خياليون جدد: وعلاقتهم بـ (القارئ)

ترددت في إضافة هذا الفصل، نظرًا للحساسية التي قد يتم بها استقبال بعض ملاحظات مؤلفين تجاه القراء، باعتبار أن المعتاد هو العكس.

هل هذه الحساسية مبررة؟

بخصوص إجابة هذا السؤال، حرت بين رأيين:

– الأول: حق التعبير عن الرأي مكفول للجميع، فلماذا يُستثنى المؤلف من ذلك؟

– الثاني: ثمة أدباء آخرين يتحفظون تجاه استخدام هذا الحق، من منطلق أن الأداة الرئيسية للمؤلف هي (الأدب)، فحتى لو امتلك ملحوظة أو رأي، يحبذ أن يبح بيهما داخل نصوصه، بدلًا من خوض جدل، قد يسحب من تركيزه في مهمة (الحكاء) الأساسية.

على الجانب الآخر: المؤلف (فرد)، بينما القراء عبارة عن جمهور متنوع (يعتبر الكاتب ذاته جزء منهم)، بالتالي: أي رأي يبديه الكاتب، قد يسقط في فخ التعميم، أو يساء فهمه.

كلا الرأيين وجيهين كما نرى، إلا أنني –في النهاية- انحزت في النهاية إلى أولهما.

يعجبني القارئ الذكي الفهمان. فهو مريح جدًا في فهم أي وجهة نظر أو رؤية مطروحة. والذي يتعامل مع الكتاب كرواية وليس كحقائق علمية مثبتة. فهناك شريحة واسعة تتبنى أفكار كتاب الخيال العلمي وتدافع عنها بشراسة، فهؤلاء من الصعب إقناعهم.

أما بالنسبة للفانتازيا. فحدث ولا حرج.

كثيرين منهم أرسلوا إلي ينصحوني بالابتعاد عن أعمال تولكين لأنها تشجع على الكفر ونشره. ولا يستطيعون الفصل بين الحقيقة والخيال.

• أسامة أبو ترابة.

***********

أما القارئ.. فهو حر تمامًا في تلقي ما يريده.. وفي قراءة ما يمتعه.. ولهذا فأنا أختلف تمامًا مع النقاد والكتاب الذين يعتبرون انتشار هذا النوع من الكتابات الرائجة جماهيريًا سوف يؤثر بالسلب على الذوق العام.. وهو كلام إنشاء لا أفهمه.. كل قارئ حر فيما يحبه.. لا أظن مثلًا أن قارئ سارماجوا وماركيز سينصرف عن قراءتهم لمجرد أن سوق النشر به كتابات رديئة.. وقارئ أحمد مراد مثلًا.. لا يصح أن أتعالى عليه وأقول له تعال أعلمك أن تقرأ لكتاب كبار وأرتقي بذوقك! هو يقرأ لأحمد مراد لأنه يحبه.. وهو أمر لا يعني أي أحد سواه.

• أحمد الملواني.

***********

كأنثى، دعني أصارحك بوجهة نظري الخاصة التي ربما تكون خاطئة بالطبع.

السوق بشكل عام يعتمد على المستهلكين الإناث. هم من يختارون ويشترون.. الملابس.. الطعام.. وبالطبع الكتب. هنا يأتي دور الدعاية، النساء يتحدثن بإفراط قد يصل إلى الهيستريا أحيانًا عن ما يفضلونه في أي شيء يستخدمونه. فلا نسمع عن ماركات السجائر المحببة للرجال شيئًا، لكن الرجال يسمعون عن ماركات الملابس والمكياج بل والمسلسلات التي تفضلها النساء.

ذات الكلام ينطبق على الكتب. بعض القارئات تتأثرن بوسامة الكاتب الرجل، وفي ذلك ظلم للإناث والرجال الأقل وسامة بالطبع. وذلك النوع من القارئات هن الأكثر هيستريا وقدرة على نشر كتابات أو كتاب معينين. بينما القاراءات المعتدلات خفيضات الصوت فلا يسوقون الشهرة إلى أحد مقارنة بالنوع الأول.

يمكنك أن ترى تلك الظاهرة جلية في صفوف البنات الواقفات في انتظار توقيع الكاتب الفلاني الوسيم أو مفرط الرومانسية. بينما يقرأ الرجال في صمت تام، أو يغازلن الكاتبات الجميلات ويتلمقنهن.

• شيرين هنائي.

***********

بينما تتعامل شريحة كبيرة، وعلى رقعة عالمية، مع أدب الخيال باستعلاء، وتصفه بـ(أدب المتعة الفارغة) وما أشبهها من توصيفات؛ تعطي شريحة أخرى أكبر هذا اللون الأدبي مكانته المستحقة من الاهتمام والتقدير.

وبالنظر إلى شريحة قراء الفانتازيا في عالمنا العربي، نجدها تنقسم بدورها إلى عدة شرائح أصغر، متفاوتة بشكل جدير بالتقصي والاسكتشاف.

فمثلا هناك محبي الأعمال الخيالية الباحثين فيها عن متعة الهروب من الواقع السخيف، هذه الشريحة سريعة نهمة في قراءاتها، وتجنح أكثر إلى الخيال الممتزج بألوان أخرى، مثل الرعب والرومانسية. تميل هذه الشريحة أيضًا لمطاردة إصدارات خانة (الأكثر مبيعًا)، وتتحمس لها مبديةً إعجابًا مسبقًا.

كما يبحث أفرادها غالبًا عن أعمال مشابهة لما أعجبهم من قبل، ويسألون عنها معارفهم وغير معارفهم على شبكات التواصل الاجتماعي، مما يحصرهم في دوائر الضوء، التي تتسع بهم لتُضيّق الظلام على روائع أخرى لم تنل حظها من الشهرة والانتشار.

ثم هناك شريحة المتحمسين الفدائيين لأدب الخيال وفنونه، الساعين دومًا إلى اقتناص روائعه، المتعمقين فيما وراء ملاحمه، الناشدين الإغراق فيه. وهؤلاء الخياليون يسهل تمييزهم من طبيعة صفحاتهم ومشاركاتهم على شبكات التواصل، ومن قوائم قراءاتهم الذاخرة بالثقائل، المزينة بمراجعاتهم الشغوف لها.

لكن، ولطبيعة التضاد بين الشريحتين، يتسم جزء كبير من أفراد هذه الشريحة بالشدة في خصومة الأعمال الشبابية متوسطة المستوى، ومقارنتها بالعظائم بقسوة تحمل مؤلفيها إما على التباؤس أو على العناد على رفعة مستواهم وعدم حاجتهم لتحسينه، وكلاهما مما لا تُحمد عقباه.

وبشكل عام، يحتاج مجتمع قراء أدب الخيال بألوانه في عالمنا العربي إلى توسيع مداركه وآفاق بحثه واطلاعه، ثم -وهذا شديد الأهمية والخطورة- إلى الاعتدال والموضوعية البناءين في نقد الأعمال الخيالية (وغيرها كذلك)، سواء قبل نشرها أو بعده، فلا مجاملة وفاقع إثناء، ولا قسوة وباهت تسفيه؛ لتقويم أقلام ذات فرصة وصقل مواهب واعدة.

وأخيرًا، لدينا في محيطنا العربي عدد ليس بالقليل من المواهب الأدب-خيالية الاستثنائية، مما لا تقل روائعها عن أشاهر التحف الأدب-خيالية العالمية. تحتاج هذه الروائع للمزيد من تسليط الضوء، الإشادة، والنشر على أمداء أوسع وأوسع. ومن وسط قراء الأدب الخيالي، تظهر فئة فريدة تعمل على ذلك بكل ما تحوي من شغف وإصرار، فلندعو الله ونعمل لأن تتسع تلك الشريحة، ولتتكلل جهودهم بالتوفيق وعظيم النجاح.

• إسلام علي.

 نشرت السطور السابقة كأحد فصول الكتاب الإلكتروني (خياليون جدد).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).