الإثنين , أغسطس 19 2019

6 علامات بارزة في مسلسلات الدراما الطبية- عمر فتحي

انتشر في العقدين الماضيين المسلسلات الأمريكية والتي تدور أحداثها داخل مستشفى، وأبطال المسلسل هم الأطباء والعاملين.

https://www.youtube.com/watch?v=9OaqCth__lQ

بدأ الموضوع بمسلسل ناجح جدا هو “ER” أو “غرفة الطوارئ” واستمر لمدة 15 موسم، من 1994 وحتى 2009 وهي فترة طويلة نسبيًا، وقدم العديد من النجوم أبرزهم على الإطلاق هو معبود النساء في أمريكا “جورج كلوني”.

قدم المسلسل العديد من طرق الطرح الجديدة لمسلسل من هذا النوع، ولعل أهم ما قدمه هو صافرة البدء لانتاج هذا النوع من المسلسلات.

لن أستطيع أن أتكلم كثيرا عن هذا المسلسل لأنني لم أكن من متابعيه مع الأسف، وإن كنت قد شاهدت بضع حلقات متفرقة لا تسمن ولا تغني من جوع.

قبل انتهاء مسلسل “ER” بأربع أعوام، وتحديدًا في عام 2005، تم اطلاق الموسم الأول من مسلسل “Grey’s Anatomy” والعنوان له معنى مزدوج، فمرجع “جراي” للتشريح كما يعرف كل طالب طب يعتبر “The Anatomy Bible”، وفي نفس الوقت فبطلة المسلسل اسمها “ميرديث جراي”.

المسلسل مستمر حتى الأن في موسمه الخامس عشر، ويبدو أنهم ينوون التفوق على مسلسل “ER” لأن صفحته على IMDB تحتوي على وصلات للموسم السادس عشر والسابع عشر واللذين لم يتم تصويرهما بعد. المسلسل بدأ بدفعة “ميرديث جراي” والتي التحقت بمستشفى “سياتل” لبدء التدريب قبل التخصص.

بالطبع، خلال 15 عامًا من الدراما، ظهرت شخصيات واختفت شخصيات، ارتبطنا بشخصيات، وشعرنا بالحزن لوفاة شخصيات أخرى. المسلسل يحتوي على علاقات عاطفية ودراما ونجاح وفشل ويعد واحد من أفضل المسلسلات في هذا المجال، وان كان قدم صورة مثالية للطب من ناحية الإمكانيات.

ومن ناحية أداء الأطباء وتصويرهم كملائكة رحمة في دولة رأسمالية براجماتية تمامًا.

من عيوب المسلسل، حرصه دائمًا على وجود شخصيات رئيسية من المثليين سواء من الرجال أو النساء، كما أن به مشاهد حميمية، تصنف بالنسبة لهم 15+ ولكنها أكثر من اللازم، حتى لتشعر أنك داخل ماخور وليس مستشفى! ولكن المسلسل يزخر بمعلومات طبية قيمة.

المسلسل الذي يليه ومن أكثر المسلسلات شهرة هو “House M.D” وهو اسم بطل المسلسل، الطبيب العبقري، الأعرج، الوقح، الجريء، الظريف، ….الخ.

الرجل له كاريزما كاسحة، ويظهره المسلسل كما لو كان “شيرلوك هولمز” الطب.

المسلسل فعلا من المسلسلات الجميلة، حيث يتناول الأطباء حالة مثيرة للحيرة ويبدؤن في البحث عن التشخيص. “هاوس” له طرق غير تقليدية تمامًا وغالبا ما يرفضها كل من حوله، ولكنه دائما ما يكون على حق وينجح في تشخيص وعلاج المريض.

الواقع أن شخصية “هاوس” هي شخصية مثرة للإعجاب قدر ما هي مستفزة. الرجل يتصرف كما لو كان لا يمتلك أي قدر من المشاعر الإنسانية، وفي نفس الوقت هو حريص أشد الحرص على مساعدة المريض. المسلسل به كم من المعلومات الطبية مخيف في الواقع، وقد نجهل عنها كل شيء.

المسلسل سبق “جرايز أناتومي” بعام، من 2004 واستمر لمدة 8 مواسم وحتى 2012. جرعة المشاهد الحميمة في هذا المسلسل قليلة للغاية.

هناك ثلاثة مسلسلات جديدة نسبيًا، سأبدأ بذكرها من الأقدم إلى الأحدث.

عام 2017 بدأ عرض المسلسل الرائع “The Good Doctor”. فكرة المسلسل جديدة للغاية، حيث بطل المسلسل هو شاب مصاب بنوع من أنواع التوحد.

الشاب فقد أخاه وهو صغير بعد أن هربا من المنزل. كان الأخ المتوفي، على الرغم من أنه الأصغر سنًا، هو من يعتني بأخيه. وقوف البطل “شون ميرفي” عاجزًا عن انقاذ أخيه جعله مصممًا على أن يصبح جراحًا لينقذ أرواح كل من يحتاج إلى انقاذ.

“شون” كان عبقريًا من الناحية العلمية، مع ذاكرة فوتوغرافية، تجعله ينفصل عن كل ما يحيطه فقد ليسترجع ما قرأه من قبل ليصل إلى الحل. مشكلة “شون” الأساسية هي في التواصل مع المرضى والأطباء الأخرين، مما يعرضه لمواقف مضحكة في بعض الأحيان ومؤسفة في أحيان أخرى.

في الواقع، أبدع “فريدي هايمور” في دور “شون ميرفي” بطريقة لا مثيل لها. المسلسل يظهر أيضًا مدى حرص الأطباء على المرضى بطريقة مشابهة لمسلسل “جرايز أناتومي”.

بالمناسبة، “فريدي هايمور” هو الطفل الذي مثل أمام “جوني ديب” في فيلم “تشارلي ومصنع الشوكولاته”.

المسلسل أنهى موسمه الثالث، وننتظر الموسم التالي في فارغ الصبر.

في بداية 2018، في شهر يناير، بدأ عرض مسلسل جديد، اسمه “The Resident”. المسلسل يختلف بعض الشيء عن المسلسلات السابقة، فأحداثه تدور في مستشفى “تشاستاين” وهي مستشفى استثماري، الغرض منها جمع الأموال، واجراء فحوصات للمرضى لتحقيق الربح، حتى لو كانوا لا يحتاجون لها.

من لا يمتلك تأمينًا صحيًا، سيلقى به في الطرقات. رئيس مجلس الإدارة وواجهة المستشفى هو أشهر جراح في الولاية، ومصاب برعشة في يده، تجعل احتمالات الوفاة أثناء الجراحة تتضاعف عدة مرات، ولكن الجميع يخشى أن يتكلم.

بطل المسلسل هو الطبيب “كونراد هوكينز”، وقد انضم له الطبيب المتدرب من أصول هندية “ديفون برافيش” ومعهم رئيسة التمريض “نيكوليت نيفن”، ومعهم جراحة القلب الصاعدة من أصول أفريقية “مينا أوكافور”.

يحاول الأربعة السيطرة على أخطاء مدير المستشفى والحد من الخسائر في الأرواح للمرضى، والعناية بهم قدر الإمكان، حتى لو تطلب الأمر تجاوز سلطاتهم في بعض الأحيان.

الموسم الأول كان يعالج قضية طبيبة أورام تعالج المرضى بجرعات كيماوي حتى لو كانوا لا يحتاجون لها لتحقيق ربح عبر مركزها المتعاقد مع هيئة التأمين الصحي بالولاية، ومحاولتهم إثبات ذلك.

بينما الموسم الثاني كان يدور حول شركة لتصنيع قطع غيار للزرع داخل الجسم، مثل الصمامات والمفاصل وما إلى ذلك، ولكن يكتشف الفريق أن الشركة تستورد من الصين ولا تصنع محليًا، وما تستورده قد يسبب مضاعفات أو الوفاة في المرضى.

المهم، الصورة أصبحت واضحة، المسلسل يعالج الفساد في المنظومة الصحية في أمريكا. مسلسل أعتبره واقعيًا غلى حد ما. المسلسل لا زال في موسمه الثاني.

آخر مسلسل، وأفضلهم بالنسبة لي، والذي بدأ عرضه مؤخرا في سبتمبر 2018 ولا يزال في موسمه الأول، هو “New Amsterdam”. العنوان هو اسم المستشفى، والبطل هو الطبيب “ماكس جودوين” الذي وصل إلى المستشفى لإدارتها في الحلقة الأولى من المسلسل.

المستشفى بالنسبة لهم في أمريكا توازي مستشفى بولاق الدكرور في مصر بالنسبة لدار الفؤاد، مستشفى حكومي يعاني من نقص الإمكانات.

بطل المسلسل هو رجل أفعال لا أقوال، هو لا عبارة عن دينامو يكاد يشتعل بالحركة لا يكل ولا يهدأ، أضف غلى ذلك أنه تم تشخيص اصابته بسرطان الحنجرة، ولكنه يؤجل العلاج حتى ينتهي مما يريد تحقيقه “Too little time, and so much to do”.

هكذا كان يخبر زوجته وطبيبته، فهو يريد أن ينقذ النستشفى من الإهمال والبيروقراطية وضعف الإمكانيات، ويحاول ما في وسعه بصدق واخلاص أن يساعد المرضى، ودائمًا ما يفكر خارج الصندوق.

مثال من احدى الحلقات، حيث كان هناك رجل مشرد يأتي إلى الطوارئ بإستمرار، حتى أنهم أنفقوا عليه فحوصات وعلاج ما يتجاوز المليون دولار في العام الماضي (إمكانيات ضعيفة فعلا، هعيط والله)، بينما هو مشكلته الأساسية التواجد في بيئة غير صحية وهم ملزمون بعلاج كل المرضى حتى من لا يمتلكون تأمينًا صحيًا.

لذا، توصل “ماكس” إلى الحل! لقد قام بإيجار شقة للرجل على حساب المستشفى! لقد قام “ماكس” بحساب تكلفة الإيجار لمدة عام فوجد أنها لن تصل إلى 5% مما ينفق على الرجل! هو عبقري بالفعل، ولكن من سيقبل بمثل هذا الحل في أي مكان؟

في حلقة أخرى، وجد أن هناك مرضى تم علاجهم وهو مديونين بمبالغ مختلفة للمستشفى، ورئيسة مجلس الإدارة تريد بيع الدين لشركة أخرى بقيمة مخفضة، على أن تتولى الشركة التحصيل بمعرفتها وتربح الفارق.

استدعى “ماكس” المرضى وعرف مهنة كل منهم، وطلب منهم تسديد ديونهم عن طريق عمل ما يجيدونه في المستشفى! الكهربائي يقوم بصيانة الكهرباء، السباك كذلك، الخ حتى أنه طلب من الرسامة رسم لوحة جدارية على حائط الكافيتريا الخاصة بالمستشفى!

المسلسل موحي بشدة، ويبث بداخلك نفس الروح التي بثها من قبل فيلم “باتش أدامز” ولا يحتوي على مشاهد حميمية حتى الأن.

في النهاية، ما يجمع كل تلك المسلسلات هو السيناريو المكتوب ببراعة، ودقة علمية لا حدود لها، ويحاول دائمًا البحث عن الجديد والنادر في عالم الطب لتقديمه بصورة رائعة.

هذا بالطبع يذكرني بالطب في الدراما المصرية بدءا بـ”دي حالة أمينوراهيا واضحة!” فيلهجة منتصرة لتشخيص محير في فيلم “جري الوحوش”!

ومرورًا ب”الضغط 50 على 80 يا دكتوووووور” في لهجة فزعة من الممرضة ان المريض شكله هيودع في مسلسل “لحظات حرجة”!

ووصولًا لمنظار البطن الذي وضعوه في عين المريضة في مسلسل “فيفي عبده” الذي نشره د. وائل الجلاد ولا أعرف اسمه (الحمد لله على ذلك)!

الواقع أن أقرب وصف للدراما الطبية عندنا هو ما ذكره “أكرم حسني” على سبيل التريقة مع “أحمد أمين” في مسلسل الوصية عندما أرادا انتحال شخصية أطباء في مستشفى، فشاهدا حلقات عديدة من مسلسل “لحظات حرجة” وخلص إلى هذه النتيجة: “كل ما تيجي حالة صرخ بصوت عالي زي عمرو واكد في المسلسل: مورفييييييييييييييييييييين!”

عمر فتحي دسوقي

عن عمر فتحي

طبيب وروائي مصري، من أعماله: انتقام ميت، دعوة للموت، أنفاس الشيطان.