(خلف الجدار) جـ 2: قصة رعب قصيرة

• كتب: باسل العربي.

جلس صباحًا في صالة البانسيون، ولم يذهب إلى عمله.

يُفكر، كيف يُمكن لصوت أن يكون بداخل حائط؟!

والسؤال الأهم: كيف يتردد الصوت بعد مُنتصف الليل فقط؟!

لا إجابات!

جاءت مدام ماري وجلست بجواره مُتسائلة:

– ماذا وجدت في الحُجرة الأخرى في البارحة؟

فقال رمزي بغرور:

– لقد كُنتِ على حق، الصوت يأتي من مفصلات

دُولاب الحُجرة الأخرى، هواء الليل يجعله يُصدر صوتًا أشبه بصوت الطقطقة.

ضحكت في خبث، ثم قالت:

– الحمد لله أنك أطمأننت يا أستاذ رمزي.

– وأنت أيضًا، من الخير أن تطمأني أنني لست مجنونًا.

ابتسمت هي ورحلت، بينما وضع رمزي وجهه بين كفيه، أراد أن يقول لها أنه كاذب ولكن غروره منعه.

إنه من ذلك النوع الذي لا يعترف أنه مُخطئ أبدًا، لا يُحب أن تتشوه تلك الصورة الملائكية التي يراه الآخـرون عليهـا، وتلك خدعـة أخرى هو واقـع فيها.

قرر أنه يريد شم هواءً نقيًا.

خرج من البانسيون وأخذ يمشـي في شوارع الإسكندرية، وهواء البحر يدغدغ وجهه وشاربه الكث، يركب الترام ويجلس وحيدًا يُفكر في ذلك الجدار، لابد أن يعرف ما بداخله.

ينزل من الترام ويمشـي في تلك الحارة الفقيرة، يرى الأطفال يلعبون بالكرة الشـراب، ويمر من حين لآخر بياع “عرق سوس” قد صنع العصائر في بيته.

يرى صالون الحلاقة الذي لا يدخله أحد، ويجلس صاحبه في الخـارج يرشف الشـاي وهو يراقب كُل شخص يعبر أمامه.

على كُل حال هو يمشي فقط ليضيع الوقت وهو يفكر، لم يتأثر قط بمظهر تلك الحارة وأهلها البُسطاء.

كُلهم “جرابيع” في رأيه، يوجد مثل هذه الحارة ألف، ويوجد مثل هذا المشهد ألف، فماذا يُغري إذن؟

دائمًا ما تُوجد القهوة التي يجلس عليها كُل أهل الحارة، ودائمًا ما يوجد المعلم ذو الشارب الكث، والعجلاتي الذي يُحبه كُل أطفال الحي، والنجار.

استوقفه ذلك المشهد هذه المرة، رأى وهو يمشـي نجارًا يُمسك بمنشاره الحديد ويقطع قطعةَ كبيرةً من الخشب، جاءته فكرة، فكرة يعرف أنها صعبة ولكن أنت تعرف رمزي وتعرف كم هو عنيد، لذلك شرع في تنفيذها فورًا.

***********

جاء الليل ورمزي لم ينم حتى الآن، ظل مُستيقظًا ينتظر أن يبدأ ذلك الصوت، وبالفعل عندما أتت الساعة الواحدة صباحًا بدأ الصوت يتردد، خفيضًا في البداية ثم يرتفع شيئًا فشيئًا.

خرج رمزي من حجرته وأطل برأسه على الخارج، لا يوجد أحد بالخارج والهدوء يعم المكان، دخل إلى حجرته مرةً أخرى، ثم أخذ يُحرك سريره، يدفعه حتى يكون الحائط الذي يأتي منه الصوت أمامه مُباشرةً.

وبالفعل، وضع السرير بمكان آخر بالحُجرة، ثم أخرج ذلك المُنشار الحديد الذي اشتراه في الصباح، وبدأ يشق الجدران الخشبية بمنشاره الحديد، من حسن حظـه أن جدران الحائـط كانت نوعًا ما من الخشب القديم الردئ سهل النشر والتقطيع.

أخذ يقطع قطع الخشب ويليقيها في كُل أرجاء الحُجرة، حتي أصبحت قطع الخشب في كُل مكان، وبدأ يبحث عن مصدر الصوت، وظل يقطع في خشب الحائط حوالي ساعتين حتى وصل إلى مصدر الصوت تقريبًا، وكان قد صنع حُفرة كبيرة بالحائط، اقترب كثيرًا من مصدر الصوت، وكُلما قطع الخشب أكثر كُلما شعر أن الصوت يرتفع.

حتى وصل إلى مصدر الصوت، وفجأة صمت الصوت تمامًا، هل تعرف ماذا وجد رمزي في ثنيات الجدار؟

ورقة بيضاء.

************

كُتب في تلك الورقة بخطٍ سريعٍ مُتعجل الآتي:

– ما إن وصلت إلى الورقة فأنت تعلم كُل شئ، أنا محمود عبد القوي، مُحاسب كبير، اضطررتُ أن أسكن في تلك الحُجرة الملعونة، بدأ كُل شئ بذلك الصوت، صوت يُشبه صوت طقطقة المفاصل، كان الصوت يُحيل ليلي إلى جحيمٍ ولا أستيطع أن أنام دقيقة.

بحثتُ عن مصدر الصوت ولكنني لم أجد شيئًا، فقط كان الصوت يتردد في الليل وبالتحديد بعد مُنتصف الليل، استنتجتُ بعد يومين أن الصوتَ يأتي من الحجرة المُجاورة لي. أعطتني صاحبة الفندق مُفتاح الغرفة وقررت أن أبيتَ فيها ليلة لكي أقطع الشك باليقين، ولكن شيئًا لم أجد، فقط أتى الصوت كما هي العادة وأكتشفتُ بعدها أن الصوت لا يأتي من الحجرة، إنما يأتي من الجدار.

 قررتُ أنه لابد من أن أكسر ذلك الحائط وأعرف مصدر الصوت قبل أن أجن، خاصةً أنني قضيت أسبوعًا لا أنام سوى سويعات قليلة، وكدت أفقد عقلي.

لكن عندما كسرت الحائط لم أجد سوى ورقة مثل تلك التي تقرأها أنت الآن، تركها لي واحدُ مر بنفس ما مررنا به نحن الإثنان، وفهمتُ كل شئ بعدها، فهمتُ أنني سكنتُ بالمكان الخطأ، وفي الغرفة الخطأ، وحكى لي – ذلك الذي ترك الرسالة – الكثير عن جرائم القتل التي حدثت في الغُرفتين ولكنني لن أحكيها لك على كُل حال، كُل ما يمكن أن أخبرك به أن تلك الحُجرة التي تسكن أنت بها الآن قُتل بداخلها أشخاصُ كُثُر.

أنت الآن بمفردك؟ أليس كذلك؟

لقد دق باب حُجرتك من قبل وفتحت ولم تجد أحدًا بالخارج، أليس كذلك؟

تلك هي الغلطة الكُبري التي ستدفع ثمنها  لقد كانوا يعبثون معك، سيأتون بعد قليل ليأخذوا عليك العهد كما يفعلون دومًا.

ما أن تفرغ من قراءة تلك السطور، سيدق باب غرفتك، إياك ألا تفتح لهم الباب، فلهم أساليب أخرى سيرغمونك بها أن تفتح لهم، وستفتح الباب شئت أم أبيت، ولكن ذلك الباب سيكون باب الجحيم.

أعلم أن حياتك بعد هذه اللحظة لن تعود إلى ما كانت عليه سابقًا، سينتقمون منك بأي طريقة، صدقني وأقسم لك بالله أنني لا أمزح، سينتقمون منك.

وملحوظة أخرى: هؤلاء يجيدون التنكر جيدًا فربما يأتون على شكل زوجتك لو كُنت رجلًا، أو زوجِك لو أنت امرأة، أو أي شخص تعرفه أو أحد سكان ذلك البانسيون، لن يصارحوك بأشكالهم الحقيقة لأن جهازك العصبي لن يتحمل رؤيتهم!

 رُبما أراك قريبًا ورُبما لا أراك.

************

ارتجف رمزي، ليس لأن الخطاب كان مليئًا بالرعب، بل لأنه سمع صوت الباب يدق!

اتّجه رمزي ناحية الباب برعب، رُبما يتوقف قلبه قبل أن يصل إلى الباب، ولكن –لسوء الحظ– لم يحدث.

وقف خلف الباب يرتعش ويتنفس بصعوبة، هل يفتح أم لا؟

ولكنه تذكر كلمات الخطاب بأنهم سيرغمونه أن يفتح الباب، هُنا تذكر شيئًا.

لقد ابتاع سكينًا من قبل لكي يدافع بها عن نفسه، وها قد جاء الوقت، إن ذلك الوغد الذي يدق على الباب لازال مُصرًا وصوت دقات الباب يتعالى، أسرع رمزي وأحضر تلك المدية، ثم وقف خلف الباب من جديد، ثم -وبطء وحرص شديدين- فتح الباب، فسمع صوت أقدام تدخل في هدوءٍ شديد، أغمض عينه ثم أخذ نفسه، وأنتظر حتى يشعر بذلك الجسد أنه عبر من أمامه، ولكن رمزي لم يتمهل إلى أن يري ما يحدث لأنه تذكر كلمات الخطاب جيدًا.

**********

وملحوظة أخرى: هؤلاء يجيدون التنكر جيدًا فربما يأتون على شكل زوجتك لو كُنت رجلًا، أو زوجِك لو أنت امرأة،  أو أي شخص تعرفه أو أحد سكان ذلك البانسيون، لن يصارحوك بأشكالهم الحقيقية لأن جهازك العصبي لن يتحمل رؤيتهم!

***********

 بمجرد أن مر ذلك الجسد أمامه انهال عليه، يطعن بدون أن يرى وهو يصـرخ والدم يتطاير في كُل أنحاء الغرفة وعلى ملابسه وعلى جسده، لا يُريد أن يموت، ولكنه تبين حقيقة مُرعبة بعد أن نظر إلى ذلك الجسد، إنها مدام ماري!

صرخ رمزي وارتمي على الأرض بجوارها، لقد قتلها!

هُنا دخل كُل سكان البانسيون يتقدمهم هذان الشابان يقولان في صوتٍ مرحٍ:

– يا أستاذ رمزي.

لكنه لم يلتفت إلى الصوت، لا زال غير مصدق لما حدث.

دخل كُل سكان الفندق إلى الغرفة وبدأوا في الصراخ عندما رأوه على الأرض، والدم يُغرق جسده والأرضية، وبجواره مدام ماري قتيلة.
قال أحدهم:

– قتلتها أيها المُجرم؟

ثم قالت أحد الفتاتين:

– لقد كُنا فقط نمزح!

نظر إليها، غير مُصدق وعيناه ترقصان في جنون، لقد كان يعلم أن أحدهم يمزح، وها هي اللعبة تنقلب عليه، لقد تسبب في قتـل سيـدة بريئة فقـط بسبب لعبة من بعض الشباب.

نظر لهم مُتسائلًا:

– كيف؟ كيف؟

فقال أحد الشباب:

– أنت لم تكن تتحدث، وكُنت تتعامل بغرورٍ شديدٍ، فأخبرتنا مدام ماري أنه لابد أن نُخرجك من تلك الحالة، فأتفقنا على أننا لابد أن نخيفك، لقد كُنا نحن نُصدر ذلك الصوت ليلًا من الحجرة الأخرى، وكُنا نطرق على بابك ولكننا لم نكن نركض، فقط نطرق على الباب ونختبأ بجوار الحائط كما يفعل الصغار وأنت خُدعت بتلك الحركة، وعرفنا أنك اشتريت منشارًا لذلك وضعنا لك ذلك الخطاب بداخل الحائط من خلال الحُجرة الأخرى!

ثم قال رمزي مُتسائلًا في رُعب:

– ولكن أنا سمعت صوت شخص يتحدث؟”

قال الشاب الآخر:

– لقد كُنتُ أنا.

لم يصدق رمزي ما حدث وأنه قد قتل بسبب تلك اللعبة السخيفة.

أخذ يبكي مثل الأطفال، لن يتحمل أن يُسجن، ثم فَكر أنه لابد أن يموت.

في لحظة نظر أمامه إلى ذلك الشباك الذي يُطل على الشارع، اتخذ القرار ولم يتردد.

ركض بأسرع ما أمكنه..وقفز!

                         (تمت)

عن لأبعد مدى