(حينما يأتي القَدَر): قصة قصيرة

♦ كتب: حسّان الحَديثي. 

الزمان: الأول من تموز/ يوليو، وشمس ساطعة وجموع كبيرة من السائحين الآتين من أصقاع الأرض.

المكان: الساحة المقابلة لكاتدرائية “القديس ستيفنس” في قلب مدينة ڤيينا.

الجوُّ هرجٌ ومرج؛ فهنا شباب يقومون بألعاب بهلوانية مبهرة، وهناك بعض الموسيقيين يعزفون مقاطع موسيقية بإتقان مع إيقاعات جميلة، وقد تجمع الناس حولهم، والغايةُ من ذلك كلِه إمتاع وإبهارُ السائح للحصول في النهاية على بعض القطع النقدية، مما يتكرم به السائحون.

في الأنحاء سائحٌ ثلاثيني ذو بشرة بيضاء يتجول في تلك الساحة يتوقف عند كل مجموعة من هذه المجاميع حتى إذا انتهى منهم جميعًا مال إلى مقهىً مطلٍ على تلك الساحة لينعم بشمس أوروبا الصافية مع كوب من الشاي، ما إن ألقى بكاهله الذي هدّهُ تعب المشي بعد يوم طويل مستكشفًا هذه المدينة الجميلة، حتى وجدها تنظر إليه، وقد ارتسمتْ على وجهها ابتسامةٌ لطيفة فهي تجلس أمامه تمامًا على الطاولة المقابلة في المقهى؛ فلم يكن منه إلا مقابلتها بابتسامة، ثم أومأ برأسه لها محييًا ومسلمًا.

لفتَ انتباهَه أناقةُ هذه السيدة التي بدت عليها علامات الترف وهي ترتدي ألوانًا ربيعيةً زاهية واكسسواراتٍ رفيعةَ الصنع معتمرةً قبعةً زهريةَ اللون، وعلى الكرسي المجاور وضعت حقيبة يدها صغيرة والتي يشي شكلُها وتصميمُها بغلاء ثمنها؛ لكن أناقتها لم تُخْفِ آثارَ السنين على وجنتيها الرقيقتين بعد ان غزتْهُ تجاعيدُ عمرها السبعيني.

دقائق وحضر الشاي، فانشغل الفتى بفتح أكياس السكر الصغيرة: الأول فالثاني ثم الثالث فالرابع، وهي تراقبه بامتعاض وكأنها تَحْتَجُّ وتنكر عليه زيادة السكر في الشاي.

انشغل قليلًا مع ما يدور حوله من لغطٍ ولعبٍ وموسيقى وصياح، ثم عاد إلى شايه؛ ليرتشف منه رشفات.

– يبدو أن هذه السيدة لن تتركني لأهنأ بكوب الشاي..

قال لنفسه حين لمحها دائمةَ النظر إليه.

أجبرته ابتسامتُها أن يبدأها التحية فقال:

– مساء الخير سيدتي.

– مساء الخير..

أجابته بلكنة انجليزية نمساوية، وزادت عليها بعض الكلمات اللطيفة، شأن من ملَّ الصمت ويريد الحديث قائلة:

– كيف رأيت ڤيينا؟

– رائعة، رائعة جدًا يا سيدتي، إنها مدينة الأحلام!

أجابها، وأكمل كوب الشاي، ثم غادر المقهى مودعًا السيدة بإشارة لطيفة بيده.

لم يأت إلى ذلك المقهى في اليوم التالي لكنه في اليوم الثالث، وبعد جولة المشي اليومية بين متاحف هذه المدينة الرائعة، وقصور ملوكها الغابرين وحدائقها المبهرة على ضفاف نهر الدانوب، عاد إلى ذلك المقهى؛ وما إن استقرَّ على كرسيه، حتى لمح السيدة نفسها تجلس بذات المكان من المقهى بكامل أناقتها وزينتها بطقم ربيعي جديد وحقيبة يد وإكسسوارات مختلفة عن أمس الأول.

بادرها التحية، فردتْ عليه، ثم قالت:

– يبدو أنك تشاركني الرأي بأن هذا المقهى يستحق أن نأتيه دائمًا.

ثم أردفت:

– تستطيع أن تشاركَني طاولتي إن أحببت.

ابتسم وهز رأسه بالإيجاب، وتحوّل إلى طاولتها. أخذتْ السيدة رشفة من كأس عصير البرتقال أمامها، ثم قالت:

– كيف كانت جولتك اليوم؟ لم أرك أمس؛ هل جئت هنا إلى هذا المقهى؟

كانت أسئلتها المتعاقبة تلك حتى قبل أن يستوي على كرسيه جالسًا.

– كنتُ أمس في زيارة لقصر “شونبرون” الرهيب ذي الألف وأربعمائة وإحدى وأربعين غرفة، لقد هالني البناء وفخامته ودقة صناعة الآثاث والسجاد والمرايا والثريات. أما اليوم فقد أنهيت للتو رحلةً نهريةً ممتعةً في الدانوب.

– هل تعلم أن هذا القصر من أعظم قصور الأرض؟ وهل تعلم أيضًا أن الدانوب يمر بعشر دول؟

– نعم سيدتي قرأت عن كل ذلك، وهو نهر العواصم أيضًا فهو يمر في ڤيينا وبراتسلافا وبودابست وبلغراد، لينتهي مصبه في البحر الأسود.

“يبدو أن هذه السيدة لها علم بالجغرافيا”؛ قال محدثًا نفسه.

– هل تحب الموسيقى؟

هناك حفلة موسيقية غدًا في دار الأوبرا.

ثم أردفت: “بالمناسبة: مبنى الأوبرا يبعد سبع دقائق مشيًا من هنا؛ أنصحك بشراء تذكرة وحضور الحفلة؛ سيما أن الفرقة الموسيقية ستعزف الليلة السمفونية الخامسة لبتهوفن.

– هل تستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية؟

هذه السيدة مثقفة، ولكنها كثيرة الأسئلة”؛ قال لنفسه.

– نعم سيدتي، أحب الموسيقى الكلاسيكية، وأستمعُ إليها من حين لآخر.

– وهل تعرف اسم السمفونية الخامسة لبتهوفن؟ سألته مرة أخرى.

قال لنفسه: “يبدو أنني في امتحان “، ثم أجابها:

– أظن أنك تقصدين “القَدَر”.

ابتسمت له بارتياح شديد، ثم قالت: نعم نعم، القَدَر!؛ هذا هو اسم السمفونية الخامسة”.

أصلحت جلستها معتدلةً، وأخذت رشفة من كأسها بشيء من الزهو والكبرياء، ثم قالت:

– كان بتهوفن يعلم أن شهرته وانطلاق عظمته ستكون من النمسا، وليس في أي بلد آخر؛ لذلك قرر ترك ألمانيا والانتقال إلى هنا، قالتها وملؤها الفخر والزهو بنمساويتها.

سكتت قليلًا، ثم فاجأته:

“بم بب بم”، أصدرتْ اللحن بصوتها لمدخل السمفونية الخامسة، مترنمةً بها ثم قالت:

– كم كان بتهوفن عبقريًا؛ لقد جسّد “الـقَـدرَ” فعلًا في رائعتِه تلك، حين بدأ مقطوعتَه بضربات ثلاث، وكأنها يد القَدَر تطرق على باب الانسان لتحذرَه من نهايتِه.

سكتت مرة أخرى، وكأنها تعد لها أسئلةً جديدة، ثم أخذت رشفة أخرى من كأسها، لكنها لم تكملْ رشفتها هذه المرة؛ فقد شهقت بحبات العصير مصدرة أصوات حشرجات في أنَفَاسها، وكأنها قد سُدت عليها منافذ الهواء حتى توقفتْ عن النفس، ثم نظرت إليه مستنجدةً وقد تجمدت عيناها عن الحركة، وبدأت يداها بالارتعاش، فسقط الكأس، وبدأ جسمها بالاضطراب والارتجاف.

قام مسرعًا من وراء الطاولة، يحاول عمل شيء لمساعدتها، استنجد بمن حوله من زبائن المقهى، بدأت شفتاها تزرقان، ثم بدأت الزرقة تمتد إلى وجهِها كلِه.

يا إلهي! إننا نفقدها”؛ صاح بمن حوله، ثم طلب منهم استدعاء الإسعاف أو عمل أي شيء.

جاء نادل المقهى مسرعًا محاولًا غسل وجهها بشي من الماء، لكن الأمر أكبر من ذلك؛ “إنها تموت؛ افعل شيئًا!”؛ صرخ بالنادل.

لقد أطبق الموت بفكيه على روح هذه السيدة، دون أن يستطيع أن يقوم بأي شيء لإنقاذها.

في هذه الثواني العصيبة تخلل شابٌ عشريني جموعَ الناس، ثم أنهض العجوز بهدوء حتى أوقفها على قدميها، وأمسك بها من الخلف شابكًا كلتا يديه بين صدرها وبطنها، وبدأ يجذب ويضغط، ثم يرخي، وهي تصدر لغطًا، وكأنها تلفظ أنفاسها؛ والشاب مستمر بالضغط والجذب، حتى زفرت زفرةً عظيمةً فخرج ما في رئتها من بقايا ذلك العصير اللعين، فاستطاعت بعدها أخذ شهيقٍ طويل، أتبعته بزفيرٍ أطول، ثم بدأت بتنفس بطيء.
فتحت عينيها، وعاد تنفسها شيئًا فشيئًا الى طبيعته، وبدأ وجهها يعود تدريجيًا إلى لون الحياة.

أعادها ذلك الشاب الملائكي الى كرسيها، ثم التفت الجميع لذلك السائح، يهنئونه بسلامتها وعودتها إلى الحياة ظانين أنه أحد ذويها.

أحضر بعض المناديل الورقية ومسح بقايا رذاذ العصير المتساقط هنا وهناك، ثم تركها لدقائق؛ لترتاح، وبدأ يدير النظر باحثًا عن ذلك المنقذ الذي ذاب بين جموع الناس واختفى بلمح البصر.

عاد الى السيدة وسألها: “هل أنت بخير؟ كيف تشعرين الآن؟”.
أومأت برأسها أنها بخير.

“الحمد لله؛ لقد كانت دقائق عصيبة”، يحاكي نفسه.

قام مودعًا لها، بعد أن اطمأن عليها، وعاد كل شيء لحاله، قائلًا لها:

– احذري سيدتي؛ فالقَدَرُ ليس كما صوّره لنا بتهوفن. القدر يا سيدتي يأتي مسرعًا كالبرق ويدخل دون طرقٍ على الباب ويأخذ من يشاء كما يشاء أنّى يشاء.

ثم تركها ورحل.

(تمت)

عن لأبعد مدى