خياليون جدد: وعلاقتهم بـ (الناقد)

لو تقصد الاهتمام النقدي الأكاديمي، فلا أنا ولا غيرى عدا قلة قليلة، سُلِط الاهتمام النقدي علينا.. وهو ما قد يكون أحد أسباب التقدم البطيء في مستوى التجربة الأدبية الشبابية.

النقاد المخضرمون يهيمون في عالمهم الموازي، والأمور ماشية معاهم بالحب والعلاقات الشخصية، ولا يوجد نقد موضوعي يهتم ويشير للكاتب إلى مواطن الضعف في كتابته.

وللأمـانة، من الكتـاب الشبـان من لا يقبـل نقـد كتابته، مكتفيًا بزيطة الأولتراس الخاص به على جودريدز وفيسبوك!

عمومًا، عندي قناعة أن التجربة ستفرز نقادها القادرين على التفاعل الحقيقي معاها.. وهناك اسم صاعد في هذا السياق هو الناقد والكاتب (إيهاب الملاح).

• شريف ثابت.

***********

في المجمل، رأيي أكثر إيجابية بمراحل عما كان منذ عشرة سنوات.

المشكلة الحقيقية الأولى في ضعف التواصل وعدم الظهور الكافي للأعمال الثقيلة أدبيًا، فيجد الناقد نفسه غير قادر على شراء والاطلاع على كل الإصدارات بينما تتسرب له أمثلة ونماذج ضعيفة.

المشكلة الثانية أخطر لكنها في ظني تموت تدريجيًا. هي تصور أن هناك تصنيف للأدب (أدب جاد إنساني)، و(آخر هزلي غرضه التسلية الضارة). هي نظرة ستينياتية ترجع لفترة سيطرة الأدب الواقعي ونظرياته لأسباب سياسية بحتة على العالم العربي، ورغم أن الزمن عفا عنها مازالت تتسرب حتى بين بعض الشباب.

يستفزني هذا النموذج كثيرًا.

• محمد الدواخلي.

***********

مع الأسف، هذه النظرة تعكس مدى سطحية بعض النقاد، لا أقول جميعهم، لكن بعضهم. بالعكس، أسهل شيء أن تكتب كلام غير مفهوم، وتتظاهر من خلاله بأنه يحمل عمقًا. بينما العمق الحقيقي هو الذي يأتي بشكل واضح، عندما يطالع القارئ عملًا عميقًا، بلغة سلسة.  هذه هي المقدرة والتمكن الحقيقي.

وهذا لا يجيده الكثيرون في العالم ككل، على سبيل المثال (أمبرتو إيكو)، الذي أعتبره فيلسوفًا وأديبًا رائعًا، كتب عدة روايات عميقة تحتوى على فكرة أخاذ، وفي نفس الوقت.. لغتها جميلة وسلسلة.. مثل (اسم الوردة، مقبرة براج، بندول فوكو). لن نذهب بعيدًا، أعمال (نجيب محفوظ) كانت تحتوى على عمق كبير، بينما اللغة بسيطة وسهلة، لذلك كان يقرأها الجميع. نفس الشيء ينطبق على (طه حسين).. و(توفيق الحكيم)..

بالتالي.. أنا ضد فكرة: ضرورة استخدام لغة صعبة كي تعكس عمقًا.

لا، ليس بالضرورة، قد تكون لغة سهلة، وتحوى عمقًا. وقد تكون اللغة مستعصية على الفهم، بينما هي في قمة السطحية.

• منذر القباني.

***********

ماذا يريد كاتب الفانتازيا في مصر؟ وأنا أتحدث هنا عن كتابة الفانتازيا بمعناها التجاري الواسع.. والذي يتضمن تصنيفات مثل الرعب والخيال العلمي والتشويق.. أو ما يسمى بالبوب آرت. وهي أنواع من الكتابة تخاطب في الأساس المبيعات.. والانتشار الجماهيري.. لما لها من قاعدة كبيرة بين القراء الشباب. هي إذن أعمال تهتم في الأساس بالجانب التسويقي من العملية الإبداعية..

لذا ففي رأيي أن نظرة السوق هي الأهم عند كاتب هذا النوع. وسبب تساؤلي هو استمرار شكوى كتاب هذا النوع من التجاهل والتهميش والنظرة لهم بإعتبارهم ليسوا أدباء، وأن ما يقدمونه ليس فنًا. وهي شكوى تبدو من وجهة نظري أقرب لاستجداء التعاطف، أو التعلق بمقولات (المظلومية)! فما يريده كاتب البوب آرت في مصر متوفر له تمامًا وكأفضل ما يكون. وأنا أتحدث هنا عن تجربة شخصية حين كتبت الرعب في بداية الألفينات. وقتها كانت مجرد محاولتك نشر عمل ينتمي لأدب الرعب هو نوع من الجنون، وقد تلاقي في المقابل الاستهجان والاستهزاء من الناشرين.

أما اليوم فنحن نعيش في وقت أصبحنا نمتلك فيه دور نشر متخصصة في الوب أرت.. تتخاطف هذه الأعمال.. وأصبح الكاتب لا يلاقي صعوبة في نشر أعماله.. والمكتبات تتلقفها بترحاب، وتهتم بتسويقها كأفضل ما يكون. فماذا يريد الكاتب أكثر من هذا؟ لماذا يتحدث عن النقد واعتراف المؤسسة الثقافية الرسمية وكأنما هو الهدف الوحيد للكاتب.. أو خاتم الإجادة الذي يريد أن تختم به أعماله؟!!

وحتى إن نظرنا إلى هذا الجانب فالأمر لا يستدعي كل هذه البكائيات.. فهل تعلم أن جائزة الدولة التشجيعية في الأدب خصصت هذا العام لروايات الخيال العلمي؟ هل تعرف ان هناك دراسة نقدية نشرت على أكثر من صفحة في مجلة الثقافة الجديدة التابعة للدولة عن رواية الفيل الأزرق لأحمد مراد؟ هل تعلم أن مختبر السرديات في مكتبة الإسكندرية عقد مناقشة نقدية محترمة لرواية رعب منذ بضعة أسابيع.. وهي رواية سجين برهوت لمحمود عبد العال..

الأمر إذن أن الحديث عن التهميش والتجاهل لم يعد أكثر من بكائيات تساهم على الظهور.. والأفضل في رأيي أن يبدأ كاتب البوب أرت في العمل على مشروعه وعلى أدواته لتعويض ما ينقصها إن كان يعتقد فعلًا أن الناقد لا يهتم باعماله أو يرفضها.. فجودة العمل هي التي ستفرض تقبله والاعتراف به فنيًا.. أما الناقد أو الكاتب الذي لا يعترف بالبوب آرت أو الفانتازيا كأدب ويهاجمها في كل محفل.. فهو لن يعترف بعكس هذا أو يهتم بما تكتب.. فلا تهتم كذلك بمحاولة لفت انتباهه.. لأنه لا يمتلك صك الغفران الأدبي.

• أحمد الملواني.

***********

 نشرت السطور السابقة كأحد فصول الكتاب الإلكتروني (خياليون جدد).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).