الثلاثاء , أكتوبر 15 2019

حوار لأبعد مدى مع مؤلف ثلاثية (فرسان وكهنة) جـ 1

طبيب وروائي سعودي، تنوعت أعماله بين (التشويقي، الخيال العلمي، الاجتماعي، إلخ). حاز معظمها على صدى واسع بين القراء.

توجهت (لأبعد مدى) إلى (منذر القباني)، وأرهقناه معنا بهذا الحوار المطول، الذي سنقسمه إلى جزئين:

– الثاني: سيتطرق إلى خلفية المؤلف عمومًا (نوعية قراءاته، رأيه في تطورات الأدب السعودي حاليًا، كيفية التوفيق بين الطب والأدب، إلخ).

لكن بما أننا موقع متخصص في الخيال العلمي والفانتازيا، سنبدأ بالنصف الأول الذي سينحصر بالكامل في مناقشة: ثلاثية (فرسان وكهنة).

• كيف أو مم استلهمت فكرة ثلاثية (فرسان وكهنة)؟

هي نتاج لقراءاتي المتنوعة، أحببت تقديم رواية تجميع بين الجوانب التاريخية والعلمية والفلسفية، خصوصًا أنني لمست ثمة نقص في الأدب العربي في هذا النوع والقالب من الروايات الملحمية غير التقليدية.

كما شعرت أن قراءاتي المتنوعة قد تمكنني من كتابة رواية بهذا النمط.

خصوصًا أنني أعشق التاريخ، لكنني لم أرغب في كتابة رواية تاريخية تقليدية، رغبت في كتابة رواية تاريخية خارجة عن المألوف.

كما وجدتها فرصة أيضًا كي أطرح أفكاري الفلسفية، إلى جانب بعض الأفكار العلمية التي قد نراها في إطار الخيال، لكنها تفسر الواقع بطريقة قد لا نتخيلها. مثل النظرية النسبية وميكانيكا الكم، ومفهوم الزمن، ونظريات العوالم المتعددة. كلها نظريات قد يراها البعض خيالية، لكن -في المقابل- ثمة علماء يؤيدونها على الرغم من غرائبيتها.

• تعددت الخيوط في ثلاثية (فرسان وكهنة) في مزيج بين (الجانب الاجتماعي، التاريخي، السياسي، الخيال العلمي، التاريخي، ..) ما أبرز الصعوبات التي قابلتك خلال كتابة الرواية عمومًا؟

لم تكن هناك صعوبة في كتابة كل خيط على حدة، الصعوبة كلها كانت في المزج بين كل هذه الخيوط.

بالنسبة إلى كل خيط منفردًا، فلم تكن هناك صعوبة، ربما يرجع السبب إلى تراكم قراءاتي على مدار سنوات، فكنت متمكنًا من هذه المواضيع، ربما احتجت لمراجعة بعض التفاصيل في أكثر من مصدر، وهذا أمر طبيعي عندما يحضر أي مؤلف يحضر لعمله الروائي. لكن المزج بين كل ذلك في نسيج روائي واحد، وصنع رواية منضبطة، متماسكة، هذا ما كان يمثل “الصعوبة” بمعنى الكلمة.

كيف كنت تدير مرحلة كتابة الرواية، بين كل هذه الخيوط؟

في العادة، أرسم خارطة ذهنية أتخيل فيها: الشخصيات الرئيسية، الأحداث الرئيسية، المكان، الزمان.

دائمًا، أحب أن أبدًا بالنهاية والبداية، أن يكون كلاهما معلومًا لدي، بالإضافة إلى محطات رئيسية يجب أن تذهب إليها الأحداث. الباقي هو تفاصيل تأتي مع الكتابة ذاتها.

بمعنى أنني أطلق العنان لخيالي ولقلمي، المهم أنني على دراية بـ (أين تبدأ الأحداث، من هم الشخصيات التي ستكون فيها، وأين ستصل هذه الشخصيات في النهاية، وما المحطات الرئيسية التي يجب أن تمر عبرها هذه الشخصيات).

اتسمت معظم الأحداث التاريخي في (فرسان وكهنة) بالدقة قدر الإمكان، ما المصادر التاريخية التي اعتمدت عليها في هذا الصدد؟

 اعتمدت على مصادر تاريخية متنوعة، منها ما كتب في التراث الإسلامي التقليدي، لكنني قرأت أيضًا عن المغول من مصادر أجنبية، معتمدة على ما كتبه المؤرخ المغولي المسلم (الجويني)، الذي عاصر تلك الفترة، وكتب عن فترة صعود المغول وجنكيز خان، بالإضافة إلى مصادر أخرى.

كي لا تكون الرؤية أحادية، أقرأ ما كتب (مع) و(ضد)، وبالتالي أخرج برؤية تخلو من الانحياز.

أغلب ما ورد عن الحقبة التاريخية في (فرسان وكهنة)، هو دقيق.

لكن هناك بعد الأمور التي تخيلتها، خاصة فيما يتعلق بشخصية (قطز).

(قطز) غير معروف المنشأ، تتحدث المصادر عنه في فترة ما بعد بروزه كأحد أمراء الجيش المصري، خصوصًا في فترة ما بعد معركة (المنصورة).

أما ما قبل ذلك، يكاد (قطز) أن يكون مجهولًا، لا توجد عنده معلومات موثقة عن حياته، باستثناء نبذة قصيرة في أحد المراجع، تفيد بأن اسمه (محمود بن ممدود) وأنه من سلالة (خوارزم شاه).

ما كتبته عن (قطز) من نشأته في مملكة خوارزم، وحتى وصوله إلى مصر، أعتبره من وحي خيالي.

وعلاقته بـ (ياسمي)، وحتى شخصية ياسمي –حفيدة جنكيز خان- ذاتها. هي أيضًا من وحي خيالي.

كذلك كل ما يتعلق بالجانب الغرائبي (شخصيتي عبد الرحمن ومراد قطز).

أما بالنسبة إلى الشخصيات الأخرى مثل (جلال الدين منكبرتي، علاء الدين، جنكيز خان، تركان خاتون)، كلهم شخصيات تاريخية حقيقية، وتلمست الدقة قدر الإمكان في وصفها.

كم استغرقت في كتابة الرواية ككل؟

استغرقت الثلاثية سنوات كثيرة، أستطيع القول أنني بدأت مرحلة البحث عن الموضوع في 2009م، وما بين بحث وكتابة، أخذت مني ما بين 6 إلى 7 سنوات. لأن الجزء الأول (فرسان وكهنة) صدر في 2012م، تلاه الجزء الثاني (قطز) في 2014م، ثم الجزء الأخير (قرين) كان في 2016م.

بعد الجزء الثاني (قطز)، رفع القراء سقف التوقعات عاليًا، إلا أن بعضهم أصابه الإحباط جراء الجزء الثالث، لأسباب عدة، على غرار:

– الحشو الزائد، وإضافة خيوط جديدة، أكثر من الاهتمام بمد الخيوط القديمة على استقامتها؟

نعم سقف التوقعات كان عاليًا، وهذا حال طبيعي بعد أي عمل ناجح، خاصة عندما يكون مجزئًا.

وهذا نراه عند صدور أي جزء أول ناجح، يليه جزء ثانٍ على درجة أكبر من النجاح.

دائمًا ما أخشى مثل هذا السقف المرتفع للتوقعات، لأنك مهما كتبت كي تلبي هذه التوقعات، لن تستطع. ففي النهاية، كل قارئ أصبح لديه تصور خاص، وقناعة خاصة، وهذا يؤثر على تقبله للجزء المتمم، لأنه يريد أن يرى الأحداث تسير بطريقة معينة، وعندما تسير بخلاف ما أعتقد، قد يصاب بشيء من الإحباط.

أنا شخصيًا راض عن الجزء الثالث (قرين)، بالعكس.. تطرقت إلى حقبة تاريخية مهمة (بداية المماليك في مصر)، ما بين نهاية الحكم الأيوبي، وبداية الحكم المملوكي. وهي حقبة كان لقطر دورًا رئيسيًا بها. بالتالي كان لابد من التطرق لها بشيء من الإسهاب.

علينا أن نتذكر بأن ليس كل القراء على اطلاع بهذه التفاصيل كما هو حال الأخوة في مصر، أدرك في مصر أن هذه الحقبة تدرس بشكل من التفصيل خلال مراحلهم التعليمية. بينما في دول كثيرة لا يعلمون عن هذه الحقبة.

هم فقط يدرسون بعض المعلومات المحدودة (التفتا). فكنت حريص أن أراعي هذه المسألة.

• لماذا رسمت المواجهة الأخيرة بين (قطز) و(قرينه) بشكل متعجل بعض الشيء؟

نعم، ربما كانت المواجهة بين مراد وقرينه كانت سريعة إلى حد ما.

كانت وجهة نظري أن في النهاية يكمن الصراع الحقيقي بين مراد ونفسه، أن يكتشف مراد نفسه وقدراته التي مكنته من مواجهة قرينه.

فكانت هذه النقطة الأهم بالنسبة إليّ. لأن مراد بالنسبة إلى هو الأصل، هو القوة الحقيقية. أما القرين فليس سوى –نوعًا ما- الجزء الأضعف.

فكان تحصيلًا حاصلًا أن يستطيع مراد من هزيمة قرينه عندما يتمكن الأصل من معرفة ذاته.

بالتالي كانت المواجهة سريعة، لأنه ليس ثمة منافسة متكافئة من الأصل، لأن قرين مراد ليس بحجم أو قوة مراد المتمكن من ذاته ومن نفسه، بعد أن مر بهذه المرحلة الطويلة عبر (فرسان وكهنة، قطز، قرين).

• يعاني بعض طلبة كليات العلوم ذاتهم، من محاولة فهم (ميكانيكا الكم)، فكيف أو ما المصادر التي استعنت بها كي تستوعب هذا المفهوم، بما يكفي لتضفيره ضمن الرواية؟

نعم، هي نظريات صعبة الفهم، لدرجة أن هناك مقولة شهيرة (نيلز بور) –أحد الآباء المؤسسين لنظرية الكم- يقول:

– من يدعي أنه فهم ميكانيكا الكم، فهو لم يفهمها.

نظرًا لأنها تعد عسيرة جدًا على متخصصي العلوم. فلا أدعي أنني عرضت نظرية الكم بشكل مفصل، بل قدمت مجرد رتوش أو خطوط عريضة، من يقرأ كتب (تبسيط العلوم) الموجهة للعامة، سيجد أنني لم أخرج عنها في الحقيقة.

أحب القراءة في مجالات منوعة كما أخبرتك، من ضمنها العلوم.

على (ميكانيكا الكم) أنها مبهرة، تصور العالم في شكل يختلف تمامًا عما نتصور أنه بديهي. فأحببت تقديمه للقارئ من خلال رواية (فرسان وكهنة)، خصوصًا أن تلك النظرية تتماشى مع السياق، حيث تتحدث الثلاثية عن الواقع وكيفية رؤيتنا له، وهل هي دقيقة أم لا؟

شعرت أن فيزياء الكم والوتر الخارق تتماشى مع هذا السياق العام، فأحببت أن تكون جزءًا من الرواية.

• ما أبرز الانطباعات/ الانتقادات التي وصلتك عن ثلاثية (فرسان وكهنة)؟

أكثر ما أسعدني من انطباعات القراء أو النقاد، وتكاد تكون ثيمة مشتركة بينهم، أنها جعلتهم يفكرون ويتأملون واقعهم وتاريخهم وحياتهم.

أن القارئ خرج من ثلاقية فرسان وكهنة بتساؤلات جعلته يعيد النظر في الحياة من حوله، وكذلك في التاريخ وما يذكر له من معلومات.

أكثر انتقاد استغربت له في الحقيقة عندما كتب أحد الكتاب أنني أروج للصوفية أو الفكر الاعتزالي.

أولًا: لو كنت أروج للصوفية والاعتزال، فلن أخجل من قولها. فهما مكون أساسي من ثقافتنا الإسلامية.

بينما في الحقيقة أنني لم أكن أروج لشيء، وإنما كنت أستعرض جوانب كانت موجودة في تلك الفترة، جوانب لعبت دورًا مهمًا في تشكيل الوعي الثقافي لدى الشعوب الإسلامية، فكان لابد من التطرق إليها. أحببت أن أقدمها بشكل أمين وليس منحازًا. وكذلك الفكر السلفي.

أستغرب بشكل عام من تلك الانتقادات التي تتهم بالترويج، عند أقل شيء تجدهم يقولون (أنت تروج لكذا).

أراه نقدًا سطحيًا، لا يستحق عناء الرد، ولولا سؤالك لما تطرقت إليها.

بشكل عام، يجب أن نكون منفتحين على كل الآراء، وأن تكون لدينا الشجاعة أن ننظر إلى تراثنا نظرة نقدية بحتة، نكتب ما لها وما عليها: لا نجلد ذاتها، ولا نمجد أنفسنا. أن نكون واقعيين في نظرتنا، نتحلى بالشجاعة في نقد السلبيات، وإظهار الإيجابيات. هذا كل ما في الأمر.

….. (يتبع)

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).