«محمد صلاح فضل» يكتب: (ثانية مكيفة)

بدت الفكرة برّاقة منذ البداية، أن تشرع في عملٍ من أعمال (محفوظ) طوال ساعات سفرك لمدينة أسوان حيث من المفترض أن تستمر الرحلة حوالي (١٤) ساعة، وهو ما حسبته الشيء الوحيد المقرف الذي سيواجهني، لكن سرعان ما تبددت فكرة القراءة عمومًا وخاصة أية عملٍ لمحفوظ، حيث أن الرواية التي يخطّها القدر أمامي لأعاينها بدت مثيرة بشكل مقرف للغاية، حيث اكتشفت لأول مرة أن القطار محلًّا لبيع كل الأشياء، أظنه لو كان محلًا فعليًّا لنقصت عنده بعض الصنوف، لكن القطار متجدد بطريقة تجعلك تتساءل:- طالما هناك سوق يوم الجمعة وسوق يوم الثلاثاء وغيرهما، لِمَ ليس هناك سوق القطار على كل هذه البضاعة المعروضة؟

رفعت رواية (محفوظ) إلى مستقرّها في الحقيبة القديمة التي شهدت رحلات قطارات ألطف من تلك!

على أيّة حال، استقبحت عدم تحسّبي لهذه المدة الطويلة من السفر دونما سندوتشات الرحلات، فاشتريت -بعد معافرة مع الصيام داخل العربة رقم (١٢)، حتى وصل بائع السندوتشات- اشتريت ثلاثة سندوتشات يؤخذ كُلِّ واحدٍ منهم على قضمتين أو بالأحرى قضمة ونصف، بعدما استطاع البائع أن يقنعني ببضاعته الغير صابحة بنداء وحيد “سندوتش” لأمد يدي أمامه مباشرة حتى أنه ظنّني أستجدي حوافظه، على كلٍ تهلل الرجل أنه وجد شابًا قاهريًا جائع، وشباب القاهرة لا يصبرون على جوع.

فرغت من وجبة لم أتبينها، وانهمكت في حديث مشوّق مع جندي يقضي خدمته ولم يمر منها سوى شهرين، الرجل استلطف الحديث معي، وفاض بكل ما يضايقه، وكذا كل ما ينفع زوّار القاهرة من إرشاد، فقط حتى علم أنني قد تحصلت على إعفاء من الخدمة، تحوّل الرجل إلى مقاتل فايكينج وقال بامتعاض تشوبه شفقة “ربنا بيحبك يا بني”، وبعدها غادر لما اشتريت أول عسلية، وهو يحادث نفسه معاتبًا عن تلك الصدفة الهباب قائلًا: “ليه كدا يا رب”.

لا أخفيكم سرًا، شباب مركز (الواسطي) الذين انضموا للركب مبكرًا، لقد هوّنوا الكثير والكثير من الوحدة بغضّ النظر عن أصوات مضغهم الطعام التي أسمعت أصدقائي في عربة الدرجة الأولى، وبغض النظر عن ذلك الشاب الذي أخبرني صراحة أنه لا يستطيع الجلوس إلا رافعًا إحدى ساقيه على المقعد الذي أمامه، ومن بعدها قال بخجلِ عذراء “ما تلف الكرسي يا نجم عشان أحط رجلي”.

المرة الثانية حيث اشتريت العسلية، كنت أفاضل بينها وبين الكنافة وبين السكّر الجلّاب، واخترتها لأنها مغلّفـة ولما رحـل البائـع كانـت مفتـوحة من إحـدى

الناحيتين، لكنني أحببتها جدًا.

أصدقائي في قطار الدرجة الأولى لأن التذاكر نفـدت على حظهم السيئ، حسدّتهم لأن أولئك الذين يركبون القطار متأهبين لدفع تذكرة مصحوبة بغرامة داخل العربة -إن صادفهم مفتش التذاكر- لا يغامرون بركوب عربات الدرجة الأولى، لكن أولئك الناس ظهر أنهم قد غامروا بذلك بالفعل، بالإضافة لمقاعد الأصدقاء قبالة باب الحمام، فأحببت موقعي في سوق القطار جوار شباب (الواسطى) الذين لا يراعون الله في أذني بطعامهم الذي لم ينقطع ولا بهزرهم المُريب.

بالطبع تعرفون الصورة المعهودة عن بائع زجاجات البيبسي وجردله الشهير، تغيّرت العبوات إلى العبوّات الصفيحية، وربما أتفهم وجود حوالي ستة بائعين للشـاي فقـط في العـربة (١٢) لأنهـا الأخـيرة مركـز

الراحة. كل هذا ولا يزال يتبقى من عمر الرحلة حوالي خمس ساعات.

لو لم يخرب عقلي، أو تذوب أذني، أو إن لم يتعرّضوا لي بأذى سأوافيكم ببقية التفاصيل.

“يابني، كفاية شيبسي بقى فشـ***ـي”.

لا أعرف ما مدى علاقتي الخفيّة بمركز (كوم أمبو) ليجلس جانبي طوال الرحلة أربعة من تسعة أشخاص كانوا من المركز، وكلهم مُبيّضي محارة، ومن الواضح أو الذي اتضح لي خلال الجلسات أن أبناء المركز يكنون حبًّا جمًّا للسمك، حيث كلهم أجمعوا أنه يتوجب علي أن آكل ما أقدر عليه من سمكِ أسوان، أو إنهم جميعًا أقرباء بطريقة ما لأشهر بائع سمكٍ هناك، على كلٍ أنا أحب السمك، تمامًا كالعسلية.

(تمت)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.