ما بعد (جيش قمبيز المفقود) جـ 2: لغز تاريخي عمره أكثر من 2500 عامًا

كتب: محمد عبد العليم.

لقراءة الجزء الأول.

ارتكب (قمبيز) أعمالًا جنونية مع الفرس وحلفائه أثناء مكوثه في منف، إذ فتح المدافن القديمة، وفحص الأجسام الميتة، وكذلك دخل المعابد، واحتقر التماثيل، كما دخل معبد (كابيري) وهو محرم على كل فرد دخوله إلا للكهنة، وحرق التماثيل بعد أن مثّل بها بطرق مختلفة.

كان قد انتهي من منف واستعد للتحرك شمالًا إلى (سايس) عاصمة (أبسماتيك) الأول ليفعل بها وبمعبوداتها ما فعله بمنف.

كانت فرق من الجيش الفارسي قد عسكرت بالفعل في المدينة عند دخول الفرس مصر، واتخذوا من معبد (نيت) مقرًا وملجأ لهم، مما أوغر قلوب أهل (سايس) على هؤلاء الكفار الذين دنسوا معبد آلهتهم وملأوه بأرجاسهم.

واستعد قمبيز للارتحال إلى (سايس).

وهنا يتوقف الزمن.

دعونا نأخذ صورة ثابتة كما لو كنا ننظر إلى مصر من أعلى لنري كيف تسير الأمور:

منف.. حيث الملك المجنون الكاره بكل كيانه لمعتقدات المصريين، والذي كرس حياته لتدمير ديانتهم والتنكيل بمعبوداتهم.
× الصحراء الغربية قرب سيوة.. جيش جرار من خمسين ألف جندي يقصد معبد آمون حيث مركز الوحي والنبوءات، لتدميره وتسويته بالأرض.

(سايس).. عاصمة العهد الصاوي حيث استقر الفرس بإستهزاء في معبد (نيت) معبودة (سايس) مستعدين لاستقبال ملكهم الذي يستعد للارتحال إليها، ليمرحوا معه بتدمير معابدها كما فعلوا بمنف.

حتي هذه اللحظة فالتتابع الروتيني للأحداث والأمور تجري نحو هدفها المحتوم، لكن فجأة يدخل إلى الصورة شخص ليقلب الموازين ويتغير المسار 180 درجة، في حدث يعد لغزًا من ألغاز التاريخ القديم، والتي حتي الآن لا يجد لها أحد تفسيرًا مقنعًا.

تري منْ هو هذا الشخص؟؟

 (وزاحر رسن).

كاهن شاب من مدينة (سايس) يتبوأ بعض المناصب المدنية في عهد (أحمس) الثاني كما أنه كان طبيبًا بارعًا.

لا يعرف عنه الكثير وعائلته في سايس ليست من الأسماء المرموقة لذا فقد كان شابًا عاديًا، وبالرغم من ذلك نجده فجأة في التاريخ كواحد من حاشية قمبيز بل والطبيب الخاص له مما حدا ببعض المؤرخين اعتباره واحدًا من المتعاونين مع الفرس قبل دخولهم مصر، لكن هذا أمر لا يوجد عليه دليل.

دعونا نقرأ ما كُتب على تمثاله المحفوظ الآن بمتحف الفاتيكان، لنعرف ماذا فعل (وزاحر رسن) الذي كما لو كان يقول لنا بغموض:

– “يا (أوزير) يا رب الأبدية إن (وزاحر – رسن) يضع ذراعيه خلفك لحمايتك فليت روحك تأمر بأن يعمل له كل الأشياء النافعة كما عملت حماية (وزاحر راسن) خلف محاريب الآلهة أبديًا”.

ما الذي فعلته يا (وزاحر راسن) لحماية الديانة المصرية؟؟

لا ندري!

ولكن ما نعلمه يقينًا أن الجيش الجرار الذي قصد (سيوة) لم يصل إلى هدفه ولم يعد مرة أخرى، بل ولا حتى رجع واحد منه ليصف ما حدث للجيش.. لقد اختفى.. هكذا كانتقالك من السطر السابق إلى السطر اللاحق.. اختفى دون أثر.

وُضعت بعض التفسيرات لمحاولة تفسير اختفاء جيش بهذا العدد بكامل عدته وعتاده، أكثر هذه الفروض شهرة وقبولًا لدي العلماء أن عاصفة رملية قوية قد هبت على الجيش فطمرته تحت الرمال.

ولكن يبدو أن هذا التفسير بعيد، إذ أن الجيش اصطحب معه عددًا كبيرًا من الأدلاء الليبيين المتمرسين على طبيعة الصحراء واستشعار العواصف وتفاديها قبل وقوعها.. وأيضًا ما قوة هذه العاصفة التي تطمر جيشًا بهذه الضخامة دون حتى أن يفلت منها واحد فقط، ليصف ما حدث؟

لا ندري!

ولكن الحقيقة الواقعة أن الجيش اختفي بلا أثر حتي يومنا هذا!

نعود مرة أخرى إلى (سايس) التي وصلها (قمبيز) بصحبة طبيبه الخاص (وزاحر رسن) ويدخل معبد (نيت).

بدلاً من أصف لكم ما فعله دعونا نقرأ ما كتبه وزاحر راسن عن هذه الواقعة بنفسه:

– (المقرب من آلهة (سايس) رئيس الأطباء (وزاحر رسن) يقول: لقد ذهب ملك الوجه القبلي والوجه البحري (قمبيز) إلى (سايس) ودخل بنفسه في معبد الآلهة (نيت)، وسجد بخشوع كبير أمام جلالتها كما فعل كل ملك من قبل وقرب قربات عظيمة من كل شيء طيب للآلهة (نيت) العظيمة أم الإله (رع)، ولكل العظام الذين في (سايس) كما فعل كل ملك محسن).

ويكمل وزاحر رسن شارحًا عن سبب فعل قمبيز لهذا قائلًا:
– (وقد عمل جلالته ذلك، لأني جعلت جلالته يعرف عظمة جلالتها (أي نيت) ويعي جيدًا ما تستطيعه أم الإله (رع) نفسه).

ما معني هذا الكلام؟؟

كيف تحول موقف قمبيز هكذا من النقيض إلى النقيض.. الذي كان بالأمس يفحص جثث الموتى وينتهك حرمة المعابد ويقتل الكهنة ويسرق التماثيل، ما بين ليلة وضحاها نجده ساجدًا متبتلًا في محراب آلهة المصريين.

وهنا يتوقف الزمن مرة أخرى.

دعونا كالمرة السابقة نلتقط صورة ثابتة من أعلى لمصر وهيا نري ما فيها.

– منف.. ذات المعابد المهدمة والكهنة المقتولين.. إن (قمبيز) لن يضايقهم بعد اليوم وسيسمح بطيب خاطر بتجديد ما انهدم، بل وسيرسل هدية نفيسة إلى معبد (آبيس) تابوتًا فاخرًا مرصعًا ليدفن فيه جسد (آبيس).

– الصحراء الغربية قرب سيوة.. لا شيء، لا أثر للجيش العرمرم، لا شيء، مجرد صحراء مترامية الأطراف وفي سيوه نفسها معبد (آمون) سليم لم يمس.

– سايس.. بطلب من (وزاحر راسن) أمر (قمبيز) بطرد الجنود المقيمين بمعبد (نيت) إلى خارج أسوار المعبد وهدم خيامهم وإلقاء أمتعتهم خارجًا، وأكرم قمبيز معابد الآلهة وأهدي إليها القرابين والعطايا الجزيلة.

والآن.. ضع الصورتين جوار بعضهما البعض واستخرج الاختلافات.

يبقي أن تعرف أن قمبيز منذ هذه اللحظة أعلن نفسه فرعونًا حسب التقاليد المصرية مؤسسًا الأسرة الـ 27 ولقب نفسه (مستيو رع) -أي المتناسل من رع- وهو اللقب الذي أطلقه عليه (وزاحر راسن).

في عام 522 قبل الميلاد غادر قمبيز مصر متجهًا إلى سوريا لإخضاع أحد الولاة المتمردين، ولكنه مات في الطريق، ويقول بعض العلماء أن قمبيز هو منْ قتل نفسه.

ظلت بعده مصر تحت السيادة الفارسية قرابة 140 سنة، ولم يحاول أي من الملوك التاليين أن يقترب من معابد المصريين أو مقدساتهم، بل على العكس نجد ملوكًا مثل (داريوس) يتقرب لآلهة المصريين وينشيء المعابد ويخلع الخلع النفيسة على الكهنة، وكأنهم يتواصون على ذلك متذكرين ما حل بقمبيز وجيشه في مصر.

والآن بعد قراءة هذه المعلومات السابقة، فلابد أن هناك علامات استفهام كبيرة تلوح فوق هذه الدراسة، أسئلة تظل بلا إجابة.

ما سر كراهية قمبيز الشديدة لآلهة المصريين؟؟!

ما سر نبوءة هزيمة جيش قمبيز ببلاد النوبة، والتي كانت ضربًا من الخيال لما هو معروف عن جيش الامبراطورية الفارسية من قوة وإعداد حسن وتنظيم، لا يستطيع النوبيون مجابهته؟؟!

ما سر اختفاء جيش من خمسين ألف مقاتل بعتادهم وخيولهم وأدلائهم دون أثر أو دليل؟؟!

ما سر التحول العجيب في موقف (قمبيز) من الكره الشديد والعداء الراسخ لآلهة المصريين لنراه بعدها بأيام قلائل خاشعًا ساجدًا متبتلًا في محراب (نيت)؟؟!

ما سر (وزاحر راسن) طبيب قمبيز الخاص والذي كان السبب في تبدل حاله من النقيض إلى النقيض؟؟!

ما سر كلماته الغامضة الباقية لنا على تمثاله بمتحف الفاتيكان، والتي يتحدث فيها عن أنه جعل (قمبيز) يعي جيدًا قوة الآلهة، وما تستطيع أن تفعله؟

هذه ستة أسئلة لستة ألغاز لا يوجد لها إجابة منطقية، تبقي لغزًا من ألغاز التاريخ، ونقطة فارقة في تاريخ مصر على وجه الخصوص.. حيث استمرت الديانة المصرية بعد هذه الواقعة مستمرة في العصور اللاحقة في العهود البطلمية والرومانية وحتى بعد دخول المسيحية مصر، ظلت الديانة المصرية تقاوم وتحاول البقاء بجوار المسيحية على قدم المساواة، حتي الفتح الإسلامي لمصر والذي أنهي وإلى الأبد عصر الديانة المصرية القديمة.

لقد استمرت الديانة المصرية بعد هذه الوقائع لأكثر من ألف عام، رغم أن قمبيز كان قد عقد النية على إنهائها في وقته.

يمكن لكتاب الرواية والقصة أن يجدوا في هذه الدراسة ما يصلح كمادة أعمال تناقش وتحلل هذه الألغاز مطلقين لخيالهم العنان لمحاولة إيجاد أجوبة.. يمكن لكاتب الملاحم الأسطورية أن يتخيل الإجابة بشكل، وكاتب الخيال العلمي أن يراها بشكل، حتى كتاب الواقعية ربما يجدون حلولًا واقعية لها.

ولكنها تبقي في النهاية مادة ثرية يمكن أن تفيد الكاتب أيًا كان توجهه الأدبي.

يتبقي في النهاية أن نشير إلى أن أحد الكتّاب العالميين وهو (بول سوسمان) له رواية مستوحاة من أحد هذه الألغاز عن جيش قمبيز المفقود.

وفي النهاية، أرجو أن أكون قد أحسنت في عرض تلك الدراسة بالشكل اللائق.

وإلى دراسات أخرى إن شاء الله.

دراسات تاريخية.

♦ المصادر:

1- قصة الحضارة       ويل ديورانت..

2- مصر القديمة          سليم حسن..

3- الموسوعة المصرية    مجموعة من الباحثين  وزارة الثقافة..

4- الديانة المصرية القديمة  أودلف ايرما..

5- ديانة مصر القديمة       ياروسلاف شيرني..

6- معجم الحضارة المصرية القديمة..

7- جيش قمبيز المفقود      بول سوسمان..

8- موسوعة ويكيبيديا..

3 تعليقات

  1. Outstanding post however I was wondering if you could write a litte more
    on this topic? I’d be very grateful if you could
    elaborate a little bit further. Kudos!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.