خياليون جدد: خرجوا من شرنقة الفيسبوك

لم يكن الفسيبوك موقع التواصل الأول من نوعها، بل سبقه العديد من المنصات، أحد أبرزهـا (Hi5). إلا أن الموقع الأزرق -كما وصفته في المقدمة- كان بمثابة (عصا موسى) التي التهمت الساحة، وبسببه تحولت معظم المدونات والمنتديات إلى ما يشبه (موضة قديمة).

تأسس موقع (فيسبوك) عام 2003م، على يد (مارك زوكربيرج)، بالاشتراك مع زميليه (داستين موسكوفيتز) و(كريس هيوز). اسم  الموقع يستلهم فكرة الدليل أو الكتاب الذي يقدم إلى الطلبة الجدد داخل كليات وبعض مدارس الولايات المتحدة الأمريكية، يتضمن سطورًا موجزة مرفقـة بالصور، كتعريف  بأعضاء الحرم الجامعي.

كي نفهم سبب اكتساح فيسبوك، لابد أن نعيد تأمل تركيبة المنتديات والمدونات.

المدونة –بحسب تعريف ويكيبيديا- عبارة عن: «صفحة ويب على شبكة الإنترنت تظهر عليها تدوينات (مدخلات) مؤرخة ومرتبة ترتيبًا زمنيًا تصاعديًا، ينشر منها عدد محدد يتحكم فيه مدير أو ناشر المدونة، كما يتضمن النظام آلية لأرشفة المدخلات القديمة، ويكون لكل مداخلة منها مسار دائم لا يتغير منذ لحظة نشرها يمكِّن القارئ من الرجوع إلى تدوينة معينة في وقت لاحق».

بطريقة أخرى: يمكن القول أن مقدمي خدمة –مثل (بلوجرز) و(ووردبريس)- يوفرون موقعًا إلكترونيًا، كما يستطيع أي فرد منهم شراء (دومين) أو (هوستنيج) من شركة، كي يكسب مدونته مظهرًا احترافيًا.

على سبيل المثال: بدلًا من يكون اسمها:

http://www.lab3ad.blogspot.com/

أو

http://www.lab3ad.wordpress.com

يسهل تحولها إلى:

الرئيسية

صحيــح أن متــابعي المدونـات يمكنـه (بعكـس جمهور الصحافة المطبوعة) التعليق مباشرة، لكن تظل المدونة محتفظة بشيء من العلاقة التراتيبية الكلاسيكية التي تجعل (مصدر رسالة إعلامية) في المركز، بينما البقية مجرد زوار/ هامش/ تعليقات داخل الحاشية السفلية. نفس الشيء بالنسبة للمنتديات التي تدخل في تكوينها نوع من البناء الهرمي (مدير، مشرفي أقسام، مساهمين، زوار).

استطاع الفيسبوك احتواء كل المنظومات السابقة، فاحتفظت (جروباته Groups ، صفحاته Page) بشيء من تلك الطبقية. مع فارق أن المشرفين هناك يستطيعون إقصاءك بسهولة خارج (الصفحة) أو (المجموعة)، لكن ما إن يضغط العضو زر الرجوع إلى صفحته الشخصية، ينتقل –في ثوانٍ- إلى المكان الذي يعود فيه كمدير نفسه. تتساوى إمكانياتها وأدواتها مع ما يتوفر لدى أي مشترك فيسبوكي آخر.

**********

في الفترة ما بين 2008م أو 2009م (للأسف، لا أذكر التاريخ بالضبط)، وقعت في يدي صفحة من جريدة، تتضمن خبرًا عن كاتبة شابة تُدعى (سالي عادل)، أطلقت مجموعة (Group) على موقع (فيسبوك) متخصصة في أدب الرعب.

قد يتساءل القارئ المعاصر: ما الجديد في أمر كهذا، لدرجة اهتمام الصحف بتغطيته؟

حسنٌ، ربما تحفل مواقع التواصل الاجتماعي حاليًا بمئات وربما آلاف الغرف الافتراضية المهتمة بالرعب، لكن -الحق يُقـال- كانت الفكرة جديدة وغير تقليدية بمقاييس تلك الفترة.

لم تكتفِ (سالي) –حينذاك- بالحراك الفيسبوكي، حيث نظمت في تاريخيّ 30 يوليو و8 أكتوبر 2009م أمسيتين عن أدب الرعب، استضافتهما مكتبة (البلد)- بالقاهرة. شارك فيهما بعض الأسماء التي صارت معروفة لاحقًا، مثل (عصام منصور).

من يقرأ حوارات صحفية لـ (سالي) أو (عصام) أو غيرهما من أعضاء تلك المجموعة، سيجدهم يشتركون في الحديث أحيانًا عن دار نشر تعاونوا معها خلال مرحلة البدايات، ثم اكتشفوا أن لم تكن جادة أو نزيهة تمامًا. تعرف الطرفين على بعضهما من خلال نفس (Group) مجموعة الفيسبوك أيضًا.

حسنٌ، يمكن اعتبار ذلك أحد الضرائب التي قد يدفعها المرء مقابل المميزات التي يتيحها الفضاء الافتراضي. فلم يمنعهم ذلك من استمرار التزاوج بين (محاولاتهم الأدبية + حضورها على مواقع التواصل)، حيث دأبت (سالي) –مثلًا- على نشر قصص قصيرة على صفحتها الفيسبوكية كل ثلاثاء، انفردت ببصمتها الخاصة في معالجة تراث الرعب المحلي المصري.

على مدار شهور، أدهشني عدم تخلف (سالي) عن الموعد الأسبوعي. وفي نفس الوقت، احتفاظ النصـوص بمتوسـط مستـوى جدير بالإعجـاب يندر هبوطها عنه.

بعـدها بأعوام، التقيت (سالي عـادل) وجهًا لوجه، تحدثت عن ذلك اللقاء ضمن كتاب (خط الثقافة المستقلة: القاهرة- أسوان)، ذكرت أنني أخبرها –بامتنان- عن ذلك الخبر الذي نشر حول صالونها الذي أقيم في (القاهرة)، كم كان فارقًا وملهمًا لشاب في (أسوان). حفزني بشكل غير مباشر (بجوار دوافع مختلفة سابقة)، لأن أبدأ -بدوري- سلسلة من المحاولات الشخصية انتهت بما أسميته لاحقًا.. (لأبعد مدى).

خلال الأعوام التالية، مررت أكثر من مرة بنوبات إحباط عارمة، لدرجة أنني فكرت حينذاك في تجميد المبادرة. تعرفون تلك الحالة التي تنتابنا جميعًا من وقت لآخر، ثم لا تلبث أن تنتهي بأن نتحامل وندفع أنفسنا –قسرًا- للإكمال. أثناء إحدى تلك النوبات، كنت أهاتف الزميل السكندري (إسلام علي)، لأجده يخبرني –ضمن ما أخبرني- بأن استمرارية (لأبعد مدى)، كانت سببًا (ضمن محفزات أخرى طبعًا) في إصابته بعدوى الحماس حينذاك، ليبدأ مشروعًا ما حينذاك.

أخبرت (إسلام) أن فضل الشرارة الأولى –في الأصل- تعود إلى (سالي عادل). لكن.. من يدري.. ربما اكتسبتها –هي الأخرى- من سابقين.

هذا المنظور قد يلخص جانبًا من (التأثير غير المباشر) لمواقع التواصل، على تجربة بعض مؤلفي الرعب والفانتازيا والخيال العلمي).

فما بالنا بالتأثيرات المباشرة!

**********

(ياسر أبو الحسب)، (محمد عصمت):

تختلف تجربة هذان المؤلفان في أشياء كثيرة، منها: تخصص الأول في أدب (الخيال العلمي)، بينما الثاني يكتب (الرعب). إلا أن العامل المشترك –ربما الوحيد- يكمن في انتمائهما إلى فئة المؤلفين الذين لم يعاصروا (المنتديات) ولا (المدونات)، وإنما بدأت تجربتهم من خلال (الفيسبوك).

بدأ  (عصمت) –تحديدًا- من (8 غرب)، وهو مكان مذكور داخل رواية (الفيل الأرزق)، لدرجـة أن معجبي الروايـة اختــاروه كعنوان لمجموعة تضمهم على فيسبوك. ثم لم تلبث أن خرجت تلك المجموعة عن حيز (ملتقي يضم معجبي رواية معينة)، لتتوسع أنشطها إلى: نقاشات حول أعمال/ قضايا أدبية أخرى، علاوة على تبادل الرأي حول نصوص كتبها الأعضاء، بل وصل الأمر إلى إقامة مسابقة بينهم.

يقول (محمد عصمت):

– كان من ضمن أعضاء لجنة التحكيم الكاتبة الراقية (شيرين هنائي). اشتركت وتعرفت علي مجموعة من الأدباء الشباب، الذين لم تتح لهم فرصة النشر بعد، استمعت لكل نقد وجه للقصة، وحاولت تلافيه بعد ذلك في مجموعة من القصص القصيرة التي ساعدني في تقييمها مجتمع (8 غرب) من جهة، وأحمد عبد الله وأحمد فكري وسالي الجندي وأشرف ثابت من جهة، إلي أن استطعت أن أقف علي أرض صلبـة مكنتنـي من كتـابة أولي رواياتي “الممسوس”، والحمد لله.

شعرت بالفضول تجاه نوعية ذلك النقد الذي تحدث عنه (عصمت)، فأوضح:

– (تكرار الكلمات، الاسترسال في السرد لدرجة تصل للخروج عن الحدث، ضعف النهايات لعلاج مشكلة تكرار الكلمات). بدأت أراجع النص أكثر من مرة كي لا يحدث هذا الأمر، مشكلة الاسترسال عالجتها بمحاولة وضع عدد من المشكلات والحلول أثناء الأحداث، بحيث يظل القارئ في حالة تساؤل عما سيحدث في قادم الفصول. المشكلة الأخيرة هي النهايات، وحاولت معالجتها عن طريق الصبر علي الفكرة، ريثما تختمر في ذهني كيلا تظهر للنور مشوهة.

**********

أنشأ (ياسر أبو الحسب) حسابًا على فيسبوك عام ٢٠٠٧م. كان مهتمًا ساعتها بالقراءة فقط. منذ البداية صبّ تركيزه الأكبر على الخيال العلمي بالتحديد.

لاحقًا، مع بدء ميوله للكتابة بدأ البحث عن دور نشر وكُتّاب ومسابقات، وبالفعل عثر على الكثير. منها مسابقة (نهاد شريف) للخيال العلمي، التي حصد فيها المركز الخامس، عن روايته (الوجه الآخر للكون).

أقر (ياسر) أنه بدون الفيسبوك، ربما لم يكن ليسمع بالمسابقة من الأصل، خصوصًا أنه يعيش خارج العاصمة (ينتمي إلى محافظة الفيوم).

نشر المؤلف الشاب أول كتبه (مهندسو الخيال) عام ٢٠١٦م، ويقول أن الفيسبوك –كالعادة- ساهم بشكل كبير في الترويج الكتاب وأماكن عرضه، ونشر مقتطفات منه. أما الاستفادة الأكبر –من وجهة نظره- تتمثل في التمكن من عرض أعمالك على عدد كبير من الأصدقاء الكتاب أو الناقدين وحتى هواة القراءة، من ثَمّ تلقي النصائح وتصحيح الأخطاء.

جميع ما سبق، يشكِّل أنواعًا شائعة من استخدامات المؤلفين الحاليين لمواقع التواصل. إلا أن (ياسر) كان أحد القلائل الذين فكروا –باكرًا- في استثمار (سهولة التواصل الفيسبوكي) بشكل أكثر طموحًا، حيث أسس عام 2012م مجلة متخصصة في الخيال العلمي، تحت مسمى (علم وخيال). اعتمد في تصميمها الداخلي على نفسه (بمساعدة صديقه أحمد إبراهيم). أما عن تكوين أسرة تحرير، يقول:

– سهولة التواصل أنتجت مجلة يكتب بها عدد من الكتاب من حوالي عشر دول عربية، هناك مثلًا عبدالحفيظ العمري من اليمن، د. سائر بصمة جي من سوريا، إضافة لمؤلفين من تونس وموريتانيا والعراق ومصر بطبيعة الحال، وغيرها.

لم يتوقف حراك (ياسر) عند حـدود الوطن العربي، بل امتد إلى هو أبعد من ذلك، فيما عبّر عنه (أبو الحسب) بقوله:

– حتى القصة المترجمة الوحيدة لي كانت من خلال تعارف حدث على الفيس بوك، بعد أن وجدت مسابقة يهدف منظمها لنشر قصص بلغات متنوعة في مجلد واحد يضم قصصًا من أنحاء العالم كله مترجمة (لأن دار النشر ألمانية) والإنجليزية أيضًا.

**********

لم يكن الاستثمار الموفق للفيسبوك حكرًا على المؤلفين فحسب، بل امتد إلى المترجمين أيضًا.

في هذا الصدد، نختتم بتجربة السوري (أسامة أبو ترابة) مع (فيسبوك) و(الترجمة) و(تولكين).

قبل عام 2012م، لم يكن (أسامة) قد سمع بعد باسم (تولكين)، يذكر جيدًا أن المقربين رشحوا له مشاهدة الفيلم منذ عام 2004م، لكنه رفض. إذ لم تستهوه كثيرًا أفلام الفانتازيا، إلى أن شاهد بالصدفة مشهدًا مدته أقل من ربع ساعة (مشهد تسليم فرودو للخاتم إلى النازغول في أثناء اجتياح أوسغيلياث- الجزء الثاني). ولشدة دهشته قررت مشاهدة هذا الفيلم.

وبالفعل في صباح اليوم التالي، اشترى الأجزاء الثلاثة لسيد الخواتم. وشاهدها في عرض متواصل استمرَّ لأكثر من عشر ساعات.

انتهى من الجزء الثالث قبل طلوع الفجر بقليل، لكنه لم ينم، بل بدأ بحث طويلة عن دلالات الرموز والإشارات الواردة في الفيلم والقصة المأخوذ عنها وكاتبه.

قرأ (أسامة) سيد الخواتم والهوبيت، لكن هذا لم يكن كافيًا لانهاء تعطشه للمزيد من المعلومات. توصل من خلال البحث للكثير من المقالات الخفيفة العمومية حول تصنيف الرواية وعدد طبعاتها وأرقامها القياسية، لكنه عجز عن العثور على مقال نقدي عربي مفصل حول أدب تولكين عمومًا، باستثناء بعض الأفكار الغريبة المتأثرة بنظرية المؤامرة حول رموزٍ ماسونيةٍ أو إزدراءٍ للعرب والمسلمين وغيرها من الأفكار الوهمية التي لا تعتمد على دليل.

ورغم أنه تخرج من تخصص بعيد تمامًا (حاصل على بكالريوس الهندسة من جامعة دمشق)، فكّر (أبو ترابة) إنشاء صفحة ناطقة بالعربية تختص بتولكين، بغرض نقل أفكاره ورواياته إلى العربية، ولتكون بعيدةً عن النظريات والرؤى السينمائية وعالم الألعاب. في هذه الأثناء كان قد انتهى من قراءة (السيلماريلين) وأعجب بها كثيرًا وقررت ترجمتها إلى العربية، فخاض عدد من الصعوبات، قبل أن يتفاجئ في النهاية بـ..:

– لم يكن بالإمكان نشر العمل ورقيًا. وقد راسلت أكثر من عشرين دار نشر، كلها رفضت العمل عندما عرفت فحواه. لذلك عزمت على نشره بالمجان على الانترنت.

أنشأ (أبو ترابة) صفحة فيسبوكية باسم (تولكين –Tolkien)، وبدأ ينشر فيها مقاطع من ترجمته للسيلماريلين، ومن تاريخ الأرض الوسطى وشروحات لبعض فصول الكتاب من وجهة نظره، بالإضافة إلى ترجمة بعض المقالات المجمعة من عدة مواقع مثل (The Encyclopedia of Arda) و(Tolkien Gateway).

يصف (أبو ترابة) انطلاقة الصفحة بـ (موفقة). وقد تعرفت من خلالها على الكثير من الكتاب والمترجمين المهتمين بالمجال، مثل: مبادرة (فانتازيون) التي تحولت لاحقًا إلى دار نشر.

في ظل صعوبة الاستحواذ على حقوق ترجمة (السليمارين)، لجأ كلاهما (أبو ترابة ودار فانتازيون) إلى إلغاء المشروع، واستبداله بما يشبه (دراسة أدبية) تضم آراء/ ملاحظات/ كواليس عن ذلك العالم الملحمي، مرفقة ببعض الترجمات على سبيل الاستشهاد. وهكذا قادت صفحة الفيسبوك إلى كتاب (عالم تولكين والأرض الوسطى) الصادر عام 2018م، وُصف من قبل ناشره (محمد الدواخلي) بـ..:

– كتاب ممتاز، ودراسة شاملة متعمقة، ليست مهمة فقط لمحبي عالم تولكين، وإنما مفيدة جدًا لتحليل عملية (بناء العالم الفانتازي) لأي كاتب فانتازيا أو رعب يخلق عالمه الخاص، ويود التعلم من مبتكر هـذه التقنيـة الأضخم والأكثـر تعقيـدًا بـين كل تقنيات الكتابة الأدبية.

 نشرت السطور السابقة كأحد فصول الكتاب الإلكتروني (خياليون جدد).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).