الإثنين , سبتمبر 16 2019

ثلاث لوحات إعلانية.. خارج إيبينج.. ميزوري..

• ملحوظة: المراجعة تحتوي على حرق كامل للأحداث (أو لا تحتوي، لا أعرف بالضبط! لماذا؟ ستعرف حالًا!).

فيلم اليوم هو الفيلم الحائز على الأوسكار Three Billboards outside Ebbing, Missouri أو (ثلاث لوحات إعلانية، خارج إيبينج، ميزوري).

عنوان الفيلم طويل، وغريب، ولكنه مرتبط بالأحداث بشدة، كيف؟ سنرى حالًا.

بادئ ذي بدء، الفيلم ليس لكل المشاهدين. لا أعني بذلك أنه يحتوي على مشاهد جنس أو عنف، ولكن لن يتذوقه الجميع.

أغلبية المشاهدين ستجده مملًا، وربما لا يكملون الأحداث، ولو أكملوها قد يلقون بالمنفضة السجائر على الشاشة!

هذا فيلم مهرجانات بامتياز وليس فيلمًا جماهيريًا كما اعتدنا التصنيف دائمًا، وكأن النقاد لهم أعين وعقول مختلفة عن باقي البشر، أو هم مجرد حفنة من المتحذلقين، أمثال نقاد الفن السريالي، الذين يجدون عمقًا غير مسبوقًا في لوحة رسم في وسطها دائرة سوداء، فيعودون مترًا للوراء، ثم ينتزعون عويناتهم، ويهرشون في رأسهم الأصلع قليلًا، ثم يقولون في انبهار منقطع الأنفاس: رااااائع!

نعود مرة أخرى للفيلم. الفيلم من بطولة فرانسيس ماكدرموند والتي حازت على الأوسكار أحسن ممثلة عن دورها في الفيلم، وهو دور ميلدرد، سام روكويل وقد فاز بالأوسكار هو الأخر عن دور ديكسون كأحسن ممثل مساعد.

تم ترشيح الفيلم لجوائز الأوسكار الأتية: وودي هاريلسون كأحسن ممثل مساعد، أحسن سيناريو، أحسن مونتاج، أحسن موسيقى، وأحسن فيلم عن 2017. إذن الفيلم حاز على جائزتين أوسكار أحسن تمثيل، وترشح لخمس جوائز أخرى. الفيلم من تأليف وإخراج مارتن ماكدوناه.

أحدث الفيلم تدور في مدينة صغيرة هي مدينة إيبينج في ولاية ميزوري الأمريكية، وهي من طراز المدن التي يعرف جميع سكانها بعضهم البعض.

تبدأ مشاهد الفيلم حيث تقود ميلدريد سيارتها عائدة لمنزلها عندما يقع بصرها على ثلاث لوحات إعلانية كبيرة على الطريق. اللوحات لا تعرض شيئًا وفي حالة رثة. هنا تخطر لها الفكرة، فتذهب مباشرة للشركة المالكة للوحات وتطلب إيجار اللوحات لمدة عام، وتدفع إيجار شهر تحت الحساب.

تسلم ميلدريد صاحب الشركة ورقة كتب عليها الكلام الذي ستعرضه اللوحات، وتنصرف. بعد ذلك، نرى أن اللوحات تعرض الأتي: تم الاعتداء عليها، واغتصبت، وحرقت حتى الموت، وبعد ثلاثة شهور لا يوجد عملية قبض واحدة، لماذا يا ترى أيها المأمور ويلوبي؟

هنا تبدأ القصة تنكشف للمشاهد، ميلدريد هي الأم المكلومة لفتاة في الخامسة عشر من العمر، والتي عانت مما ذكر على اللوحات الاعلانية. لقد قتلت الفتاة حرقًا بعد اغتصابها، ولا يوجد متهمون حتى الأن.

بالطبع، تثور ثائرة المأمور ويلوبي، والذي لعب دوره ببراعة منقطعة النظير وودي هاريلسون، وقسم الشرطة بأكمله ويساندهم في ذلك بعض سكان المدينة، الذين يشعرون أن المأمور لا يستحق هذا التشهير.

بينما البعض الأخر يشعر أن المرأة تستحق العدالة. خاصة، والمأمور مريض بسرطان البنكرياس في مراحله الأخيرة، ويستحق أن يغادر العالم بشرف، مما يبرر بعض التعاطف من بعض السكان.

تبدأ الضغوط من الشرطة ومضايقات أهل البلدة المتعاطفين مع المأمور ليجبروا ميلدريد على إزالة اللوحات. المشكلة أن ميلدريد ليست شخصية لطيفة، مهذبة، بل هي من النوع الذي لا يتقبل الإساءة من أي شخص، مهما كانت الإساءة تافهة! لذا، فقد كانت المشاهد رائعة طوال الفيلم.

تتصاعد الأحداث في وتيرة هادئة للغاية، والواقع أن المأمور بالفعل لم يجد أي أدلة تشير لأي متهم، فالمادة الوراثية المستخرجة من الجثة لا تتطابق مع أي شخص في قاعدة المعلومات. ولكن ميلدريد مقتنعة أنه يجب أن يبذل مجهودًا أكبر للوصول إلى الجاني.

يطلق ويلوبي النار على رأسه، بعد أن يترك خطابًا لميلدريد، يخبرها فيه، أنه قتل نفسه بسبب السرطان وليس بسببها، وأنه بالفعل لم يدخر وسعًا ليعثر على القاتل، ولكن قضية ابنتها من نوع القضايا التي لا يمكن الوصول فيها للجاني.

وبعد خمسة أعوام يسمع أحدهم شخص ما يتفاخر بما ارتكبه فيتوصلون اليه، وهو يرجو بشدة أن تكون قضية ابنتها من هذا النوع. ولأن ميلدريد كانت تكافح لتدبير باقي إيجار اللوحات، فقد ترك لها ويلوبي ملاحظة تقول لقد دفعت الإيجار عن الفترة القادمة، أعتقد أنه سيكون من المسلي أن يضايقك السكان بشأنها خاصة بعد أن قتلت نفسي، هاها، لقد انقلبت الدعابة عليك!

يترك ويلوبي رسالة أخرى لمساعده ديكسون الذي يبدو أبلهًا قليلًا، يخبره فيها أنه متأكد من إمكانياته وأن باستطاعته حل القضية. ديكسون ليس أبلهًا فقط، ولكنه أيضًا عنصريًا، يكره السود والشواذ، ويعبر عن كرهه بعنف تجاههم، حتى أنه يتم فصله بعد ضربه لصاحب مكتب الإعلانات الشاذ.

ولكن خطاب ويلوبي يوقظ شيئًا بداخله فيحاول فتح القضية مرة أخرى وحده. يقوم شخص ما بحرق اللوحات الاعلانية، فترد ميلدريد بحرق قسم الشرطة بعد اغلاقه ليلًا، دون أن تدرك أن ديكسون بالداخل، ليصاب ويدخل المستشفى في نفس الغرفة التي فيها صاحب شركة الإعلانات الذي ضربه في اليوم السابق!

يخرج ديكسون من المستشفى، وبينما هو يجلس في الحانة، يستمع إلى اثنين من الغرباء، بينما واحد منهما يتفاخر بما فعله بفتاة في الغابة، ويصف نفس ما تعرضت له ابنة ميلدريد، فيفتعل معه ديكسون مشاجرة، ليحصل على عينة من جلد وجهه تحت أظافره وعلى رقم سيارته، ليأخذ العينة للفحص.

ما المشكلة اذن؟ المشكلة أن نتيجة العينة سلبية! هذا ليس الرجل الذي قتل ابنة ميلدريد.

يتصل بها ديكسون وبعد نقاش قصير، يقررا أنه حتى لو لم يكن هو القاتل، فديكسون متأكد أن الرجل ارتكب شيئًا فظيعًا، وأنه يجب أن يدفع الثمن، فيأخذا السيارة ليتوجها لعنوان الرجل. وهما في السيارة، يسألها هل تظن أننا يجب أن نذهب لنفعل ذلك؟، فتجيبه قائلة أمامنا طريق طويل لنقرر!. ثم ينتهي الفيلم!

المشاهد لن يعرف من قتل ابنة ميلدريد، المشاهد لن يعرف سيذهبان ليقتلا أو يعذبا ذلك الرجل أم لا، المشاهد في الواقع لن يعرف أي شيئ! لذلك أخبرتك في البداية هل المراجعة فيها حرق للأحداث ام لا، أنت لن تصل على أي شيء في النهاية! قرر بنفسك ما الذي سيحدث!

الواقع أن أداء ماكدرموند وروكويل وهاريلسون يستحق الأوسكار بكل تأكيد! لقد كانت المشاهد التمثيلية بينهم عبارة عن سيمفونية متكاملة النغمات!

أما شخصية ميلدريد فهي من أكثر الشخصيات التي تثير بداخلك اعصارًا من المشاعر! أنت متعاطف بشدة مع تلك المرأة التي فقدت ابنتها بطريقة بشعة، وتركها زوجها من أجل فتاة أصغر سنًا، ولأنه لم يتحمل ما حدث لابنته، ويحملها الذنب في ذلك.

وبين مشاعر عدم احتمال تلك المرأة الفظة الغليظة التي تسب طوال الوقت ولا تتمتع بأي كياسة في التعامل مع الناس.

بالطبع، لن يتسيغ العديد من المشاهدين مجرى أحداث الفيلم. المشاهد بطبعه يريد نهاية للقصة، وهو ما لم يعطه إياه ماكدوناه، وكأنه يريد ان يخبرنا أن الحياة لا تعطينا دائمًا الإجابات التي نبحث عنها. لذلك احداث الفيلم تقترب من الواقعية بشكل مخيف.

في النهاية الفيلم ممتع لمن يحبون مشاهدة أداء متميز، وبعض الأفلام التي تبعد عن المؤثرات البصرية وأفلام السوبرهيرو، فالفيلم ايقاعه هادئ للدرجة التي قد تصيب البعض بالملل، ولكنني استمتعت به!

تقييم الفيلم على موقع IMDB هو 8,2.

عمر فتحي دسوقي

عن عمر فتحي

طبيب وروائي مصري، من أعماله: انتقام ميت، دعوة للموت، أنفاس الشيطان.