تساؤلات الأحلام (1)

♦ كتب: بول ديفيز.

♦ ترجمة: عبد الحفيظ العمري.

في يوم 30 نوفمبر 2009 م، أجاب (روبرت ستكجـولـد Robert Stickgold ) –بكـرم حاتمي- أسئلة واسعة النطاق عن الأحلام والنوم في البرنامج الذي عرضته قناة (نوفا Nova).

س: هل هناك أي حقيقة في الأحلام كونها نافذة “لعقلنا الباطن”؟ ولعل السؤال يجب أن يكون: ما هو مستوى الوعي المعبر في أحلامنا؟ هل لأنها “تمثل” كل شيء من مشاعرنا ومزاجنا ومواقفنا؟

س: هل أفكار فرويد في الحلم لا تزال سارية المفعول بين الاكتشافات العلمية الجديدة؟

ج: الإجابة على هذين السؤالين معًا، أقول أن فرويد كان على حق ربما 50 في المئة وبنسبة 100 في المئة على خطأ! قدم ملاحظات جيدة جدًا عن الأحلام، لكنه حاول بطريقة صعبة جدًا أن تكون ملائمة لنموذج يبدي احتمالًا ضئيلًا في أن يكون صحيحًا. وعلى الرغم من ذلك، فالأحلام يمكن أن تكون بمثابة نافذة لعقلنا الباطن.

في المثال الأكثر تطرفًا، عملنا دراسة عن المصابين بالنسيان Amnesiacs الذين يخبرون عن أحلام لأنشطة قبل النوم (Playing Tetris) بأنهم ما كان عندهم ذاكرة واعية، لكن بشكل عام أعتقد أن أحلامنا مبنية ضمن شبكات من الذكريات المرتبطة بما هو عادة لا نصل إليها مباشرة، والتي بالتالي قد تعكس المشاعر والمزاج، والمواقف التي لم يكن لدينا عادة وصول واعٍ مباشرة إليها. لكن الرغم من  ذلك، أعتقد أن الحلم هو أيضًا يبحث عن طرق جديدة لربط هذه الشبكات المتجمعة، وأنه ليست هناك مشكلة بالنسبة للدماغ إذا كان بعض أو حتى معظم هذه الاستكشافات يجري حتى نهاية عديمة الفائدة أو خاطئة بوضوح، حتى أنها بعيدة كل البعد عن المراهنة بيقين من أن أي اتصال أو عمل أو التفكير في تنفيذها في حلم واحد هو أن يتلاءم واقعيًا مع مشاعرك ومعتقداتك.

س: أقترح أن الأحلام تقوم بالمعالجة بطريقة تساعد في حل نزاعات عاطفية؟ كيف تقوم بذلك؟

ج: هناك وجهان لهذه المسألة، من منظور التحليل النفسي (على سبيل المثال، الفرويدي)، فإن فعل تذكر الأحلام في الصباح، ثم محاولة فهم القضايا العاطفية التي تبدو مرتبطة بها يمكن أن تساعدك على فهم الصراعات العاطفية على نحو أفضل، من هذا المنظور، فإن كنت تستخدم هذا النوع من الحلم وكأنه اختبار شخصية رورشاخ Rorschach، مما يساعدك على تحديد الصـراعات العاطفية التي قد لا تكون مدركها واعيًا، لكن من منظور أكبر في علم الأعصاب، الصراعات العاطفية هي مجرد واحدة من عوالم الذكريات التي تتم معالجتها حين ننام ونحلم، إلى حد كبير من خارج الإدراك الواعي أو المقصود.

من هذا المنظور، فالنوم يتيح الوقت حيث الدماغ يمكن البحث ويحدد ترابطات مفيدة بين الذكريات العاطفية التي شُكلت حديثًا وقديمًا، مما يساعد على وضعها في سياق أكثر فائدة، الذي منه البت فيها قد يصبح بسهولة أكثر وضوحًا.

س: النـاس يقولون أن الأحلام ليست سوى انعكاسـات لما نفكر به أكثر خلال اليـوم، فهل هذا صحيح؟

ج: لا، الأحلام تتراءى أكثر لما يظنه الدماغ الأكثر أهمية. جدليًا، يمكن أن يكون ما قضيت معظم اليوم في التفكير به، ولكنه ليس ملزمًا، ثمة أمر بسيط سيكون حدثًا غير مُتوقع ولكنه عاطفي جدًا وقع قبل فترة وجيزة من نومك، فأنت أكثر ميلًا إلى أن تحلم به أكثر من أربع ساعات، مثل إزالة الأعشاب الضارة في الحديقة، الآن يمكن أن تجادل إن كنت تفكر في أمور أكثر أهمية في حين تزيل الأعشاب الضارة، ولكن هذا الأخير يعاد ليكون هو مهم.

على الرغم من ذلك، فإنه من الصحيح أيضًا مما لا شك فيه أن أي شيء كنت تنفق الكثير من الوقت في التفكير فيه أثناء النهار من المرجح أن تفسـر من قبل دماغك كمهم ببساطة لأنك قضيت الكثير من الوقت في التفكير فيه، ولكنني أشك أن شيئًا من هذا القبيل على أهمية مضاعفة بالوقت المصـروف عليه الذي يحدد ما نحلم به.

س: هل تعلّق على هذه البيانات الشاملة والوجيزة؟ يبدو لي أن الأحلام هي على درجة من التعقيد (وعشوائية) ذلك أنه من المستحيل تقريبًا للتمييز عمومًا بين النقاط البارزة الجديرة بالاهتمام عن الخيال ومجرد اللعب، الأحلام هي بطبيعتها غير مرتبة وغير منطقية، فهي خليط من المشاعر والصور تكسو كل واحدة الأخرى في لوحة عقلية التي تستعصى تمامًـا على التحليـل التجريبي، مجـرد رأي على أساس خبرتي بعدم الاستيقاظ؟

ج: هناك بعض الحقيقة في ما تقوله، ولكنني أعتقد أنك قاسٍ جدًا.

على سبيل المثال، أود أن أقول أن الأحلام هي أكثر فوضوية منها عشوائية، فمن جانب الفوضى أعني أن القواعد التي تحكم بناءها معقدة جدًا لتفهم بسهولة. وهكذا، في حين أن الأحلام هي غير منطقية من وجهة نظر الاستيقاظ، على الأرجح أنها تتبع قواعدها الخاصة.

على سبيل المثـال، نحن نعـرف أن مختـلف أشكـال النشاط اليقظة الشديدة يمكن أن تؤثر -ولو بشكل إحصائي- على محتوى الحلم المتوقع. علاوة على ذلك، يمكن لشكل أخذ هذه الأنشطة أن يكون نمطيًا جدًا من شخص إلى آخر.

كنت تشير أيضًا إلى أن تمييزك بين “النقاط البارزة” و”محض خيال ولعب” ليست شرعيًا، أود أن أقول أن الخيال واللعب غالبًا ما تكون مجرد انعكاسات القضايا المهمة في حياتنا، وربما يكون الآلية التي بها الدماغ يحاول لفهم طبيعة أهمية  تلك القضايا.

س: ما مقدار الخيال الإنساني الذي تمت دراسته، وما هي علاقة الخيال بالحلم؟ بعبارة أخرى، عندما نستخدم خيالنا، هل نحن نفعل أي شيء مماثل للحلم؟ ما ستكون الآثار المترتبـة إذا وجدنا علاقـة بين استخـدام خيـالنا الواعي مقابل حلمنا اللاوعي؟

ج: عندما نحلم بالتأكيد مؤهلين لمثل نوع من الخيال، لكنه مختلف جدًا عن خيالنا في الاستيقاظ -في مرحلة نوم الأحلام- حيث أشد الحلم يحدث، ففسيولوجية الدماغ مختلفة جدًا عن اليقظة.

على سبيل المثال، قرن آمون Hippocampus في الدماغ هو بنية ضرورة لا شك لتذكر الأحداث الأخيرة من الذاكرة، لكن تدفق قرن آمون -في مجملها- موقف في مرحلة نوم الأحلام، الذي قد يكون السبب في أننا نادرًا ما نحلم بـشيء حدث فعلًا.

منطقة أخرى تكون موقفة في مرحلة نوم الأحلام أثناء النوم (هي قشرة الفص الجبهي) وهي عادة المسؤولة عن التفكير المنطقي. لذلك، هذه الميزة أيضا تخفق أثناء الحلم، هذه المنطقة هي أيضًا مسؤولة عن اتخاذ القرار التنفيذي، وتعطيلها قد يفسر لماذا لدينا هذا القدر الضئيل من السيطرة على كيفية تصرف أحلامنا. في المقابل، مناطق الدماغ المشاركة في العمليات العاطفية نشطة، لذا أحلامنا عاطفية أكثر مما ينبغي بالمقارنة مع اليقظة.

وبعد كل ذلك، يبقي صحيحًا أن من الممكن أن كلا من الخيال اليقظ والحلم على الأرجح يستخدم نفس شبكات ترابط الذاكرة لبناء سردهم، ولذا فالحلم قد يُفسّر ببساطة كخيال واع عادي الذي – بشكل حرفي جدًا- خرج عن السيطرة.

**********

• المصدر:

* نُشرت هذه المقابلة –التي نقلناها لكم بعض أسئلتها وأجوبتها- في نوفمبر2009م، على موقع نوفا http://www.pbs.org.

1 روبرت ستكجولد:

أستاذ الطب النفسـي في مركز بيت إسرائيل ديكونيس الطبي وكلية الطب بجامعة هارفارد، وكذلك مدير مركز النوم والإدراك. حصل على الشهادة الجامعية الأولى من جامعة هارفارد والدكتوراه من جامعة ويسكونسين، ماديسون، في الكيمياء الحيوية. عمله الحالي يبحث في طبيعة ووظيفة النوم والأحلام من منظور علم الأعصاب الإدراكي، مع التركيز على دور النوم والأحلام في توطيد  الذاكرة والتكامل، وبالإضافة إلى دراسة الأداء الطبيعي للنوم، وقال أنه يحقق في التعديلات في تعزيز الذاكرة التي تعتمد على النوم في مجموعة من الحالات العصبية والنفسية، بما في ذلك الفصام والهوس الاكتئابي ومرض باركنسون وإدمان الكوكايين واضطراب ما بعد الصدمة، والأرق، وتوقف التنفس أثناء النوم، نشـر أكثر من 100 مقالة علمية وروايتين من الخيال العلمي.

2 عبد الحفيظ العمري:

مهندس وكاتب علمي ومترجم من اليمن، مهتم بالثقافة العلمية، نشـر العديد من المقالات والترجمات في دوريات إلكترونية وورقية، كما أصدر عدة كتب، مثل: (حكاية النسبية)، (التلوث الضوضائي)، (عندما تقع الذرات في الحب)، (آفاق الثقافة العلمية)، وغيرها.

عن لأبعد مدى