(جومانجي: 1995): فانتازيا لا يبليها الزمن

لم أعرف بوجود هذا الفيلم إلا منذ أشهر، فلما حدثت رفاقي (الأكبر سنًا بأعوام معدودة) عنه، فؤجئت بمدى شهرته بينهم، وأنهم بعتبرونه جزءً أصيلًا من طفولتهم، حكوا لي الكثير عن وقع مشاهدتهم له أول مرة على القناة الثانية .
الجانب المؤسف في موقفي: أنني غبطت استئثارهم بهذه الذكريات.

الجانب المشرق: أنهم عجزوا عن الاستمتاع بالجزء الجديد من الفيلم، الذي قام ببطولته -مؤخرًا- (الروك) و(كيفين هارت)،  اتهموه بـ (تشويه النوستاليجا). أما أنا.. فشاهدت الفيلمين بشكل متتالي، ولا أدين تربطني بالجزء الأول أي ذكريات شخصية، لذلك.. مع كامل احترامي لآرائهم.. نجحت في الاستمتاع بكلا الجزئين. دون التأثر بالحنين والتحيز الغريزي للماضوية.
غير أنني سأخص حديثي هاهنا عن الجزء الأول تحديدًا.

بعد النهاية السعيدة للفيلم، تسائلت:
-ما هو الغرض من الأعمال السينمائية؟
لو أن “إسعادنا” تعد إجابة كافية، فـ (جومانجي) يعتبر أجاد الوصول إلى هذا الهدف، بأبسط الطرق.
تتمحور القصة حول طفل محاصر بالمشاكل، سواء بسبب أقرانه المتنمرين الذين يلاحقونه، علاوة على والده الصارم من الناحية الأخرى.
ثم يجد لعبة لوحية تشبه (بنك الحظ)، مكتوب عليها.. أنها مخصصة لمن يرغبون في الهروب من واقعهم.
ارتكزت الحبكة على أمر بسيط للغاية:
-كلما سترمي الزهر، يحدث أمران، أولهما.. ستتحرك القطعة الخاصة بك، كما سيظهر عبارة تنذر بنوع معين من الخطر يرتبط الغابات (صياد يطاردك/ قطيع حيوانات/ طوفان/ إلخ).
في حالة وصول أحد اللاعبين لخط النهاية، يفترض أن تزول آثار التدمير التي سببتها مخلوقات اللعبة.
توقعت على أقصى تقدير طبقًا للنقطة الأخيرة، أن منزل العائلة سيعود سليمًا إلى ما نفس حالته التي سبقت دخول الطفلين للعبة.
لكن.. فاجئتني خاتمة الفيلم الباسمة بأن كل تداعيات دخول (روبن ويليامز) إلى (جومانجي) سيتم محوها من الجذور.
في المعتاد، لا أحب النهايات السعيدة، التي أشعر فيها بأن طاقم العمل سعى من خلالها بلي عنق الواقع لأجل إرضاء الجميع. غير أن هذا الفيلم كان استثناءًا، آخر دقائق في العمل مست قلبي بحق.
قال الكاتب (أحمد أبو خنيجر):
-لا تقدم عبارات مجانية.
يضيف آخر ما معناه:
-إذا قلت في الفصل الثالث لرواية أن هناك بندقية معلقة على الحائط، فيجب أن ينطلق منها رصاصة قبل الفصل الخامس.
المقصد:
ألا تحتوي الدراما على تفاصيل بغرض الحشو، وإنما يتم الدفع بها كأرضية على أساس استخدامها فيما بعد.
وهو ما فعله الفيلم ببراعة عندما بدأ بتأثير خطأ الحذاء.
لم ينس (آلان) أن يوضح حقيقته للأب، قبيل نهاية الفيلم.
هناك أيضًا علاقة (آلان) بوالده، ليصنع جملة رائعة قالها (روبن ويليامز) للطفل:
-كنت ألوم والدي على طريقته معي، فإذا بي أخاطبك بنفس الأسلوب.

من مميزات الفيلم أيضًا:
-كان من الممكن أن يستسهل الفيلم، فيسير على نفس منوال (أحد اللاعبين الأربعة يلقي الزهر داخل المنزل، فيخرج لهم من اللعبة مطب جديد). غير أن السيناريو استحدث التواءات خارج هذه الدائرة، مثل خروج الصياد وتفاعله مع المدينة، بالإضافة إلى اختطاف الطائر للوحة الجومانجي، فضلًا عن عقوبة الطفل الذي حاول الغش.

********

بدأ الفيلم مطر ورعد، على خلفية مشهد لأطفال يتخلصون من لعبة الجومانجي، بدفنها عميقًا تحت الأرض.
قال أحدهم للآخر:
-ماذا لو وجدها آخرين.
-ليرحمهم الله حينئذٍ.
تسائلت كمشاهد:
-ماذا سيكون انطباعي لو حذف الفيلم بهذا المشهد؟
في الأغلب، كنت سأتململ على مدار العشر دقائق التالية، التي ستجعلني أظن القصة تنحصر في طفل منطوي، يعاني مشاكل اجتماعية مع الوسط المحيط به.
ما فعله السيناريو يمكن أن نسميه (حسن استهلال).

********

لا أدعي أن (جومانجي) كان جديرًا بالأوسكار، أو وضعه في قائمة أهم أفلام في التاريخ. لكنه فيلم بسيط ومبهج.. بوسعك مشاهدته مع أبويك، زوجتك، أطفالك، فيفهم ويستمتع الجميع أمامه بنفس الدرجة.

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.