(خلف الجدار): قصة رعب قصيرة

♦ كتب: باسل العربي.

القاهرة 1961م.

هل ترى ذلك الرجل الذي يرتدي البذلة ذو الشارب الطويل الذي يجلس هُناك؟

إنه رمزي بك، أو دعنا نقول: إنه رمزي فقط بدون ألقاب، فتلك الحالة التي وصل إليها تسمح لنا – وبكل فخر- أن ننتزع منه ذلك اللقب الفخم.

إنه من عينة هؤلاء القوم، الذين كانوا من أغنياء الأغنياء قبل الثورة، لكن جاءت الثورة مجيء الرياح العاتية على السفن، وسحبت كُل ما يملكون من أراضٍ زراعية وعقارات ومُمتلكات كانوا قد امتلكوها بطريقةٍ أو بأخرى، وتركت لهم القليل، القليل جدًا، وأنت تعرف ماذا حدث لتلك الطبقة، وكيف تدهور حال أهلها، منهم من سافر إلى الخارج لكي يهرب، ومنهم مَن رضى بحاله وعاش بين الناس.

أما والد رمزي، كان واحدًا من هؤلاء الذين لم يتحملوا تلك الصدمة، لم يتحمل فكرة أنه أصبح فقيرًا، كالبواب أو الجنايني اللذان يعملان عنده، وأن عليه في أقرب وقت أن يجد عملًا يكسب منه المال وإلا سيموت جوعًا، لذلك مات كمدًا وحزنًا على نفسه، وبقي رمزي وحيدًا في تلك الحياة يتشبث بتلكم الأيام الخوالي الذي كانوا الناس فيها يُنادونه بـ “رمزي بك”، وكان يسكن القصور ويركب الجياد الممشوقة.

عزوفًا عن الناس، أصبح يسكن في بانسيون قديم يُسمي (بانسيون السعادة)، وهو اسم لا ينم عن شيء، تملكه امرأة عجوز غير مصـرية، لا يعرف أصلها تحديدًا، كُل ما يعرف أنها تُدعي “ماري”، رُبما هي يونانية أو أوكرانية.

(بانسيون السعادة)، بانسيون صغير في إحدى شوارع الإسكندرية، شبه مُريح، شبه نظيف، شبه خالٍ، تلك الأجواء تروق كثيرًا لرمزي بك الذي أراد أن ينعزل عن الناس تمامًا.

يعمل رمزي في الصباح، بمطبعة بعيدة تُعيد طبع الكتب القديمة بسعر بسيط، يكره ذلك العمل، ولكنه عملُ سهل يعيش على أجره الجيد، وسأخبرك معلومة لا يعرفها الكثير: يتنكر رمزي عندما يذهب إلى العمل كي لا يراه مَن يعرفه، برغم أنه يعرف أن أحدًا لن يعرفه بعد أن هرب إلى الإسكندرية.

يجلس الآن رمزي أمام الشُرفة وينظر إلى الشوارع في الخارج، يشعر أن الدنيا ضاقت به كثيرًا، ولو كان يملك العودة إلى الماضي ما تردد، ولكن في تلك اللحظة بدا الماضي حلمًا بعيد المنال.

حسنًا، هل تكفي هذه المُقدِمة؟

أسمعك تتساءل كيف بدأ الأمر؟

لا تكن عجولًا يا أخي وستعرف كل شيء، أنا هُنا كي أخبرك صدقني.

اعتاد أهل ذلك البانسيون أن يجتمعوا في المساء ويتناولوا العشاء سويًا، ويسهرون قليلًا يتحدثون في أي شيء أو يستمعون إلى الراديو، أو يلعبون الطاولة أو الشطرنج، كان أغلبهم من الكهول ما عدا صديقين شابين، وفتاتين تبدوان أنهما شقيقتين، أما رمزي، كان النبتة الشيطانية ها هنا، فهو وحيد، صموت، لا يختلط بالآخرين، ويراه الآخرون غريب الأطوار، فقط ينزل في المساء ليتناول الطعام بدون أن يُشارك الآخرين بكلمة واحدة، ويصعد إلى حجرته ولا يراه أحد إلا في المساء القادم.

ولكن رمزي قرر في ذلك المساء أنه لن ينزل لتناول العشاء، إن نفسه (مسدودة) مُنذ فترة طويلة، وهكذا أمسك بكتاب وأخذ يقرأ فيه، ومرت ساعة تلتها أخرى وجاء مُنتصف الليل، ففرك رمزي عينيه ووضع الكتاب بجواره وأغلق الضوء ونام.. نحـن الآن بعـد مُنتصف الليل بقليل، رمزي نائـم على سريره، يغط في سبات عميق.

“تك تك تك”

بدأ ذلك الصوت يتردد من مكانٍ ما، صوت طقطقة مُرتفعة قليلًا، أشبه بصوت ساعة الحائط أو صوت المُنبِه، ولكن للأسف لا يوجد ساعة حائط هُنا أو مُنبه، استيقظ رمزي من نومه إثر ذلك الصوت، ذلك الصوت يُزعج رمزي كثيرًا ولا يتح له الفرصة لكي ينام نومًا هانئًا، وهو الذي كان ينام  من قبل في غُرفة مُنعزلة تمامًا فوق ريش النعام!

الصوت يتزايد في مُثابرة: “تك تك تك”

هل يخرج ويخبر مدام ماري بأن صوتًا ما يتردد في حجرته؟ أم يتناسى الموضوع برمته وينام؟

ولكن أنت تعلم أن رمزي من ذلك النوع الثوري للغاية، الذي لا يقبل التنازل، فلن يدع المجال لشيء يزعجه.

أبسط ما في الأمر، أن يعرف ماهية الشيء أصلًا!

أخذ يتتبع الصوت، الصوت يأتي من خلف الجدار، ذلك الجدار الذي يقع خلف سريره بالضبط، صوت طقطقة عالية مُنتظمة، يأتي من الحُجرة المُجاورة لحجرته.

ألصق أذنه للجدار وأرهف السمع، وهُنا وقف شعر يده لأنه سمع صوتَ أجشَ لرجل يقول مُخاطبًا آخر:

– إنه يلصق أذنه ليسمع ما نفعل، بالضبط كما يفعل أي أحمق!

سمع بعدها ضحكات مُتقطعة، قبل أن صمت الصوت تمامًا.

*********

– صدقني تلك الغُرفة التي تتحدث عنها لا يسكنها أحد، ها هو المُفتاح إن كنت لا تصدقني، يُمكنك أن تفتحها وتتأكد بنفسك.

قالتها مدام ماري بعربيتها الكسيحة وهو تنزل على السلم أمامه وتعطيه المُفتاح الخاص بتلك الغرفة التي أتى منها الصوت، لكن رمزي لم يأخذه، وقال:

– ولكن كيـف؟ أنا سمعتُ صوتَ أحدهم يتكـلم مع شخصٍ آخر، وصوت طقطقة وكأنها دقات عقارب ساعة، كيف يُعقل ذلك؟

نظرت له وابتسمت ابتسامة فهمها رمزي سريعًا، فقال في حزم:

– لا أسمح لك أن تشكي في، أنا في كامل قواي العقلية، يجب أن تعرفي كيف تتكلمين مع أمثالي!

نظرت له ورحلت إلى مائدة الإفطار، وعادت إليه بطبق بسكويت وكوب من الشاي، فوضعه أمامه وأخذ يُفكر، هل كان يهذي في البارحة؟!

ثم أنه نظر حوله وأخذ يحصي عدد الغُرف نسبةً إلى عدد النُزلاء، فوجد أن بالفعل تلك الغرفة بالنسبة لعدد النُزلاء غير مسكونة، لأن مدام ماري تُحب أن

تُسكن الزوار على حسب العدد، فمثلًا النزيل الأول بالبانسيون تُعطيه الحُجرة رقم واحد وهكذا، وهو يحمل رقم الغرفة ثمانية، وهو بالفعل الزائر الثامن، فكيف تكون الغرفة المُجاورة مسكونة؟ كيف؟!

ونظر إلى طبق الطعام، ولكنه رحل إلى عمله بدون أن يأكل.

*******

نحن الآن بعد مُنتصف الليل من جديد، ورمزي الآن نائم على سريره.

“تك تك تك”

ذلك الصوت اللعين من جديد!

هو ذات الصوت بذات التردد المُنتظم جدًا، فقط يعلو الصوت تارة وينخفض تارة، ولكن بُمجرد أن سمعه رمزي وأفاق من نومه، فَكر سريعًا ثم خلع حذاءيه الكبيرين، وتوجه ناحية الحائط الذي يأتي منه الصوت في هدوء شديد، ثم ألصق أذنه ليسمع ما يحدث بالداخل.

لو كانوا عرفوا في المرة السابقة أنه يتنصت عليهم، فلابد أنهم عرفوا بسبب صوت الحذاء، ولكنه لم يسمع شيء سوى صوت الطقطقة، ولم يسمع صوت الرجل ولا أي أصـوات أخرى، وما زال صوت الطقطقة يأتي من الحُجرة بشكل مُنتظم.

يكره رمزي ذلك الصوت البشع، لكنه يُريد أن يعرف ما الذي يحدث، لا يترك رمزي أمرًا يمر هكذا من تحت يده، وليس من ذلك النوع الذي يقول “مليش دعوة”. هُو يُحب أن يفهم ولا يُحب أن يُخدع، لكنه سأل نفسه:

– ماذا لو كانت مدام ماري مُحقة، وهو مجنون؟ أو أن أمرًا ما غير طبيعي يحدث!

ذلك الصوت يصدر فقط بعد مُنتصف الليل، لقد لاحظ ذلك، وكأن له موعدًا مُحددًا يأتي فيه، و…

هُنا دق باب حُجرته! فتصلب مكانه لثوانٍ بمُجرد أن سمع صوت الباب. لم يكن يتوقع أبدًا أن يدق الباب في وقتٍ كهذا، ثم قال مُتسائلًا بصوت مُرتجف وهو يتجه ناحية الباب: “مَن”

لا أحد يرد، لو كُنا في فيلم رُعب الآن لأخبرتك أن الشخص الذي دق الباب هو قاتل يرتدي قناعًا أسود ينتظر خلف الباب، ولكن رمزي لم يكن يرى أفلام الرُعب ولا رأى قتلة يرتدون أقنعة من قبل، لذلك اتجه – كما تتجه الضحية في فيلم الرُعب دومًا – ناحية الباب وفتحه، ولكنه لم يجد أحدًا!

لم يجد أحدًا على الإطلاق، وأطل برأسه على الطُرقة الواسعة وعلى باقي الحُجرات، فوجد الهدوء يعم المكان ولا أحد مُستيقظ، وربما لو فتح أحدهم باب حُجرته ورآه الآن لظن أنه مجنون.

أغلق باب الحُجرة وعاد عند الجدار وهو غاضب، إن الألاعيب تتزايد، وهو يكره ذلك المُزاح، وأرهف السمع، لازال صوت الـ “تك تك تك” يأتي بإنتظام وملل.

وهُنا دق باب الحُجرة للمرة الثانية!

ولكن تلك المرة أسرع رمزي وفتح الباب بدون أن يسأل عن الطارق، ولكنه لم يجد أحدًا أيضًا!

سَب سبةَ في سره واحتقن وجهه، مَن ذلك اللعين الذي يمزح معي؟

قالها لنفسه وهو لا يزال يقف خلف الباب، لكنه فهم الخدعة، لن يخدعه ذلك الشخص مرةً أخرى، سيقف هُنا خلف الباب وعندما يدق الباب سيفتح بأسرع ما يُمكن، وأنت تعلم أنه يستحيل أن يختفي المرء في ثانية أو ثانيتين، ذلك مُستحيل.

انتظر رمزي دقيقة وعيناه تلتمعان بالشـر ذلك الشخص الذي يمزح، سوف يسحقه إذا أمسك به، لرُبما يكون الأفضل له أن يكف عن المُزاح، وبالفعل دق الباب تلك المرة، وهُنا فتح رمزي الباب سريعًا مُلوحًا بيده بتمثال صغير وجده بجواره فوق التسريحة، لكنه لم يجد أحدًا!

تقول مدام ماري بصوتها العربي (المكسر) :

– يا أستاذ رمزي صدقني الغُرفة فارغة، وقلتُ لك من قبل يُمكنك التأكد بنفسك.

وأعطته المُفتاح في يده، تلك المرة أخذه رمزي ونظر إليه في قلق ثم وضعه في جيبه، تناول فطوره سريعًا وذهب إلى العمل.

عندما انتهى العمل، وبينما هو في طريق العودة إلى البانسيون، وجد أنه لابد أن يكون معه شيء ما يحمي به نفسه. “أنا مُستهدف” هكذا أخبر نفسه بكُل غرور، لابد أن الأوغاد يتربصون به في كُل مكان.

هو لا يعرف مَن الذي كان يتحدث في هذه الحُجرة، ولا يعرف كيف يصدر ذلك الصوت، ولكنه يعرف أنه لابد أن يحمي نفسه، وهكذا ابتاع مدية كبيرة وخبأها في ملابسه، دخل إلى البانسيون، صعد إلى غرفته، أخذ بيجامته وكتابًا يقرأه، ثم خرج ودخل إلى الحُجرة الأخرى. سيقضي الليلـة في الحُجرة الأخرى ليعرف سر ذلك الصوت!

إنها حُجرة عادية جدًا تشبه حجرته وتشبه كُل حجرات البانسيون، ولكن بها سريران بدلًا من واحدٍ، وهو ما يؤكد ما سمعه من قبل، لقد سمع شخصًا يُحدث صديقه، هذه الحجرة تحتاج إلى تنظيف كثير ولكنه لن يطيل فيها على كُل حال، وهكذا جلـس على أحـد السريرين يقرأ في كتابه، ولكنه بعد فترة شعر بالنعاس يغلبه فترك الكتاب بجواره ونام.

وجاء مُنتصف الليل.

“تك تك تك”.

الصوت يتردد من جديد، لقد جاء الموعد والصوت لا يخلف موعده أبدًا!

سمع رمزي ذلك الصوت، ففتح عينيه فورًا وكأن أذنيه وساعته البيولوجية اعتادا على الاستيقاظ بمجرد التقاط ذلك الصوت.

هُو الآن داخل الحُجرة التي تأتي منها الدقات، ولكن من أين؟

أشعل المصباح ليضيء الغرفة، وأخذ يبحث في كُل أرجاء الغُرفة، أسفل السـرير، لا يوجد شيء، بداخل الأدراج لا يوجد شيء سوى مشط قديم وجرائد مرت عليها سنوات، داخل الدولاب لا يوجد سوى أرفف خشبية فارغة، إذن مِن أين يأتي الصوت اللعين؟

أمسك رمزي برأسه الذي كاد ينفجر من الغضب والتفكير، ولكن تبين شيئًا مُهمًا للغاية، إن ذلك السرير الذي ينام عليه بتلك الحُجرة، مُلاصق لسريره الذي ينام عليه في الحُجرة الأخرى، معنى ذلك أنه فقط الجدار الذي يفصل بينهم، وهُنا ألصق أذنه بذلك الجدار وأرهف السمع، بالفعل الصوت يتعالى من خلف الجدار وكأنه يأتي من حجرته الأولى!

هُنا جن جنون رمزي وأخذ يركل كُل شئ حوله في عصبية وجنون، ثم خرج من الحُجرة ودخل حُجرته القديمة وألصق أذنه إلى الجدار فوجد الصوت يأتي من داخل الحُجرة الأخرى، وهكذا قضى الليل يُريد أن يفهم ماذا يحدث، ولكن عندما طلعت الشمس، أدرك حقيقةً مُرعبةً، الصوت يأتي من داخل الجدار نفسه!

… (يتبع).

عن لأبعد مدى