خياليات معاصرات

لن أبالغ إن قلت لك أن لزوجي كل الفضل في أن أستمر. لن أحك لك عن جولاته معي من قبل زواجنا على دور النشر بحثًا عن ناشر صالح، ولا نقده اللاذع لكتاباتي في مرحلة ماقبل النشر وحثه لي على أن أكون أفضل وأرقى وأكثر اهتمامًا بسمعة قلمي لا شهرته.

لكن دعني احك لك موقفًا واحدًا، لو لم يفعل غيره لكان كافيًا كي اعتبره الصديق الأوفى والأقرب.

كنت أكتب رواية ملاعيب الظل وتوفي د. أحمد خالد في منتصف كتابتي لها.

كان انهيارًا كاملا لي، نوبات هلع، اكتئاب حاد، والأهم أنني كنت أشعر بشدة أنني فقدت قدرتي على الكتابة للأبد.

كنت أجلس بالساعات أمام الرواية أقرأها وكأن أحد غيري كتبها. لا أذكر أبدًا من هذا وماذا يريد، ولا إلام ستفضي الرواية! كدت أكسر جهاز الكومبيوتر المحمول في مرة لأنني بالفعل نسيت الرواية ونسيت كيف أكتب من الأساس.

جلس زوجي وقتها وحكى لي كل ما حكيته عن الرواية من قبل، لخص كل مرجع قرأته، اقترح علي كل مسار ممكن لكل شخصية. وكأنه كان يستخـلص الروايــــة من عقلي الباطن. فكــــان هو قلمي و عقلي معًا.

كانت فترة حالكة لم أكن لأخرج منها بأي شكل لولاه بالطبع. فأصبحت أكتب له، ولا يهمني شهرة أو مبيعات أو مقارنة بكاتب آخر، فأنا أعرف أنه يريدني أن أصبح الأفضل، وهذا ما أريده كي أقف أمام الله وقد فعلت ما علي فعله.

• شيرين هنائي.

سؤال وجودي آخر:

– هل الصورة وردية هكذا دائمًا؟

ج: بسم الله الرحمن الرحيم.

قطعًا لا.

قرأت حوارًا صحفيًا لكاتبة فانتازيا ثلاثينية تنتمي إلى أحد الأقاليم، حكت عن موقف العائلة عندما أخبرتهم برغبها بالسفر إلى معرض الكتاب، حيث حاولوا منعها، وصل الأمر إلى الإهانة، وللضرب أيضًا.

يندر المؤلفين الذين قد يحبون البوح بمثل هذا الجانب الشخصي، أغلبهم يفضل الصمت، لذلك لا نسمع كثيرًا عن القصص المؤسفة المشابهة، بينما نسمع بدرجة أكبر عن ذوي الخلفيات الأسرية المثالية.

كلاهما –في ظني- حالات نادرة،  أعني تلك التي تتطرف في جنوحها ناحية الضغط المفرط، أو التشجيع المفرط. بينما القاعدة الغالبة هي (الوسط).

أوضحت الكويتية (ضحى الحداد) أن أهلها لم يبدوا معارضة قوية، وإن كان لديهم بعض التحفظات تجاه رغبتها في الكتابة والنشر، من منطلق أنه (مجال جديد) وغير شائع:

– لكن زوجي كان مؤيدًا كبيرًا للفكرة، وهو من ساعدني للبحث عن دار نشر للكتاب.

صرحت الروائية المصرية (بسمة الخولي) بدورها:

– في بداية مشروعي الكتابي كان رد فعل عائلتي هو الدهشة، لكن بمرور الوقت تحولت الدهشة إلي تقبــل، والتقبل إلي تعود وارتياح لشيطـان الرعب النفسي المرافق لنا بالمنزل.

دهشة الأسر ليست حكرًا تجاه (الأبناء الذين يختارون التخصص في أدب الرعب)، إذ تقول الإماراتية (نورة النومان):

– والديّ فخوران بي، وإن كانت والدتي تتساءل دائما «لماذا اخترت أن أكتب في الخيال العلمي» وعلى وجهها نظرة استياء.

بخلاف النقطة السابقة، توضح مؤلفة ثلاثية (أجوان) المزيد عن موقف العائلة الحالي ككل:

– كنت محظوظة جدًا ولازلت، فأنا محاطة بأسرة تدعمني في الكتابة. زوجي أول قارئ لما أكتب وكان يحثني على الكتابة على مدى عقدين من الزمن وأنا كنت أرفض. أبنائي وبناتي يحترمون أوقات الكتابة لدي ويسعدون جدًا بما أحققه، وقد قرأوا جميعهم رواية “أجوان”، وأنعم الله عليي بصديقات لم يهنأ لهن بال حتى أنهيت أجوان وحصلت على ناشر، ثم تابعن تشجيعهن وإرهابهن لي حتى أنهيت الجزء الثاني. والآن يتناوبن على ملاحقتي في كل يوم بخصوص كتابة الجزء الثالث، أعترف أنني في بعض الأحيان أكذب عليهن وأقول أنني كتبت عدد من الكلمات، فقط لكي يتوقفن عن أسئلتهن، أنصح كل كاتب أن تكون له هذه الصداقات.

**********

أول نص ما يمكن أن يطلق عليه رواية في الأدب العربي هي: (زينب) للمؤلف (محمد حسين هيكل) التي صدرت عام 1913م. مع العلم، أن بعض النقاد يختلفون مع الطرح السابق، يرون أن هناك نماذج أسبق من ذلك، لكن –في كل الأحوال- لن يختلف الكثيرون في أن (فن الرواية) يعد ابتكارًا غربيًا، سبقونا إليه بأمد طويل.

لا تزال تلك الحقيقة منعكسة على مظاهر كثيرة، فبينما لدينا مثلًا –بالكاد- خيال علمي عربي، فإن تجربتهم الأطول عمرًا سمحت بذهاب الفرع الأدبي هناك إلى مدى أبعد من التنوع، أثمر عن مزيد الأفرع المنبثقة عنه، صدر عن كل واحد منها آلاف الإصدارات.

للمزيد من المعلومات حول هذا الصدد: أرشح كتابين من إصدارات المركز القومي للترجمة: (دليل كامبريدج للخيال العلمي)، (المرجع في روايات الخيال العلمي).

من أبرز تلك الأفرع المنبثقة التي لفتت نظري، ما يطلق عليه:

– الخيال العلمي النسوي.

لا زلت غير متأكد: هل جميع النقاد والمؤلفين هناك، مستقرون على وجود شيء بهذا الاسم منذ أمد؟ أم أن الأمر محل خلاف؟

لاحظت أن بعض المؤلفات العربيات ذاتهن يشعرن بالنفور تجاه  مصطلح (أدب نسوي) في العموم، بالعودة –مثلًا- إلى الكاتبة (هبة الله محمد)، نجدها تقول:

–  الحقيقة أنني أكره هذا النوع من الكتابات، المرأة إنسان بالدرجة الأولي ومعظم مشاكل المرأة يقابلها مشاكل لدي الرجل، كلنا يعرف أن الرجل الذي يتأخر في الزواج يسمع ما يكره من اتهامات سخيفة بذات القدر الذي تسمعه المرأة، فكلاهما لا يتمتع بالحرية في مجتمع ليس حرًا من الأصل.

سألت (هبة الله) عن تفسيرها لقلة عدد المؤلفات في مجال الخيال العلمي والفانتازيا، فأجابت:

– ربما لأن المجال جديد أصلًا وعدد الكتاب فيه ليس كثيرًا، هناك سالى عادل، منال عبد الحميد، وربما لحاجة هذا النوع من الكتابات للاستمرارية وظروف المرأة قد تعوقها أحيانا خصوصا في حالة الزوج غير المتفهم.

جدير بالذكر أن (هبة الله) حاصلة على العديد من الجوائز، من لجان تحكيم تضمنت أسماء مثل (نبيل فاروق، أحمد خالد توفيق، إبراهيم عبد المجيد، تامر إبراهيم). مما جعلني استفسر عن كيفية توفيقها بين (المنزل، العمل، الكتابة). أجابت:

– غسيل الصحون وغلي اللبن فكرتان جيدتان لاستدرار الأفكار! أما الاستماع إلى بكاء صغير طوال النهار فهو جو مُلهم جدا لقصص الرعب! أحيانا أكتب في العمل وهو ما يعني أنني قد أفصل قريبًا!

لكن قد تكون الفكرة ملحة والعمل ليس كثيرا فلِمَ لا استغل الوقت!

بالعودة إلى السؤال الرئيسي:

– هل طبيعة المرأة ذات خصوصية تؤهلها للإبداع في ألوان أدبية معينة أكثر من غيرها؟ أم يجب أن تقدم المرأة نفسها باعتبارها “إنسان”، لا تتميز أو تختلف عن الرجل –إيجابًا أو سلبًا- في قابليتها لخوض أي غمار أدبي؟

أجابت (سالي عادل) في هذا الصدد، بوجهة نظر أخرى:

– أرى أن المرأة باعتبارها أكثر رهافة من الرجل فهي أقدر على استشعار مواطن الخوف وإبرازها، وأقدر على التعمق في رؤية التفاصيل إلى حد اكتشاف ما يمكن أن يرعب بها، وبما أنها أكثر عاطفة فهي أقدر على التعبير عن العواطف بما فيها الخوف أو التوتر أو الحب أو الجنون أو غيرها، وهي أشد كيدًا من الرجل، ويمكنها ابتكار طرق انتقام لا تخطر على البال، وهناك مجالات معينة من الرعب لن يتم التعبير عنها بشكل جيد لو لم تكن بيد امرأة، مآزق الحب والأمومة مثلًا، ومع هذا، فمن الصعب الحكم على شخص بأن يتصرف بطريقة معينة أو يكتب بطريقة معينة لمجرد أن نوعه أنثى أو ذكر، نحن نكتب ما نشعر به ويحرك رغبتنا في الحكي، ولا أحد يفكر حين يكتب: أنا رجل إذًا سأكتب عن كذا، أو العكس.

 نشرت السطور السابقة كأحد فصول الكتاب الإلكتروني (خياليون جدد).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).