.

خاطبت أخي:

– أعرف إلى أين سأذهب حين أسافر للإسكندرية، هذه المرة لدى برنامج.

أقف على باب غرفته وأشير لما سجلته في مفكرتي الصغيرة.

«وحين زحفت الشمس المطعونة بسكين الغروب تاركة خلفها نزيفًا من الطيف الأحمر في الأفق، وحين بدأت ستائر الليل في النزول تدريجيًا استقللنا مشروعًا».

“المشروع”-الميكروباص­ في لهجتهم السكندرية وهو اختصار لجملة (مشروع النقل الجماعي)- وسيلة مواصلات الوجهاء قبل البسطاء في الإسكندرية، أفضله عن التاكسي، حيث يسمح لي بالاختلاط بالإسكندرانية وثرثرتهم، وسماع لهجتهم المحببة، كما أن توقفه الدائم لالتقاط أو إنزال ركاب يمهلني وقتًا أطول للذوبان في رائحة اليود، وتأمل الكورنيش ومعالم إسكندرية.

كنت قد شرعت في تنفيذ برنامجي منذ الصباح وبدأت بالبحر باكرًا، فجلست استمع لـ (هبة طوجى) وهى تغني «يا حبيبي كل ما في الصمت نادى». أحاول أن استشعر حضور (آيات) و(الملاك) محنة البشر ومنحتهم، شيئًا فشيًئا وافقت على عقد هدنة مع المياه التي في موضع آخر محت حبر الحياة من صفحة صديقي.

ثم جاء موعد الإفطار، فاستقللت مشروعًا وانطلقت لمنطقة (كامب شيزار) حيث محطتي القادمة محل (ألبان سويسرا).

هناك التقيت بصديقتي وأول ما لفت نظرنا أن المكان كان أصغر بكثير مما تصورنا، لكني تآلفت معه سريعًا, شعرت أنه ينتمي لحقبة أصيلة مضت، تحسست بعيني آثارها في المكان، في صورة مهملة، في صدأ عجوز، كنت ثملة برحيق الأصالة الذي يزحف بروية ليستقر في جحور الروح.

طلبت سدق-السجق كما ينطقه الإسكندرانية- بالجبنة كما فضله الكاتب، تكفلت رائحة الخبز الطازج في إشاعة الدفيء، وتكفل السدق في تحضير روح محلات بقالة الجريج، بينما تكفلت الجبنة المذابة في إطلاق الضحكات المرحة، كنت أضحك على نفسي مستشعرة إثارة أنني أخوض كل هذا الجنون.،

كانت من المرات القليلة التي استمتعت فيها بالطعام بكل حواسي، وبالتأكيد كنت سعيدة.

أكملنا نزهتنا أنا وصديقتي، ثم كانت المحطة التالية بصحبة أخي حيث مطعم (هولمز).

سألني أخي «هل أنتي متأكدة من العنوان؟».

فأجبته بأني متأكدة أنه في شارع سوريا بمنطقة رشدي كما ذكر الكاتب تمامًا، امتعض قائلًا: لا أعرف لماذا أسايرك في هذا، ومضينا نعرج في الشوارع حتى وصلنا حيث العنوان المدون في الرواية، لنكتشف أن المطعم قد كان هناك بالفعل لكنه قد نُقل إلى مكان آخر.،

هنا كنت أسمع صوت صرير أسنان أخي من الغيظ، فحاولت أن أتدارك الأمر ببحث سريع على الإنترنت حتى توصلت للعنوان الصحيح، وصلنا بعد جهد للمكان وسريعًا وقعت في غرام الطلاء الأحمر، شكل المقاعد، الإضاءة، تلك المساحة تتميز بحميمية غير عادية، هناك أماكن تشعرني بالأمان.. وكان (هولمز) منها.

توجه الجرسون إلينا ليأخذ طلباتنا، فخاطبه أخي قائلًا:

– من الأفضل أن يكون الطعام مميزًا فقد تعبنا كثيرًا حتى نصل إليكم لقد قرأت أختي عنكم في كتاب.

ذهب الجرسون ليحضر مديره بعد قليل، ويسألني هل بالفعل قرأتِ عنا؟ فأجبته: نعم في رواية.

دون اسم الرواية وانصرف سعيدًا .. انتهينا سريعًا من أحلى ساندويتشات “برجر” أكلناها في حياتنا أو ربما لأنني كنت أتناولها وأنا متخمة بشعور أبطال (ملكوت)، أحضروا لنا ورقًا فسألني أخي ما هذا؟

أجبته:

– هل ترى كل هذا الورق على الحوائط ، ورق في كل مكان، إن المكان يعطيك الحق في كتابة كلمة ومن ثم يعلقوها في المحل إلى الأبد، هنا متحف من كلمات البشر.

شرعنا نقرأ كلمات من سبقونا لزيارة المطعم وضحكنا كثيرًا على تعليقات مميزة كُتبت في الورق، ثم كتبنا أوراقنا وعلقناها كما أردنا وانصرفنا برضا.

جاء دور القهوة في محل (البن البرازيلي) أزعجني زحامه والدخان الكثيف، لكنني أنهيت قهوتي ممتنة وأنا أراقب شاب يغلف بنفسه هدية لأنثى، ثم لا يلبس أن يشعر بعدم الرضا فيفضها ويعيد تغليفها من جديد.

أخيرًا عدنا لنستعد لحفل الختام وهنا تغيرت الخطة قليلًا فبدلًا من أذهب للتعرف على (روسترى كافيه)، ذهبت حيث موعدنا مع حفلة (عمر خيرت).

وكأبطال الرواية تحادثت مع نفسي بلغة الموسيقى وتبادلنا الاعترافات والمكاشفات ، تجردت من ملبس القوة واغتسلت بعبرات الانفعال، أزالت الموسيقى طبقات الجمود طبقة طبقة، حتى صرت طبقة رقيقة شفافة تفصح عن ما يدور داخلها بكل وضوح، استقيت من الموسيقى الدواء واكتمل الشفاء.

غادرنا القاعة لكن النغمات لم تغادرني، خرجت من الحفل أشعر أني أسبح في سحابة فوق الحياة، تمشينا أنا وأخي في طرقات الإسكندرية منتعشين بالنسمة المعتقة.

كنت أتأمل العمارات القديمة والطرقات المبلطة وأتخيل من عاشوا هناك شاعرة بحنين جارف إلى أناس لم أعرفهم، كنت في أرض الخيال حتى هرول ناحيتي الترام- صديقي العجوز- ينبهني زاجرًا (اليوم خلص).

ياسمين سامي

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).