حب أقوى من سور الصين العظيم

كتبت: يسرا غازي.

كان الخيار الوحيد أمامي أن أتسلق سور الصين العظيم رغم أنني مصابة برهاب الأماكن المرتفعة، وذلك بعد أن استبعدت أن أظل بالأسفل مع سائق الأتوبيس الذي أقلني والمجموعة وتابعه – فالاثنان لا يجيدان سوى الصينية- في محيط سور الصين.

أخذت القرار، وبدأت أتسلق في صحبة كل من عماد وفيحاء وهما فتى وفتاة ربما كانا في نفس سني حينها -٢٣سنة- أو أصغر قليلًا، والاثنان يتدربان في وزارة الصناعة والتجارة الصينية خلال فصل الصيف، ويصاحبان الوفود العربية بسبب اجادتهما للعربية.

توقفت عند نقطة وقد انقطع نفسي وصار الصعود أقرب للزحف على الأربع، فاخترت أكثر مكان مستو لكي ألتقط أنفاسي مبتعدة بما يكفي عن حواف السور.

يبدو أن فيحاء أرادت تسليتي أو مواساتي -لا أعلم تحديدًا- فقررت إخباري قصة عاطفية تتعلق بمأساة حبيبين حدثت وقت بناء السور.

سألتني بالفصحى:

– يسرا، أنتِ تلبسين خاتمًا ولا تخلعينه أبدًا، هل هذا خاتم خطبة؟

أجبتها: نعم.

– هل تحبين خطيبك؟ وهل ستتزوجان؟

– (باسمة) نعم.

فبادرتني بقولها:

– لابد أنك تفتقدينه. -استطردت- سأخبرك بمأساة حبيبين وقعت في ظل بناء هذا السور.

كانت فيحاء تتحدث العربية ببطء شديد وبإيقاع رتيب، وكانت تجيد الانجليزية فأرجوها كثيرًا جدًا أن تتحدث معي بالإنجليزية، وأحيانا تستجيب لرغبتي، ولكن هنا كانت الحكاية بأكملها بالعربية.

أكملت فيحاء:

– كانت هناك فتاة تحب شابًا ونويا الزواج، لكن جاءه أمر بالتوجه لبناء السور وهنا حدثت المأساة.

تحكي ببطء شديد وتراقب وقع الكلام عليّ، فاستجمعت كل ذكرياتي عن المآسي المشابهة وكانت الأقرب لذهني حفر قناة السويس ومن هلك فيها من شباب، فسألتها بلوعة: هل مات؟

فأجابت:

– لا لا، غاب كثيرًا جدًا، وبكته خطيبته كثيرًا.

صمتت من جديد، فتذكرت مأساة سيدنا يعقوب في غياب ولده سيدنا يوسف وضياع نظره من البكاء على ولده الغائب، فسألتها في لوعة مماثلة للوعتي الأولى باحثة عن سر المأساة:

– هل عميت وذهب نظرها؟

أجابت ضاحكة:

– لا، لا، هي فقط بكته كثيرًا، ورفضت عروضًا أخرى للزواج وقد طال غيابه، وظنوه قد هلك فحزنت كثيرًا ولكنه عاد وتزوجا.

قلت لها وقد استبد بي الغيظ، وتاه المغزى مما حكته:

– يا شيخة!!! ده إيه ده؟؟ وقعتي قلبي في رجليا، يعني الراجل رجع واتجوزوا وعاشوا في تبات ونبات.

احتارت المسكينة فيحاء في تفسير كلامي فسألتني عن معناه، فقلت لها راسمة ابتسامة على فمي، وناظرة بعيدًا:

– قصة جميلة هذه يا فيحاء، وسعيدة أنها انتهت على خير.

وها أنا قد نقلتها لكل العشاق نقلًا أمينًا بتفاصيلها كاملة ليجدوا فيها الصبر والأمل.

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).