(جار المقابر): قصص رعب قصيرة

«لا أحد يختار أن يمر فوق أعناق الموتى يوميًا، القدر هو من اختار، فلا تلوموني أنا»

في قصص الحكايات، يحجز دائمًا صفحات مميزة عن بطل يتيم، الآن مضـى زمن الأبطال، وبقى الأيتام فقط.

اسمه مهدي.

وهو ممن تستطيع القرية أن تميزهم عن بعد، بسبب قعقعة عربته الكارو بينما هو قادم، حيث لمعة الشمس على الصلع الخفيف في مقدمة رأسه، طيبته التي تبدو أقرب إلى البـلاهـة بينما يرفع صـوته، قائلًا:

– سلامو عليكو يا حُجيجة.

تصغير حاج، لا يستعمل غيرها لمناداة الآخرين عنـدما يكون منبسـط الأسارير، لذلك -منذ زمـن طويل- لم يستخدمها، فمن قد يملك البال الرائق بينما زوجته في بيت أهلها، وفي حوزتها ابنه الوحيد!

أرسل كل وسطاء الخير، كي ينقلوا تصميمه على:

– أنا متمسك بها، لا يمكن لولدي كذلك أن يكبر بدوني كما -ذبلت عيناه مع إضافته- حدث لي.

المفارقة العجيبة أن زوجتـه متمسكة به بنفس الدرجة، فأين تكمن المشكلة إذن؟

كان ياما مكان، ولد فتى اسمه مهدي دون أن يعرف كلمة “أب”، فقط كلمة “عم”، وبمرور زاد على قاموسه مفردات مثل (حاضر) و(نعم).

تستطيع القول أنه من كان يحمل وحده نصف أعباء العائلة، والأعجب أن قلبه النقي استقبل كل ذلك بمنتهى التصالح. حتى بعد أن ذهب لخطبة الفتاة التي صارت فيما بعد عروسه، وجد نفسه جالسًا أمام أبيها وحده، وفي أزمة الزفاف، ومصاريفه، لو كان يعمل خادمًا لدى عائلة أخرى، لوجد فيهم خيرًا أكثر. هذا هو السبب أن أهل القرية يتعاملون مع (مهدي) على أنه أبله، وإلا فكيف استمر بعدها على نفس محبته لهم، ومناداتهم بـ (أعمامي)!

بنـى بـزوجتـه في بيـت أبيهـا، وأنجب، حتى جـاء الوقت الذي تذمر فيه شقيق زوجته -وهي لحظة كانت قادمـة حتمًا- وسأل عن الوقت الـذي سيعتقد أنه مناسب للمغادرة إلى بيت مستقل.

الحل الوحيد:

أن يطلب نصيبه في منزل العائلة الكبير، فأجابه الأعمام ببساطة:

– تعال وخذه.

انتظر بفارغ الصبر أن يأتي يوم القسمة، لم يصدق نفسه أمام هذه السهولة، وفي الواقع.. كان عليه بالفعل (ألا يصدق).

البيوت في الصعيد تبني من أحجار الجبل، تحت أسقف من جريد النخيل فوقها طبقة الطين، هذه الطريقة هي القادرة على أكثر امتصاص صهد الصعيـد، لكن لا تستطيع تخفيف صهد قلـوب من تحتها. قالوا له أن قطعتـك محجـوزة، تبني فيها بأي وقت تشاء، تلك التي تقع أقصـى ظهر المنزل، وتطل على.. المقابر.

تطل على المقابر تعبير خاطئ، لأن المسافة بينها وبين صفوف الجثمانين المدفونة تقل عن نصف متر، للدقة -إذن- تقع تلك المنطقة “داخل” المقابر.

جال بخاطر مهدي، أن يستسمحهم في منحه منفذ أو ردهة إلى الشارع الجانبي، لكنه استحى، فأبلغهم من خلال أقارب مشتركين، رد عليه الوسطاء مسبقًا بنظرات مرثية، تبوح بما معناه:

– إذا كانـوا لم يعتـبروك منهم يومًـا، هل يمنحونك مترًا واحدًا من أرضهم؟!

زوجته الباسلة تقبلت الوضع، وعادت إلى المنـزل، حاولت أن تنظر للموضوع من زاوية أن: جوار الأموات خير من مثل هؤلاء الأحياء.

عائلة رضوان التي تسكن قبالته، أتت بجرافات وسوت المقابر لتوسع لنفسهم شارعًا، قيلت المعلومة لمهدي على سبيل الاقتراح، فاقشعر جسده لمجرد تخيل الصورة.

– أوه يا عمو.. عمو.. لقد صدمتنا أثناء مرورك.

كبح مهدي خطواته، والتفت إلى الصوت المباغت الذي استوقفه بصيحات طفولية لحوحة.

وما إن أكمل استدارته حتى انتبه أنهم طفلان.. بل ثلاثة.

صبيان وفتـاة بملابس نظيفة وملامح جميـلة، شيء

مختلف تمامًا عن دأب أطفال القرية الذين يكادون يقدسون الاتساخ.

– ماذا تقولون يا أولاد؟! لقد كنت منتبهًا جيدًا، أثق أن هذا لم يحدث.

قلب أطولهم قامة شفتيه بحزن، وكرر كأنه لم يسمع:

– صدمتنا وآلمتنا كثيرًا.

كانت كتفا مهدي ترسمان رقم  ثمانية، من الهموم التي تراكمت عليهما، لكن السمت الملائكي الذي يشع من ملامح الأطفال مس الوتر الأكثر حساسية داخله، فعبثت أنامله داخل جيبه، تصطاد بعضًا من الحلوى التي كان يدخرها لابنه في المنزل.

– إذن حقك على رأسي، يا سيد عمو.

دس الحلوى في أيديهم وانصرف، فبانتظاره طريق أوعر من الشوك، ويرغب في التعجيل بهذا البلاء بدلًا من انتظاره، وهل يوجد طريق أوعر إلى منزلك، من أن يكون طريق المقابر.

– ما الذي أجبره على هذا المر؟!

أودع عربـة الكـارو في حظـيرة أعمامه، ثم خرج ليدور إلى منزله على الناحية الأخرى، حان الآن موعد قشعريرة كل يوم.

عشر خطوات تفصله عن المنزل.. قبر كبير يدل على أنه لرجـل ضخم الجثـة.. سبع خطـوات.. وبقـايا شاهد قبر يدل على أنه لامرأة تقريبًا.. ليس واثقًا..

تبقت أخيرًا المرحلة الأصعب.. قبور مبعثرة بغير  ترتيب مستقيم لا يزيد طولها عن المتر..  أي تشـي بوضوح أنها لأطفال.

لاحظ مهدي تفصيلة أخيرة جمدت الدماء في عروقه؛ ثلاث قطع حلوى مغروسة وموزعة على ثلاثة من القبور الصغيرة.

نفس ألوان القطع التي أعطاها للصبية منذ قليل.. الآن فقط علم مهدي:

– لماذا لم يتعرف الصبية رغم صغر القرية، وأن كل أهلها يحفظون بعضهم البعض صغارًا وكبارًا!!

– فهم كيف يؤكد الصبية أنه صدمهم أثناء مروره،

الآن فهم أين يقصدون أنه فعل!!

تحدرت دمعتان على وجنة الرجل، حتى أخذتهما الجاذبية في رحلة سقوط حر، حتى وصلا إلى الأرض.

انحنى عنق مهدي وهو يطرق برأسه إلى الأسفل بحزن، ويجد نفسه يتابعهما.

فجأة، لاحظ – حيث حطت الدمعتان أسفل قدميه- كتابة خطت على الأرض بحروف ساذجة، كطريقة صبي في مطلع تعلمه للكتابة، هي بالتحديد بضعة حروف تقول:

– لا تؤلمنا، اعبر برفق.

 (تمت)

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).