(راشمون) جـ 2: قصة يابانية من أدب الجريمة

• تأليف: ريونوسوكي أكوتاجاوا.

• ترجمة: محمد عبد العزيز الخولي.

• تحولت إلى فيلم ياباني أيقوني من إخراج (أكيرا كوروساوا)، إنتاج عام 1950م.

♦ لقراءة الجزء السابق

لو أنني كنت أعزل من السلاح، فلابد أنها كانت ستطعنني به. تراجعت للخلف، لكنها استمرت في التلويح به تجاهي،  كان بوسعها جرحي بشدة، وربما قتلي،  لكنني تاماجارو!

تمكنت من إسقاط سيفها الصغير دون حتى إخراج سيفي من غمده، ولأن أقوي امرأة علي وجه الأرض تصير ضعيفة لو تجردت من سلاحها، فقد انتصرت!

على الأقل أستطيع إشباع رغبتي فيها دون سلب زوجها روحه.  نعم  دون أن أقتله. لم تكن لدي أي نية لقتله.

أوشكت على الهرب من الغابة، تاركًا المرأة خلفي وهي تنفجر بالبكاء، عندما قفزت تتعلق بذراعي،  وبشظايا من كلمات محطمة أخبرتني أنه يحب أن يموت أحدنا، إما أنا، أو زوجها!

قالت أنه مصير أكثر ألمًا من الموت لو صار عارها معروفًا لرجلين!

قالت من بين شهقاتها أنها ستصبح زوجة أيًا كان من ينجو منا، وهنا شعرت بالرغبة في قتله تتصاعد داخلي  (حماس شديد)  ربما أبدو بالنسبة إليك رجل شديد القسوة بقولي لتلك الكلمات، لكن هذا لأنك لم تر وجهها، ولا رأيت عينيها الناريتان بالذات في تلك اللحظة! عندما تلاقت نظراتنا، قررت أنها ستكون زوجتي مهما كان الثمن، وحتى لو كان معني هذا أن يضربني البرق!

أردتها أن تكون زوجتي. ملأت تلك الرغبة الوحيدة عقلي. لم تكن بدافع من شهوة فقط كما قد يتبادر إلى ذهنك فلو لم يكن بداخلي رغبة وقتها إلا بعض الشهوة، لما مانعت أن أضربها وأبتعد  فلم أكن لأضطر لتلطيخ سيفي بدمائه، لكنني في تلك اللحظة نظرت نحو وجهها وسط الغابة المظلمة، وقررت ألا أرحل قبل قتله، لكنني لم أحب اللجوء لوسائل غير عادلة في قتله، وإنما قمت بفك وثاقه وأخبرته أن ينازلني بالسيف  (الحبل الذي تم العثور عليه عند جذور شجر الأرز هو الحبل الذي أوقعته لحظتها).

سحب سيفه الضخم والغضب يتقافز بداخله، وكما توقعت قفز نحوي علي الفور دون التفوه بحرف،  لا أحتاج إلى إخبارك علام انتهى قتالنا  الضربة الثالثة والعشرين،  أرجو أن تتذكر هذا  لازلت مندهشًا بهذه المعلومة حتى الآن، فلم يتمكن أحد قبلًا أن يتحمل ليصل في مبارزتي لعشرين ضربة حتى (ابتسامة مسرورة). عندما سقط، التفت ناظرًا نحوها، مخفضًا سيفي الذي خضبته الدماء  لكن لدهشتي الشديدة، وجدتها قد اختفت بالكامل!

بحثت عنها بين مجموعة أشجار الأرز، حاولت إرهاف أذني، لكنني لم أسمع إلا صوت أنين خصمي المحتضر،  لابد وأنها بمجرد بدأنا المبارزة بالسيف فرت بين أشجار الغابة لطلب المساعدة. عندما فكرت في هذا، أدركت أنها مسألة حياة أو موت بالنسبة إليّ.

لهذا سرقت سيفه وقوسه وسهامه، قبل أن أنطلق صوب طريق الجبل، وهناك وجدت جواد المرأة لا يزال يرعي في هدوء. وطبعًا سيكون مضيعة للوقت أن أخبرك بقية التفاصيل، فأنت تعرفها بالفعل، لكن قبل دخولي للبلدة، تخلصت من السيف.

هذا هو كل ما لدي للاعتراف به.  أعرف أنني سيتم إعدامي في كل الأحوال، وأنا أطلب منك أن توقع أقصي عقوبة علىّ (بلهجة مشمئزة).

*********

• اعتراف امرأة أتت لمعبد كيوميزو:

–  أجبرني الرجل ذو الكيمونو الأزرق الحريري علي الاستسلام له، أخذ يضحك ساخرًا بينما ينظر نحو زوجي المقيد.

كم بدا الفزع علي زوجي المسكين لحظتها! لكن كلما حاول الحركة لتحرير نفسه، كلما اشتد وثاق الحبل حوله،  بالرغم مني اندفعت نحوه وأنا أتعثر، أو حاولت علي الأقل فعل هذا، فالرجل قام علي الفور بإسقاطي أرضًا!

في تلك اللحظة التمعت نظرة لا أستطيع وصفها في عين زوجي، لمعة عصية علي الوصف. تلك اللمعة تجعلني أرتجف الآن وأنا أتذكرها،  تلك النظرة التي ارتسمت في عينا زوجي، الذي لا يستطيع التفوه بكلمة، أخبرني بكل ما اعتمل في قلبه.

لم تكن لمعة غصب أو حزن. فقط لمعة باردة، نظرة من الاشمئزاز.

صدمتني نظرته أكثر مما صدمتني ضربة اللص،  فصرخت رغمًا عني وفقدت الوعي. وعندما استعدت وعيي عرفت أن الرجل ذا الكيمونو الأزرق قد رحل،  لم أر إلا زوجي المقيد إلي جذور شجرة الأرز.

نهضت عن عيدان الخيزران بصعوبة، ونظرت إلى وجهه، لكن التعبير الذي ارتسم في عيناه كان نفس التعبير السابق.  أسفل الاحتقار البارد المرتسم في عينه، أطلت أفعى: من الكراهية، الخزي، الحزن، الغضب!

لا اعرف كيف أعبر عما شعرت به لحظتها.

سرت مترنحة علي قدماي، واتجهت لزوجي هامسة:

– تاكيجيرو، مادامت الأمور قد تطورت لتلك النهاية، فأنا لا أستطيع أن أحيا معك، يجب أن أموت،  لكنك ستموت كذلك ، لقد رأيت عاري  لا أستطيع تركك حي بعد هذا.

كان هذا هو كل ما تمكنت من قوله،  لكنه استمر في النظر نحوي باشمئزاز وكراهية، شعرت بقلبي يتكسر.

بحثت عن سيفه، لكن لابد أن ذلك اللص قد أخذه، فلم أجد لا السيف ولا القوس ولا حتى السهام في أي مكان من الغابة الصغيرة،  لكن لحسن الحظ وجدت سيفي الصغير راقدًا عند قدماي،  رفعته فوق رأسي، ومن جديد قلت:

– والآن هبني حياتك، وسأتبعك أنا علي الفور.

عندما سمع تلك الكلمات، حرك شفتيه بصعوبة. ولأن فمه كان محشوًا بالأوراق، فلم يكن صوته مسموعًا على الإطلاق، لكن من تأمل شفتيه استطعت فهم مقصده، بدا عليه كم يحتقرني، ولم تكن حركة شفتيه تحملا إلا معني واحدًا:

– اقتليني.

في حالة بين الوعي واللاوعي، أولجت الخنجر الصغير بين طيات رداء الكيمونو الحريري ذا لون الليلاك، عند صدره! لابد أنني فقد وعيي من جديد في تلك اللحظة، وعندما استعدت وعيي من جديد ونظرت إلى الأعلي، كان يلفظ أنفاسه الأخيرة بالفعل، وهو لا يزال مقيدًا،  شق شعاع من ضوء الشمس الغاربة طريقه بين مجموعة أشجار الأرز والبامبو، ليسقط فوق وجهه الشاحب.

ابتلعت  دموعي وأنا أقوم بفك الحبل عن جسده الميت.

ماذا حدث إلى بعدها؟ما حكيته فقط عليك، فلم أجد بداخلي قوة لأموت، صحيح أنني طعنت حنجرتي بالسيف الصغير، ثم رميت نفسي نحو بركة من الماء عند سفح الجبل، وحاولت قتل نفسي بالعديد من الطرق، إلا أنني لازلت أحيا في خزي وعار  (ابتسامة حزينة).

ولأنني بلا قيمة، حتى الإلهة الرحيمة  كوانون تخلت عني، لقد قتلت زوجي! وقد اغتصبني اللص. ماذا أستطيع أن أفعل؟ ماذا أستطيع أن..  أن..  (تدريجيًا أكثر تجهش في البكاء).

********

• قصة الرجل الميت، كما يحكيها وسيط روحي:

بعدما اغتصب اللص زوجتي، حاولت تهدئتها بكل ما في وسعي من كلمات. لم يكن طبعًا بوسعي الحديث، فقد كنت مقيدًا بالكامل في جذور شجرة دردار،  لكنني حاولت أن أغمز لها الكثير من المرات، كما لو كنت أقول لها “لا تصدقي اللص”، أردت أن أريحها من الشعور بمثل هذا الألم،  لكن زوجتي التي جلست مغتمة علي أوراق البامبو أخذت تنظر في حدة نحو حجرها.

بدا أنها تسمع كلماته، فشعرت بالغيرة توقد بداخلي،  بينما علي الجانب الآخر استكمل اللص حديثه المعسول، فانتقل من موضوع لآخر بمهارة، وفي النهاية قدم عرضه الجرئ.

– بمجرد أن بتدنس عرضك، لن تنسجمي مع زوجك، فلماذا لا تصبحين زوجتي إذن؟  لقد كان العنف الذي أبديته تجاهك نابعًا من شغفي بكِ.

وبينما كان المجرم يتحدث، رفعت زوجتي وجهها كما لو كانت في حالة من النشوة.  لم تبد بذلك الجمال من قبل أبدًا!

بم أجابت زوجتي العزيزة عليه بينما أنا جالس مقيد علي الأرض؟ لا أستطيع التذكر، لكن كل ما أتذكره أنني كلما فكرت في إجابتها ينتابني الغضب والغيرة.

أعتقد أنها قالت شيئًا من طراز، “إذن خذني معك لأي مكان أذهب إليه!”

ليست تلك هي خطيئتها الوحيدة،  لو كان هذا فقط ما فعلته لما كنت أتعذب وسط كل هذا السواد، عندما كانت في سبيلها للخروج من الغابة كما لو كانت وسط حلم، وقد تعلقت يدها بيد السارق، قالت “اقتله! لا أستطيع الزواج منك طالما هو حي اقتله!”.

كذا صرخت عدة مرات، كما لو كانت قد فقدت عقلها، وحتى هذه اللحظة أكاد أشعر بكلماتها تهوي بي نحو هوة عميقة مظلمة بالجحيم.

هل حدث أن تفوه لسان بشرى بمثل تلك الكلمات الكريهة قبلًا؟

هل حدث أن اخترقت مثل تلك الكلمات اللعينة أذن بشرية من قبل، ولو لمرة؟

هل حدث ولو مرة مثل..؟ (ارتفعت فجأة صرخة ازدراء!)

شحب لون السارق عندما  صرخت من جديد “قتله!”، وهي تتعلق بذراعيه. نظر نحوها، دون أن يجيبها بنعم أو لا،  لكن قبل أن أفكر بشأن إجابته وجدتها تسقط بين أوراق البامبو  (من جديد ارتفعت صرخة ازدراء) فك ذراعيه المتشابكين بهدوء، نظر نحوي، وقال “ماذا ستفعل بها؟ هل ستقتلها أم ستنقذها؟  ليس عليك إلا أن تومئ برأسك، هل أقتلها؟”

من أجل تلك الكلمات القليلة، أريد أن أغفر له جريمته.

بينما أنا متردد  بشأن قراري، صرخت هي وانطلقت تجري مبتعدة نحو أعماق الغابة، وعلي الفور قام السارق بمحاولة اللحاق بها، لكنه فشل في الإمساك بكم ثوبها حتى  بعد أن هربت منه، أخذ سيفي وقوسي وسهامي، وبضربة واحدة قطع أحد قيودي  أتذكر ما تمتم به لحظتها “أنا التالي”. ثم اختفي من الغابة بالكامل.

خيم الصمت علي المكان بعد هذا  لا، بالأحرى سمعت بكاء أحدهم  قمت بفك بقية قيودي وأنا أرهف السمع، وهنا استوعبت أن هذا صوت بكائي أنا! (صمت طويل) رفعت جسدي المنهك عن جذور شجرة الديودار، التمع أمامي السيف الصغير الذي أسقطته زوجتي،  التقطته، وطعنت نفسي في صدري!

شعرت بسيل من الدماء يطفو حتى وصل إلى فمي، لكنني لم أشعر بأي ألم،  عندما ازدادت برودة صدري، بدا كل ما حولي ساكنًا كالموتى في قبورهم،  يا له من صمت مهيب!

لم يتردد ولو شدو طائر واحد حتى عبر السماء التي اعتلت ذلك القبر الموجود بين الجبال،  فقط شعاع وحيد شحيح من الضوء شق طريقه نحو أشجار الديودار والجبال. تدريجيًا، أخذ ذلك الشعاع يبهت، حتى اختفت أشجار الأرز والبامبو من المشهد.

استلقيت مكاني مغلقًا بصمت عميق، ثم زحف أحدهم عليّ. حاولت رؤية من هو لكن الظلام كان يتكاثف من حولي.

قام ذلك الشخص بسحب السيف الصغير بنعومة من داخل صدري بيده الخفية، ومرة أخري شعرت بالدماء تطفو داخل فمي، ولمرة واحدة أخيرة، شعرت بنفسي أغوص داخل عالم من الظلام السرمدي.

(تمت)

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).