حاسة الشم: (رائحة بخور المقبرة)

أمسك (خاطر) المصباح بيد مرتجفة، تأمل على ضوئه وجه الشيخ عمران برهبة؛ الذي أمسك كتابًا مصفرًا، وطفق يغمغم بكلمات غريبة منه، بينما يقفا بين ذراعي الوادي الجبلي المفقر، والذي يَعِدهما -حسب تأكيدات عمران- بخبيئة ثمينة، أو -كما يقول المتعلمون أرباب المدارس- مقبرة أثرية.

بدأ خاطر يتصبب عرقًا، أكثر من مرة ود أن يسأل مرافقه “ألم تدنُ نهاية كل هذا؟”، لكن الجو المقبض حوله أخرسه.

أفاق خاطر على رجفة كهربت جسده، لم يدرِ أهي الأرض تهتز تحته؟ أم أنها خفقات قلبه تتصاعد إلى أذنيه؟

حسم الأمر صوت عمران المستحث:

ـ هيا يا خاطر… احفر.. احفر.

هنا فقط انتبه خاطر إلى أن الأرض ترتجف تحت قدميه بالفعل، فوضع مصباحه جانبًا، وأنشب يديه في الثرى المخلخل، تطارده سياط رائحة البخور، لتدفعه إلى العمل أسرع.. أخيرًا تكشفت الأرض عن غطاء ثقيل، تعاون الرجلان معًا لإزاحته.

التقط خاطر المصباح ثانيةً، ليوجهه صوب الفتحة، وإثر البصيص الخافت شاهد صورة شبحية لدرجات هابطة.

أما عمران، فقد ضم الكتاب تحت إبطه الأيسر، ثم تجمد على هذه الوضع، ليلقي تحيته الخاصة على السلم السفلي:

ـ “لا تخرج إلا بإذني. أقسمت عليكم، وعزمت عليكم، أيتها الأرواح الروحانية، أن تحضروا لمقامي هذا، وتسمعوا دعوتي، وتشموا دخاني، وتقضوا حاجتي، وهو أن تلقوا بعارض هذا الآدمي. كلميني بما فيه إصلاح مريدي”.

ثم انسحب من الإكمال بالعربية، وعاد إلى لغته العفاريتية الأولى، يستطرد بها آخر تعاويذه.

راقبه خاطر بأنفاس متلاحقة، تتشارك نفس الإيقاع السريع مع دقات قلبه، كما أن هناك رائحة البخور مرة أخرى، إنها تجثم على صدره أكثر، وأضافت إلى نوتة السيمفونية المزيد من النغم المقبض.

“إن وجهك فأل خير يا خاطر؛ يبدو أن هناك رزقًا وفيرًا ينتظرنا بالأسفل”

ظل خاطر محتفظًا بانطباع الضياع على وجهه.

ـ خاطر، أين ذهبت يا خاطر!؟؟ إنني أحدثك!

ـ تحدثني أنا؟! ظننتك تكمل خطابك لهم، اللهم احفظنا.

قهقه الشيخ عمران، وهو يقول بصوت بذر فيه كامل ثقته:

ـ كلا، لا يوجد فيهم أحد اسمه خاطر. والآن هيا، التقط المبخرة في يدك، سننزل.

صوَّب خاطر نظرة تجاه السلالم الهابطة، فوجدها كوحش يفغر فاه، مما جعله يتعثر في حروفه المتشككة:

ـ وماذا عن الرَصَد؟

ثبَّت عمران الكتاب تحت إبطه الأيسر، علامة الطمأنة:

ـ الطريق ممهد، لا تقلق.

**********

لدى القرية دستور غير مكتوب من المعتقد الشعبي، سبق أن نوَّهنا عن أحد مواده في مسألة (الصُل) و(البومة):

مادة 4:

ـ الاعتقاد أن الفراعنة سخَّروا الجان لحماية مقابرهم، فيُطلق على الجني الحارس اسم (الرَصَد)، ومعه يصبح اقتحام المقابر مخاطرة حقيقية؛ فلابد من الاستعانة بـ ند لهم، من أمثال الشيخ عمران.

شرح عمران لرفيقه:

ـ لقد أطلقتُ التعويذات يرافقها بخوري، وهو كاف ليعمي الرَصَد عنا حتى ننل بغيتنا. إذا حدث وانطفأ البخور فجأة، فهذا نذير خطر، حينها فلتَعْدُ خارجًا دون أن تلتفت خلفك، وكأنك تهرب من جهنم ذاتها.

نقل خاطر بصره إلى المبخرة في يده، احتشد تأثيرها النفسي ليجثم على صدره، فأطلق سعلتين مختنقتين.

ضم الشيخ كتابه إلى صدره، وهو يشرد في الوحش الفاغر فاه:

ـ دعنا لا نضع الوقت.

بخطوات متمهلة تقدم عمران بالمصباح يتبعه رفيقه، فنزلا السلم الحجري، ولم يمض الكثير قبل أن تمس أقدامهما الأرض المنبسطة.

ألقى المصباح ضوءه على النقوش الزاخرة، وبنفس الخطوات البطيئة الحذرة قطعا الممر الأفقي، حتى أفضى بهم المطاف في النهاية إلى باب، باب مصمت ثقيل أقرب إلى الجدار.

استغرق الأمر الكثير من المحاولات، وأخيرًا نجح عمران مرة أخرى.

صدر صوت الصرير المخيف، ثم مد عمران مصباحه عبر فرجة الباب الضيقة، فترامى ضياؤه على جدران الباحة، أتبعه أوتار حنجرة عمران التي همست بصوت مبحوح:

ـ هذه المقبرة يفوح منها ما هو أثمن من معدن الشمس.

فهم خاطر بالبديهة أنه يعني معدن الذهب، فقد ارتبط منذ القدم بهذا الوصف، في حين تشتهر الفضة بأنها معدن القمر. يبقى السؤال: ما هو الأغلى من الذهب؟؟!

سعى خاطر لأن يقتل حيرته ويسترق نظرة، فوجد الغرفة تضن عنه بالإجابة؛ إذ كانت خاوية إلا من تابوت، وبعض الأوعية والأثاث، و….. وتمثال أبنوسي أسود يقبض على رمح من نفس اللون، بجوار التابوت وكأنما يحرسه.

خُيِّل إلى خاطر أنه اعتصر رمحه أكثر عندما التقط عينيهما، فارتد بصر خاطر ملتاعًا، ونظر إلى الأرض وهو يبسمل ويحوقل، بينما طرقت أذنيه إجابة متأخرة لسؤاله، على لسان عمران:

ـ فلحسن الحظ، الرصد الذي يحرسها مريض.

كان من الطبيعي أن تبدر عن خاطر صيحة الاستغراب، كرر بها: مريض!؟؟

أجاب عمران بصوت عميق، قادم من بئر بلا قرار:
ـ نعم، مريض بالسأم من الدور الذي يضلع به منذ آلاف السنين، وهذا يبشر بإمكانية الوصول لاتفاق معه. خاطر، انتظرني، سأدخل أولًا، و… لآخر مرة أنبهك ألا تنس، أبقِ المبخرة معك، وتذكر تحذيري السابق: إذا انطفأت اُعدُ بكل قوتك، ولا تلتفت خلفك، أما أنا فأعرف كيف أتدبر أموري معه.

تخلى له عمران عن مصباحه، ثم أخرج كشافًا أصغر من جيبه، قبل أن يرحل إلى غياهب ما وراء الباب.

تجمد خاطر في الظلام أمام الباب، لا يؤنسه سوى بصيص الكشاف القادم من الداخل، والعبق الذي تمنحه له الأبخرة المتراقصة.

في أحوال أخرى، كان ليرتاب في استبقاء عمران له، واختصاصه لنفسه بالدخول؛ فدفتر الحواديت مليء بحكايات عن شيوخ المقابر، أغلب سطورها تصف خداعهم لشركائهم، وتصل أحيانًا إلى للقتل!

إلا عمران؛ ظل السطر الأبيض الوحيد في ذاك الكتاب. آخر مرة مثلًا منح خاطر نصيبه نقدًا مقدمًا، ثم عاد إليه بعد أسبوع برزم نقدية إضافية، وقال أن البضاعة جلبت أكثر مما توقع، فوجب أن يقتسما الزيادة كذلك.

يُعَد عمران معدنًا كريمًا أنقى من أن يتلوث بغبار الـ…

تصلب خاطر في مكانه. هل يسمع همسات خافتة عديدة، تتردد في الداخل، فتتعانق مع تمتمة عمران، وتنتجا سويًا هذا الأزيز المستمر؟؟!

أصغى أكثر، ثم هز رأسه بقوة نافيًا، وقال: لعلني أتوهم، وما أسمعه هو تعاويذ عمران وحدها. نعم، الحل الأكثر أمانًا دائمًا، هو أن ترفض التصديق. وكمحاولة إضافية للهروب، استدعى خاطر من ذاكرته خاطرًا مضحكًا؛ كلام محسن بن أبي ريان أن الاتجار في الآثار حرام!

أي حُرمة فيها، وهي خبيئة مدفونة بلا صاحب، تنادي من يجدها أن تكون ملكه؟!

قال له أنها حق للدولة، هنا بصق خاطر على الأرض بقرف أن:

ـ أي دولة تلك التي نسيتنا، وتعتبرنا محافظات درجة ثانية؟! الأرض أرضنا يا فتى، وما تحتها هو إرثنا الشرعي من أجدادنا!

خفت أزيز المقبرة لثوان، ثم تصاعد مرة أخرى، بينما خاطر سارح في اللامكان، يزدرد طريقة تفكير هؤلاء الشباب، والأغرب أنهم تعليم عالي، مما جعل تساءل ملح يولد:

ـ أي قناعات مضللة تلك، التي سقوها لهم في الجامعات؟؟! و….

تبخرت خواطر خاطر مع علو الأزيز بغتة، مما قتل أي احتمال أن يكون وهمًا، أتبعه ميلاد حشرجة مكتومة، فسكوت تام.

استمرت التطورات اللاهثة، وزادت القصيدة بيتًا بأن الخطر أسفر عن وجهه القبيح، وذلك بأن المبخرة في يد خاطر انطفأت. نقل خاطر بصره إليها فزعًا،  فراعه خبوتها تمامًا.

ـ “حينها فلتعدُ خارجًا دون أن تلتفت خلفك، وكأنك تهرب من جهنم ذاتها”

لم يفكر خاطر مرتين، أو لنقل أنه لم يفكر أصلًا، فانطلق يعدو بلا توقف، وخلال ذلك اكتنف الخوف كل خلية من كيانه، فكان رفيقه عبر الطريق الطويل.

استمر خاطر يسابق نسيم الليل، حتى بلغ القرية، وأنس الأضواء المنبعثة من بيوتها.

هناك لم يستطع النوم؛ ظلت أشياء عدة تؤرقه، أهمها أنه تذكر نصيحة عمران، بينما نسي عمران نفسه! ماذا حدث له؟ وكيف كانت مواجهته مع الرصد السائم؟؟

تذكر خاطر الهاتف فجأة، فنقر على أزرار جواله يطلب رقم عمران، ثم انتظر الرنين الطويل، دون جدوى.

طلبه مرة ثانية، وثالثة، و… فجأة سبقه رقم يتصل به هو هذه المرة، الشاشة المضيئة تحمل اسمًا مقتضبًا: (الباشا).

جف ريق خاطر، هذا ما كان ينقصه. ضغط زر استقبال المكالمة، ثم ألصق الهاتف بأذنه، فوجد الصوت الفخم يسأل مباشرة إلام توصلوا؟؟! ولماذا لا يرد عمران على هاتفه؟؟!

التمس خاطر الحذر وهو يجيب:

ـ أهلا يا باشا، لقد ذهبنا إلى المكان الذي عليه العين، فلم تثمر ليلتنا عن جديد. رجعنا على أن نعاود البحث غدًا. لا تقلق معاليك، سنوافيك بالأخبار أولًا بأول. بالنسبة لعمران، أأأ.. لا أعلم، ربما أبقى هاتفه على الوضع الصامت، أو هناك مشكلة في الشبكة.

ـ حسنًا، أنتظر أخبارًا جيدة، سلام.

يثمِّن مأمور المركز وقته بمقياس من ذهب، فيُحسن صنعًا بأن مكالماته دائمًا مقتضبة قصيرة، وهكذا أغلق الخط مباشرة عند هذا الحد.

ابتلع خاطر ريقه، وهو يضع الهاتف على الطاولة.

“محسن بن أبي ريان رفض أن يقتنع برأيي، أقسمت له أن تجارة الآثار مائدة ينهل منها الجميع: ضباط شرطة، أعضاء مجلس شعب، قضاة.

وأننا نتشبث دائمًا بالعمل تحت غطاء أحدهم؛ فمن ناحية تأمن تعقب الحكومة، ومن ناحية أخرى تضمن ألا يبتلعك الكبار في الصفقة.. ثم تقول لي يا محسن أنها حرام، أو حق للدولة؟!

أمعقول أن كل هؤلاء الكبار على خطأ أخلاقي؟!

وإن كانوا كذلك وهم في أيسر حال، فلماذا -نحن الغلابة- يُرجى منا أن نلتزم الصواب؟؟!”

أنكر محسن كلامي مصعوقًا، فأخبرته بالمزيد:

ـ إن من يفحصون التحف ويثمنونها، هم أساتذة جامعة من الذين يدرّسون لكم، واسأل (عمرو بن الشريف صالح)، إنه في كلية قنا، وسيؤكد لك ما أقوله. إن سمعتهم معروفة في هذا الصدد، و(على عينك يا تاجر)، في حين لا يجرؤ أحد على رفع إصبع اتهام في وجوههم”.

زفر خاطر، لينفث جزءًا من مشاعره المشتعلة، ثم يترقب شروق الشمس بفارغ الصبر.

**********

جاء الصباح بعد ولادة متعثرة من الانتظار.

هرول خاطر بخطى حثيثة نحو منزل عمران، فقيل له أنه بات خارج المنزل!

اصطرعت أفكار عدة في عقل خاطر: عمران، الرصد، التمثال الأبنوسي، البخور المُطفأ.

انتصرت من كل ما سبق فكرة واحدة: رفض الرجل للتخلي عن رفيقه؛ ففي ذلك تخلي عن رجولته، وديدنه كصعيدي.

حتى لو كان خصمه أرصاد، أو العفاريت الزرقاء، وأد خاطر خوفه، واتخذ قراره؛ سيعود.. رغم كل شيء سيعود.

في نفس الموعد، تجمد الرجل أمام ذات الباب، يقف بصحبة مخاوفه، ومبخرته.

تعلقت عيناه بخيوطها الدخانية الرفيعة، وملأ صدره برائحتها؛ عساها تطفأ ولو النذر اليسير من روعه. في النهاية تحامل على نفسه وفتح الباب، ليسمع صريره الموجس مجددًا.

خطا خاطر إلى الداخل، وملأ عينيه بتفاصيل الغرفة التي فاتته رؤيتها أمس؛ النقوش الزاهية تملًا الجدران، فتشعرك أن ألوانها لم تجف بعد، لدرجة أن خاطر تلمسها ليتأكد.

أثاث عتيق يحيط بالتابوت، بضعة تماثيل مذهبة، البخور يسرح في الأرجاء بحرية، فيمنح الرؤية لمسة غائمة.

ارتعد خاطر، ارتعد وهو يشعر بتلك اليد التي توضع على كتفه.. فالتفت..

ـ “عمران؟”

هتف بهذه العبارة وهو يرى زميله سليمًا مُعافى، ومع اصطدام الوجه بالوجه، انطفأت المبخرة دفعة واحدة، فتحول خاطر إليها بوجه هربت منه الدماء.

ربتت يد عمران على كتفه تقرضه اطمئنانها: “انسَ الخوف؛ فأنا معك الآن. لقد عقدتُ اتفاقًا معه، وصرت المسيطر الأمين هنا”.

ـ  قالوا لي في منزلك أنك لم تعد، فهل بت هنا طوال الأمس؟

أومأ عمران برأسه (أو لعل هذا ما خُيِّل إلى محدثه)، ثم دار على عقبيه يجوب أرجاء المقبرة، ففعل خاطر المثل، ومضى يتفحص الكنوز المحيطة به، قبل أن تلوح منه التفاتة إلى التابوت. بالطبع، نهشته رغبة عارمة في أن يلقي نظرة على تلك المومياء المسجاة داخله؛ ود لو يرى كيف يبدو الموت مصبوغًا بسمت فرعوني. ببطء اتجه نحوها، ورفع غطاءها الذي أصدر نفس الصرير، حتى وقعت عيناه على وجه القناع..

ارتجف خاطر، ارتجف كما لم يرتجف من قبل في حياته؛ ولعل الكل توقع تلكم القصص المكررة.

فقد كانت ملامح القناع أشبه بــ.. بــ.. ملامح عمران!!

***********

سرقت ومضات خاطفة عقل خاطر، ودارت به في رُحى كلمات الأمس:

“إذا انطفأت اعدُ بكل قوتك، ولا تلتفت خلفك، أما أنا فأعرف كيف أتدبر أموري معه”

“بعد اصطدام الوجه بالوجه، انطفأت المبخرة دفعة واحدة، ثم ربتت يد عمران على كتفه تقرضه الاطمئنان:

“انس الخوف؛ فأنا معك الآن. لقد عقدتُ اتفاقًا معه، وصرت المسيطر الأمين هنا”

“نعم، مريض بالسأم من الدور الذي يضلع به منذ آلاف السنين، وهذا يبشر بإمكانية الوصول لاتفاق معه”

“المسيطر الأمين ها هنا”

“صرت الأمين هنا”

التفت خاطر بسرعة إلى رفيقه بالخلف، فوجد جلبابه يتطاير مع نسمات الهواء، وإن تحار من أين للنسمات أن تدخل مقبرة موصدة؟!!

ارتفع عمران نفسه في الهواء بضعة سنتيمترات، ففقد خاطر إحساسه بقدميه.

المسألة أوضح من أن تحتاج لتفسير؛ لقد عقد صديقه اتفاقًا -كما لمح- مع الرصد السائم، فاستراح الطرف الأول من مهام منصبه، وعاد إلى العالم السفلي، بينما تولى الطرف الثاني الراية. وقَبِل أن يخلفه في الحراسة والأمانة.

كل مكان حوله ردد صدى عمران:

ـ نعم، كل ما دار بخلدك صحيح. والآن، يمكنك أن تظل معي يا خاطر، فنؤنس بعضنا في الليالي الطويلة.

راودت خاطر فكرة واحدة.. الفرار!

استعاد بالكاد إحساسه بقدميه، فألقى المبخرة من يده، وأسرع بقدر ما سمح له إعياؤه.

لا يعرف خاطر أصلًا كيف أكمل طريقه، هرولة.. أم زحفا؟

تعقبه الصدى ليدوي في أذنيه:

ـ “انتظر يا خاطر! لن أجبرك على شيء، ما أريده منك هو أن تعيد التفكير، تخيل فقط القوة فوق الطبيعية التي ستملكها، نظير حملك مشعل الأمانة معي في حراسة الجبل، وكما قلت لك: نحن خير من يؤنسا بعضيهما في أسمار الصيف الممتعة. انتظر، بوسعنا أن نصل إلى… اتفاق”

عض خاطر شفته السفلى حتى أدماها، لماذا فعلت ذلك بنفسك يا صديقي؟؟! كيف ولماذا قبلت؟؟!

تعثر عشرات المرات أثناء فراره، في درجات السلم، وأحجار الطريق، وفي ألمه ورثاءه لرفيقه.

ودّع المقبرة بنفس طريقته في العدو، دون اختلاس أدنى التفاتة إلى الوراء؛ فالجبل الآن في عهدة حارس أمين. قد تظن أن الشعوذة والأمانة صفتان لا يجتمعان؟ أنت مخطئ؛ فمعنى كلامك أنك لم تلتقِ عمران.

إنه ابن بلد، وعُجِن من صدق ترابها، حتى وإن لوثته ممارساته المظلمة، نجح أن يحتفظ بجزء نقي، يتشبث به، ولا يتنازل عنه. والآن، أخذه ذاك الجزء النظيف إلى مكان بعيد، ارتحل إليه -ويا للعجب!- بكامل إرادته.

وأخيرًا طالعتْ خاطر أضواء القرية من جديد، هنا سقط.

فقد استنزف كل طاقات جسده، وأغمض عينيه، ليسافر إلى دنيا اللاوعي.

**********

لملم خاطر أغراضه، واستعد للسفر. قاطعه رنين الهاتف، الذي أضاءت شاشته بالكلمة المضيئة المهيبة إياها: (الباشا).

تجاهل الإجابة، ليرد الهاتف -ثانيةً- إلى جيب جلبابه، ثم حمل حقيبته على ظهره، واستقبل بوجهه طريق الرحلة القادمة.

صافح بعينيه كل معالم القرية، بأكثر مما صافحت يده أهله وذويه.

كما تماسك قدر الإمكان وهو يصافح أخيه أمين -بالتحديد- وأسرته، ثم يغتنم قبلة من ابني شقيقه محمد و سارة.

لاحظ أن أحدًا لم يسأله: “لماذا؟”، أو “إلى أين؟”؛ فجميعهم كانوا يعرفون.

*مادة أساسية أخرى من دستور القرية:

ـ يخلو قاموس البلدة من كلمة (أسرار)؛ فهي تحوي كل شيء يتعلق باصطياد الحقيقة، بدءًا من حل الكلمات المتقاطعة، وحتى نبش قبور المجهول.

“لقد استنبطوا سبب اختفاء الشيخ عمران؛ بحثوا عنه في دروب الجبل حيث مقر مهنته المعتاد. علّهم سينتظرون فترة أخرى، ثم يستقبلون العزاء فيه. كما ربطوا أيضًا بين كوني آخر من خرج معه، وأنني أسافر الآن.”

“أغلبهم خمنوا أنني مأمور من رَصَد أن أغادر في صمت، والحقيقة أنني مأمور بالسلطة الجبرية للذكريات.”

حذَّر خاطر كل زملاء التنقيب من الجبل، قال لهم أن الرصد هناك يعرفكم جيدًا، يعرف أسماءكم ونسبكم وعناوين بيوتكم، رَصَد أمين بكل ما تعنيه الكلمة من معان.

عدّل الرجل من وضع ما يحمله على ظهره من حقيبة ثقيلة وذكريات أثقل، ثم غادر.

• من رواية (وراء الحواس).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).