(ثالثة سياحة): سهام محمد

ينهب الأرض الخضراء الممتدة على جانبيه، مسرعًا في طريقه مع صوت عجلاته الحديدية الرتيب وصافرته التي تشق الصمت كل حين، معلنًا عن وجوده نازحًا الهواء مخترقًا ما قد يعترض الطريق.

يقف عند الباب مستندًا وسط مجموعة من شباب تتباين أعمارهم وتتفاوت درجاتهم الفكرية وإن كانت تتشابه مستوياتهم المادية التي جمعتهم في عربة قطار تحمل ترميز (ثالثة سياحية)، حيث تختلط الأصوات بين رتابة العجلات وثقلها وصياح الباعة أثناء انتقالهم من عربة لأخرى مع همهمات الركاب الجلوس منهم والوقوف مكونة سيمفونية من الصخب الرتيب الذي يبث الخدر في عقله فيدفعه لغفوة بين حين وآخر.

ينبعث صوت صاف من زمن مضى، مخلوط بتشويش ينم عن قدم الجهاز الآلي الذي ينبعث منه أو عن رداءته قادما من العربة المجاورة ينسل برقة بين تلافيف عقله النعس فيحيي ذكري بعيدة له.

(دكانة الأسطي شطا الإسكافي) لافتة كبيرة فوق محل صغير مكتظ بالزبائن على مدار اليوم، يجلس به رجل تبدو عليه الطيبة الممتزجة بالرضا يصلح نعلا وهو يدندن مع أغنية تصدح من مذياع على رف معلق، وحين تأخذه الجلالة والسلطنة يعلو صوته مع اللحن فيصيح الزبائن باستمتاع (الله، سيدي يا سيدي).

بينما هو طفل صغير يلعب بدميته ألعابًا صبيانية، يدفع عنها أشرارًا مجهولين بمسدسه الخشبي ويصارع أعداءً وهميين لحفظ الأمان للبيت والدكانة الملحقة به، يسمع صوت أمه على فترات من داخل البيت وهي تصيح في إخوته من البنات (بالتشهيل) في أعمال المنزل وترك الوقوف أمام المرآة، أو عدم التطلع من النافذة حتى لا يرى أخوه الأكبر إحداهن فينالها العقاب ويـ…

مال رأسه على صدره فأفاق من غفوته، مازال واقفًا بين رفاق العربة، وجدهم يسخرون من شاب جديد.. طالب في السنة الأولى يتساءل ببراءة المستجدين عن أول محطة قد يفرغ فيها القطار ليلحق بمقعد شاغر بدلًا من الوقوف طوال الطريق، ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية لمَا يردده الشباب من دعابات على ذلك الشاب، جال بعينيه في رحاب العربة التي لم تكن رحبة بل مكدسة بالأجساد البشرية المتعددة الألوان في ثيابها.

تمتص العربة هذا الصخب اللوني برماديتها الكئيبة وألوانها الشاحبة كخلفية لهذه الألوان فتعطي لوحة مضببة كئيبة ولكنها مريحة للعين، وجوه كثيرة مترقبة تنتظر الوصول، وبين جميع الوقوف يوجد مربعان متجاوران بهما بعض مقاعد شاغرة ارتفع فوقهما لافتة صغيرة كتب عليها (شرطة القطار، ممنوع الجلوس)، يجلس تحتها رجال ذوو بطون مثل امرأة آن أوان مخاضها يلعبون بأوراق (الكوتشينة)، ويتضاحكون فتبرز أسنانهم الصفراء ويخرج دخان السجائر من أفواههم، تجول أعين بعضهم على أجساد الفتيات الواقفات فيتغامزن فيما بينهم، ابتعد بنظره عنهم مرسلًا إياه إلى نهاية العربة حيث تظهر العربات المكيفة المغلقة الأبواب.

عاد ببصره إلى محيطه فجذب انتباهه رجل مسن يرتدي قميصًا وسروالًا غير مهندمين، مريب النظرات مشتتها، يسيل لعابه كل حين فيمسحه بيده بينما يقص لمن يجلسون معه في مربعه عن حروب خاضها لم يسمع بها أحد من الشباب الجالس أمامه، إما لجهلهم بالتاريخ أو لإضافته تفاصيل من عنده عما واجهه شخصيًا.

«كنا في حرب اليمن الرصاص حوالينا زي الرز محدش عارف مين بيضرب في مين و لا احنا بنحارب ليه كنا بنفذ التعليمات أنا وزمايلي، كنا غلابة قوي، إنت عارف البلد هناك كلها جبال مش زي هنا ولم كنا بنجوع كنا نصطاد التعابين وناكلها، كنا بنام في تجاويف في الجبال شبه الكهوف كدا، عارف كمان…».

تسلل الخدر إلى عقله وثقل جفناه -لمح فتاة تجلس بجوار المسن وهي مشدوهه لحديثه- أغمضهما… كانت تجادل المحاضر بقوة تنم عن جرأة وذكاء، أعجب بها كثيرًا، حاول مرارًا التحدث إليها ولكنه دائمًا ما يبتعد في اللحظة الأخيرة، سقط منها دفتر المحاضرات فالتقطه، مدت يدها إليه مبتسمة، اضطرب، احمرَّ خجلًا، تلعثم وهو يمد يده إليها به قائلًا :

– تفضلي، أعجبت كثيرا.. لقد كنتِ .. المحاضرة …

اتسعت ابتسامتها وذهبت.

«جاتلنا الأوامر إننا ننتقل من المنطقة (ج) للمنطقة (ب)، والتحذير من إن العدو يشوفنا».

انتبه من غفوته على صوت المسن، ومازال الصوت النقي يأتي من العربة المجاورة، عائدًا من مدرسته، يجلس والده في الدكانة صامتًا -رغم علو صوت المذياع بأغنيته المفضلة- طيبًا كما كان و لكن ترتسم على وجهه أمارات الحزن و القلق من المستقبل، لقد كسدت تجارته بعد قيام الدولة باستيراد الأحذية من الخارج، لم يعد يأتيه إلا ذوو الأقدام الكبيرة الذين لا يجدون مقاساتهم في المحلات ذات الواجهات الزجاجية وهم قليلون .
«عسلية، سمسية لوووووز، الأربعة بجنيييه».

أفاق من غفوته مشوش الذهن، تابع بعينيه البائع وهو يلقي بضاعته على أرجل الركاب، والسيجارة تدلى من فمه، معلَّقة بين شفتيه من جانب فيهِ، مادًّا عقيرته ينادي على بضاعته حتى يجذب إليها أنفس الناس فيشترونها، اقترب من مربع شرطة القطار فأخرج عشرة جنيهات وقبلها ثم أعطاها لأحد الجالسين بالمربع، فضربه أحدهم على نهاية رأسه (قفاه) جاذبًا السيجارة من فمه قائلًا:

-«متعرفش إن التدخين ممنوع في القطار يا …».

أشار له أن يذهب ثم دس السيجارة في فمه وسط ضحكات زملائه، انطلق بصره مع البائع لآخر العربة حينما انفتح باب العربة المكيَّفة، خرج منها (كمسري) القطار بجانبه مبتسمًا للركاب الجالسين بالعربة المكيفة متمنيًا لهم سلامة الوصول، ثم أغلق الباب وبصق عليه، نظر حوله بحدة للواقفين بين العربتين وبدأ يسألهم بقسوة عن تذاكرهم .

مازال المسن يحكي عن حربه فأصغى إليه بعد أن استعاد جزءًا من صفاء ذهنه..

«كان فيه طيارات في الجو عمالة ترمي قنابل، وجاي من بعيد جمال عليها جنود ماسكين بنادق ومن الناحية التانية كام دبابة وعربيتين جيب والكل بيضرب في كله، كان اللي بيموت من صحابنا مبنلحقش ناخده معانا ولا حتى ندفنه، جالنا الأمر فجأة “اضرب” ، فنرد “تمام يا فندم” ، ونفتح الذخيرة ونضرب المهم إننا منضربش مصريين زينا، وفي وسط المعمعة دي أنا كنت “محسور” هاموت وأروح الحمام -ضحك الشابان الجالسان أمامه – آه والله زي ما بقول لكوا كدا، وأقول لنفسي عيب إنت في حرب، بس مش قادر ومرضتش أعملها مطرحي زي زمايلي ما بيعملوا، أنا غلبان آه بس ابن ناس برضه، قلت مبدهاش سبت زمايلي بيضربوا وقمت أروح ورا صخرة، وهوب لقيت نفسي بطير في الهوا وأقع على وشي، أبص ورايا ألاقي زمايلي النار آيدة فيهم، كلهم ماتوا والدم مغرق الدنيا وفيه كام واحد بيصوتوا ويجروا والنار ماسكة في هدومهم وجسمهم جريت علشان أطفيهم كانوا على الأرض بيفرفروا مش عارف أروح لمين أنقذه ، ماتوا كلهم، و أنا واقف مش عارف أروح فين ولا أعمل إيه، اتلاقيت الأوامر لسه جاية من اللاسلكي “اضرررب”، جريت وهدومي مبلولة أدور على اللاسلكي اتلاقيته في كف دراع مقطوعة فشديته منه وقلت: “تمام يا فندم”»
عند هذه النقطة من السرد تذكر العجوز أنه يريد إفراغ مثانته فورًا فقام منزعجًا يشق طريقه بين الواقفين بحثا عن مكان يصلح في القطار كخلاء، وعندما اشتد به الأمر صاح قائلًا:

– أوامر معاليك يا فاااندددددمممم.

نظر عبر الباب المفتوح للحقول الخضراء التي تجري أمامه وهو يعلم جيدًا أن القطار ليس به مرفقٌ للمياه يصلح للاستخدام الآدمي، تعبت قدماه من طول الوقوف، حاول تغيير وقفته حينما تنامى إلى سمعه ضجيج مشاجرة، كان أحد الشباب عالقًا بين رجال يتدافعونه كدمية في أيديهم، وبعض ركاب القطار المسنين يستسمحونهم بأن يتركوه، عند رؤيته السلاح المتدلي حول خاصرة كل منهم تذكر مسدسه الخشبي وهو صغير.

تهامس الركاب بما حدث وجاءه الخبر إنَّ أحد هؤلاء جذب فتاة من ملابسها فثار هذا الشاب عليه، عندما علم الشباب الواقفين جواره حقيقة ماحدث اندسوا بين الركاب الواقفين شاقين طريقهم إلى المشاجرة ليدعموا هذا الشاب، تابعهم ببصره وتذكر زميلته فأخرج من جيبه ورقة وقلمًا، خطَّ عليها ما جال في خاطره، عله يوما ما يعطيها لها.

سيدتي ..
هذا العصر ملعونٌ لمَا فيه
فأردت أن أكون لعنتك
وتكونين لعنتي ..
نتحدى معًا مآسيه.
أجل، قاسية هي الدنيا
فلنجعلها تبتهج ..
ونغير في الزمن معانيه

جاء قطار معاكس، فأبت الريح أن يخط كلمة أخرى جاذبة ورقته مرسلة بها عبر الباب المفتوح ، محلقة فوق الحقول الخضراء التي تنتهي بشواهد القبور، متعلقًا بصره بها فاغرًا فاه، ولكي يدافع عن حلمه متمسكًا به قرر القفز.

                                                                                سهام محمد

دمياط- 8/2/2014م

عن لأبعد مدى