تصنيف الخيال العلمي والفانتازيا -حصرًا- كـ (تسلية)/ (أدب أدنى)؟

تحدثت مع عدد من الكتاب والنقاد الذين يهاجمون كتّاب الرعب مثلًا كنموذج لأدب الخيال.. ووجدت عندهم جميعًا ذات التصور.. وهو أنهم لا يهاجمون الرعب كلون كتابة.. ولكن هم يهاجمون تجارب أدبية رديئة من وجهة نظرهم..

وفي الحقيقة أنا متفق معهم.. ولا ألوم النقاد في نظرتهم لكتابة الخيال.

• حوار (الملواني) مع مجلة (ومضات)، العدد (19)- أبريل 2015م.

*********

محمد البعلى مدير صفصافة للثقافة والنشر تحدث عن أدب الرعب ومدى قابلية موافقته على نشر هذه النوعية من الكتابة قائلًا:

– إنه لا يمكن الحكم على تيار بأكمله في الكتابة بأنه أدب أو لا؛ حيث يجب تقييم كل عمل على حدة وتقدير مستواه الفني واللغوي ومدى أصالة الخيال.

البعلي يرى أن انتشار الروايات الخفيفة، مثل روايات الرعب والجريمة، وظهور كتب تتحدث عن العفاريت والأشباح في قمة قوائم المبيعات يشير إلى وجهة أخرى: وهي أن نسبة لا بأس بها من القراء تعتبر الكتب محاولة للهروب من الواقع إلى عالم خيالي منبت الصلة بمشاكل العالم وقضاياه الملحة، وبالتالي فإن هذه الكتب تعد تعبيرًا عن رغبة عدد كبير من القراء في “عدم اتخاذ” موقف من العالم والتعامل مع القراءة على أنها مشروع قصير الأجل للتسلية والانفصال عن الواقع.

وأكد البعلى فى نهاية حديثه أن صفصافة لا تنشر هذا النوع من الأعمال لاعتقادها أنه يساعد على تغييب القرّاء. موضحًا أن هدف دور النشر التقدمية هو المساهمة في تنوير العقول وليس تغييبها.

• المصدر: تقرير نشرته جريدة (القاهرة) في تاريخ الثلاثاء 14 أكتوبر 2014م، أجراه الصحفي (سامح فايز).

**********

السجال السابق ليس حكرًا على المنطقة العربية فحسب، تمتد جذوره عالميًا إلى أقدم مما نتصور، وأخاله سيستمر إلى الأبد، داخل كافة نواحي الإبداع (أدب، فن، إلخ).

منذ فترة قريبة، عاصرنا أحد الوجوه المتجددة لذلك الجدال، لكن في مجال (السينما) هذه المرة. عندما صرّح المخرج السينمائي الحاصل على أوسكار (مارتن سكورسيزي) واصفًا  أفلام ستوديو (مارفل) المستوحاة عن قصص مصورة بأنها “ليست سينما”.

علّق المترجم (هشام فهمي) حينذاك على صفحته بموقع التواصل،  ما معناه:

– من حق سكورسيزي طبعًا إن يقول ذلك، لكن أتمنَّى أن يكون مدركًا وجود فئة تصف –أيضًا- أفلام العصابات التي أخرجها بأنها «ليست سينما»، هناك دائمًا فئة لديهم تعريف ضيق جدًّا يحتكرونه للسينما، وللإبداع بشكل عام، ونظرتهم لما سواه محدودة جدًّا. (..)

يذكرني الأمر بواقعة قديمة جدًا عن المنافسة بين ما يعتبروه «إبداعًا حقيقيًا» أو «تسلية»، عندما كتب هنري چيمس ينتقد الرواية الشهيرة لـ روبرت لويس ستيڤنسون (جزيرة الكنز) لكونها “رواية مغامرة”، ويقارن بينها وبين رواية أخرى صدرت خلال نفس الفترة، لها نفس الطابع الكلاسيكي المعتاد.

وصف جيمس (جزيرة الكنز) بأنها محكمة أدبيًّا أكثر، ورغم ذلك، تظل الرواية الأخرى أعلى قيمة رغم ثغراتها، لأنها جادَّة.

أرجو الانتباه إلى أن تاريخ إصدار (جزيرة الكنز) يعود إلى تاريخ 1883م.

ومع ذلك، ينسب البعض جذور ذلك الجدال إلى عصور أقدم بكثير، عندما كانت الأمية هي السائد، بينما القراءة حكرًا على طبقات بعينها غالبًا، فانقسم الأدب إلى:

– محتوى مطبوع يتسم بالطابع الكلاسيكي (سواء في اللغة الصعبة بعض الشيء، الطابع الرصين، إلخ.

– أدب شعبي شفاهي، يتجلي في ألوان، مثل (الحكي، السير الشعبية، إلخ)، يتسم جميعها بالطابع المسلي، واللغة السهلة، إلخ.

تغير الوضع عندما انحسرت الأمية بعض الشيء، بالتوازي مع ظهور بدائل أرخص من خامات الطباعة والنشر، فكانت النتيجة أن ألوانًا من الإبداع الشفاهي انتقلت –تدريجيًا- إلى الورق، إلا أنها احتفظت نفس أولويات أسلافها (اللغة البسيطة، عنصر الإمتاع، إلخ).

لا أذكر أين قرأت هذا التفسير التاريخي بالضبط، ولست متأكدًا حتى من صحته، لكنني أظنه لا يخلو من الوجاهة.

**********

أما بالنسبة للخيال العلمي العربي تحديدًا، نشرت دورية (المجلة) مقالًا عام 1976م، جاء في نصه:

«من الصعب اعتبار هذا النوع من أدب الخيال العلمي أدبًا جادًا، لأن الأدب الجاد في نظري يقدم تجربة إنسانية حية، أما أدب الخيال العلمي يتخيل أشياء علمية، إن تحققت فلم يعد للعمل الأدبي قيمة (..) وإذا لم تتحقق، فقد بقيت خيالًا في خيال، لذا من النادر أن أقرأ هذا الأدب أو أستمتع به، لأنه يشغلني بانفعالات وتوقعات ثم يقدم الحل: مجرد كلام فارغ لن نعرف إذا كان سيتحقق أم لا».

أعتبر السطور السابقة –بالإضافة إلى مثال (هنري جيمس)- دليلًا على أن المرء قد يحقق مكانة أدبية خالدة، لكن هذا لا يعنـي أن يكون محصنًـا طـوالالوقت من السقوط في فخ (التعميم) أو (التنميط). حيث لم يصدر الرأي السابق من أديب أو ناقد عادي معاصر، وإنما بقلم (نجيب محفوظ).

قام رائد الخيال العلمي المغربي (عبد السلام البقالي) بنشر رد مطول حينذاك بعنوان (لا يا أستاذ نجيب، أدب الخيال العلمي ليس كلامًا فارغًا).

قال في أحد فقراته:

– ولابد أن أخانا الكبير لم يطلع على روائع الخيال العلمي، أو لم يقرأ منه إلا أردأه، ولو أنه قرأ ما كتبه (جول فيرن) و(هـ ج ويلز) و(أورويل) و(إسحاق أزيموف) و(برادبوري) و(كلارك) وغيرهم من الكتـاب الذيـن ارتفعـوا بهذا الأدب إلى الفنـــون الرفيعة، لغير رأيه تمامًا.

حاليًا، تحققت نبوءة (عبد السلام البقالي)، حيث شهدت الجامعات العربية رسائل ماجستير أو دكتوراة في أدب (نهاد شريف) وحتى (أحمد خالد توفيق).

يبدو –ظاهريًا- أن هذه الإشكالية انتهت، صارت أمرًا مفروغًا منه، لكن الأمر الواقع يقول أن رواسبها لا تزال موجودة.

قرأت تعليقًا على موقع التواصل لأحد كبار الأدباء سنًا ومقامًا:

– كل الدنيا بها كتابات (رعب، بوليسية، خيال علمي) وهكذا. كلها تبيع أضعاف الروايات الأدبية عشرات المرات، لا تضعوا شيئًا مكان شيء آخر. الكتابة الروائية أنواع، والقرّاء أنواع.

تظل الرواية الأدبية أصعب وأقل جمهورًا في كل الدنيا، لا يعيبها هذا، ولا يعيب روايات الرعب أو البوليسية أنها سهلة وبسيطة ومسلية فقط، فهي لا تطمع إلي أكثر من ذلك، وهي عادة قراءة السن المبكر  تحت العشرين. كلنا قرأنا أجاثا كريستي ثم كبرنا فتركناها للأصغر، لا عيب هنا أو هناك، وليت الدنيا تمتلئ بكتابة من كل نوع.

**********

هكذا نرى، أن موقف المؤسسات الثقافية الرسمية (أو غير الشعبية لو جاز التعبير)، يمكن تقسيمه إلى:

1- فئة تتعامل بتعالي وإقصـاء كامل لتلك الأفـرع الإبداعية بالكامل، وهو ما ينتج عنه نفور الطرف الآخر في المقابل، فينتهي الحال إلى عالمين منفصلين لا يجمع بينهما أي أرضية مشتركة.

2- فئة أخرى على غرار الروائي الكبير، تتعامل بقدر كبير من التهذيب والترحيب بالتنوع، وإن كانت تحصر تلك الألوان الأدبية بأكملها داخل نطاق التسلية.

3- فئة ثالثة لديها من التجرد والموضوعية ما يكفي للتعامل مع أي نص بناء على ذاته، دون النظر إلى تصنيفه أو عُمر مؤلفه أو.. أو..

نلاحظ عاملًا مشتركًا بين الفئتين (الأولى والثانية):

كلاهما تتفقان على حصر أفرع بكاملها داخل خانة (التسلية/ المرتبة الأدنى/ البوب آرت). تستطيع أن تميز هؤلاء بسهولة من خلال اختيارات لتعبيراتهم: لن تجد أحدهم –مثلًا- يستخدم أبدًا كلمة (أدب رعب)، بل يلجأ إلى بديل (احترم مبدأ التدقيق عمومًا بالمناسبة) على غرار (كتابة الرعب)، أو (بوب آرت) أو.. أو..

أحب التوضيح أولًا أنني –من ناحيتي- لا أجد مشكلة إطلاقًا من وصف البعض للمؤلفين أو الروايات التي أحبها بـ (حواديت) أو (محتوى خفيف/مسلي/شعبي). بل على العكس، لاحظوا أنني ولدت ونشأت في قرية صعيدية، فأي اعتزاز أكثر من استعمال أوصاف ذات رائحة مشابهة لأجواء جلسات السامر وفن الحكي. خصوصًا مع رؤيتي أن المعيار الوحيد الأجدر بالاهتمام هو.. (الزمن). أو كما تقول الآية الكريمة: “فأما الزبد فيذهب جفاءً وأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض” صدق الله العظيم.

إذا أجاد أحدهم تأليف روايات ممتعة غرار (جزيرة الكنز)، فكُتب له ولها الخلود، هذا أبقى من عشرات استهدفوا إنتاج أعمال رفيعة قابلة لحصد جوائز، فجاءت النتائج متوسطة.

بل -في بعض الأحيان- إذا وجدت أحد أقاربي أو معارفي على وشك الاهتمام بدخول عالم القراءة، فأرشح لهم –بناء على ذائقتي التي قد تخطئ التصنيف- نوعية مختلفة عن التي قد أرشحها لصحفي أو ناقد، لكن هذا لا يمنع وجود نوعية ثالثة مقتنع بأنها قادرة على إدهاش الجميع.

بنـاء على ما سبـق، كنت سأتفق “تمامًا” مع تعليـق الروائي الكبير، لولا تفصيلة فارقة جدًا تخص الربط بين (التسلية/ التناول الخفيف) وبين ألوان أدبية بعينها مثل (الخيال العلمي، الرعب، الفانتازيا، البوليسي، الرومانسي).

ربما كان (نجيب محفوظ) معذورًا لأن زمانه خلا وجود من ترجمات لـ (أورويل) أو (أزيموف) إلخ، لكن يصعب –بعض الشيء- التماس نفس العذر حاليًا.

بل لو أردتم رأيي بصراحة، أرى –من وجهة نظري- أن الموضوع لا يتعلق بتوفر أو عدم توفر نماذج رفيعة تنتمي لتلك الفروع الإبداعي، أو بوجود إصدارات رديئة تتصدر معظم المشهد، وإنما ترتبط الفكرة كلها –في رأيي- بمبدأ بديهي للغاية:

– أليس من الوارد أن يصيغ مؤلف رواية اجتماعية او تاريخية بشكل مسلي وخفيف، بينما يقوم كاتب (رعب، فانتازي، بوليسي) بالعكس؟

ثانيًا: هل يسهل ادعاء اليقين بمعرفة الحد الفاصل الذي ينتهي عنده (التناول الخفيف)، ويبدأ (العمق)؟

في تصوري أن العمل الواحد قد يحتوى على عناصر مسلية، جنبًا إلى جنب مع أخرى تتحلى بالتناول الإنساني، فما بالنا بفرع أدبي كامل!

المفارقة التي لفت نظري إليها أحد الزملاء: أن نفس فئة النقاد الإقصائيون قد يعجبهم نصًا خياليًا مرموقًا -بالذات إذا انتمي إلى الكلاسيكيات- إلا أنهم في هذه الحالة يستنكفون من وصفه بـ (فانتازيا) أو (خيال علمي). بل -في هذه الحالة- يلوذون بالبديل الجاد الجاهز من وجهة نظرهم:

– واقعية سحرية.

سأل زميلي أحدهم:

– ماذا عن رواية (1984)؟

بعد تفكير، أجاب:

– رواية سياسية.

على أي حال، دعنا نتفق على حق أي شخص في تبني أي رأي تجاه (نص/ مؤلف/ فرع أدبي)، من ناحيتي، لا أعتقد أن هذا قد يؤدي إلى عزل صنوف أدبيـة مثل الخيـال العلمي والفانتازيا، وإنما –في الأغلب- يؤدي إلى عزل صاحب مثل هذه الأفكار عن الواقع.

في المقابل، لا يوجد مؤلف بحاجة إلى صكوك اعتراف من أحد. المشكلة أن تلك التراكمات–على المدى الطويل- أدت إلى نوع من التحفز المسبق لدى الشباب تجاه كل ما يحمل اسم (ناقد/ أكاديمي/ مثقف)، مما يسقط بعض هواة هذه الألوان الأدبية في نفس فخ  التعميم المضاد بدورهم.

استضافت محافظتي (أسوان) مؤتمر (أدباء مصر في الأقاليم) عام 2015م الذي استضافته محافظتي (أسوان) وبالطبع، أشعر باغتراب (على الأقل حتى الآن) وسط هذه الفعاليات، فلا أزورها إلا نادرًا، لولا أنني فوجئت بأن قائمة المشاركين تتضمن وجهان مألوفان: الصحفي (سامح فايز) والناقد (حمادة هزاع). ذهبت خصيصًا للقائهما، لا زلت أبتسم كلما أتذكر نقاش ثلاثتننا.

أعرف د. (هزاع) منذ زمن، أزعم أن بيننا رصيد من الود، علاوة على اعتزازه بالتخصص في لون أدبي مثل الخيال العلمي. ورغم كل ذلك، يبدو أن تراكماتي السابقة –أنا وسامح- قفزت إلى السطح، فاستيقظ –دونما أشعر- شيء من التحفز المسبق تجاه كل ما هو (رأي أكاديمي). فوجئت بدكتور (هزاع) يلفت نظري بتهذيبه المعهود:

– لماذا تشعراني وأن لسانكما حالك: «كلما سمعت كلمة (ناقد)، تحسست مسدسي».

• نُشر التقرير السابق كأحد فصول الكتاب الإلكتروني (خياليون جدد).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).