ملف (ترجمة الخيال العلمي والفانتازيا)- محمد سلامة المصري

♦ لقراءة وجهات نظر أخرى، ملف (ترجمة الخيال العلمي والفانتازيا).

علينا الاعتراف بحقيقة تاريخية:

– الرواية ليست فنًا عربيًا أصيلًا.

أي نعم وُجدت محاولات متفرقة عبر تاريخنا يمكن تصنيفها كـ شبه-رواية، لكنها ظلت على الهامش الثقافي ولم تتحول لفرع أدبي مستقل ناضج.

الذوق العربي لم يتقبل بسهولة فكرة “اختلاق” قصة. كان يريد لكل حكاية “سندا” (كما نجد أحيانًا في كتاب الأغاني للأصفهاني أو كتاب نهاية الأرب)، أو أن ينسبها الراوي لشخصية تاريخية مشهورة كهارون الرشيد أو بيبرس.

حتى الحكايات الخرافية (عن الرخ والوحوش) كانت توضع في قالب “حدثنا فلان” كي يقبلها المستمع.

قصص مثل السندباد وشهرزاد وكليلة ودمنة كانت في الحقيقة تعريبا لقصص أجنبية من الصين والهند وفارس.

الخلاصة: الذوق العربي لا تعجبه الخرافة عندما يعلم يقينا أنها خرافة.

ولهذا لم ينتشر فن القصة الطويلة عندنا إلا مؤخرًا، وكتقليد للغرب، لا كإنتاج ثقافي أصيل. وعندما انتشر كان من النوع (الواقعي) لا الذي يطلق العنان للخيال.

انظر لإدمان مسلسلات الـ (صوب أوبرا Soap Opera) وتليفزيون الواقع والدراما الاجتماعية والتاريخية، ولندرة مسلسلات المستقبليات أو العوالم الموازية أو الأبطال الخارقين.

هل سيقبل الجمهور على مسلسل عربي يتحدث عن (الترمينتور) القادم من المستقبل، أو عن (بوابة النجوم)، أو فدرالية الكواكب، أو عن الآثار المستقبلية للاحترار العالمي؟

هل المؤلف العربي الذي يكتب للطفل (ويشكل عقله وذوقه) سينتج مسلسلا مثل المسلسل الأسترالي (فتاة الغد The Girl From Tomorrow) أو قصصًا مصورة مثل سوبرمان، أم سيتجه أوتوماتيكيا لمسلسلات عن الفتى النوبي ومعزته؟

– الخيال العلمي نوع من التورية. قد يتحدث في الظاهر عن كواكب أخرى لكنه يعلق تعليقا مبطنا على المجتمع الذي يعيش فيه المؤلف. وهو أيضا (بداهةً) يتحدث عن العلم، خصوصًا التقدم العلمي وأحدث النظريات العلمية.

فلا عجب أنه نادر في ثقافتنا!

فهو يحتاج أولا لقارئ يفهم التورية، ويفهم مثلا أن الكائن الفضائي المذكور في القصة مقصود به الإشارة لعلاقتنا بالدول الأجنبية المتطورة وأن رواية آلة الزمن تتكلم في الحقيقة عن الفروق الطبقية بين الفقراء والأغنياء والعمال والأرستقراط.

ويحتاج أيضا لإلمام بأساسيات العلم التجريبي، ومعرفة – ولو سطحية – بأخبار العلم.

فما فائدة ترجمة رواية مايكل كرايتن عن (الاستخدام السياسي لأبحاث الاحترار العالمي وأثره في الاقتصاد) في حين أن أغلبية مجتمعنا لا تهتم بالظاهرة المناخية من الأساس؟!

– لكن لنفترض جدلا أن كل هذه العقبات الثقافية اختفت وأن الخيال العلمي أصبح سلعة رائجة في أسواقنا.. ماذا سنترجم؟

إجابة ماذا – في رأيي الشخصي – هي: الأدب المبني على علم عملي مفيد، أو يعالج قضايا أخلاقية/ سياسية/ اجتماعية، أو يدرب القارئ على منهج التفكير العلمي.

أما الأدب الذي يشغل نفسه بقضايا بعيدة جدا عن حياتنا فسيعطي للخيال العلمي “سمعة سيئة” عند العرب.. سيصبح مقترنا بكلمات مثل (الوهم)، (إضاعة الوقت)، (تفلسف فارغ)، (أدب الأبراج العاجية)، إلخ.

من غير المنطقي أن نصدم القارئ بمعضلات الحياة على المريخ بينما مجتمعه متأخر علميًا.

قصص الحياة على المريخ في الغرب لن تكون صادمة، لأن مجتمعهم فعلا أرسل مركبات للمريخ ولما أبعد من المريخ.. لكن عندنا سيكون الأمر كمن يناقش طفلًا في تفاصيل كتاب دراسي جامعي!

لا يمكن القفز للدرجة الأخيرة من السلم فجأة. ابدأ من البداية. ابدأ بقصص عن نيوتن لا عن الثقوب السوداء.

********

– بعد هذا الجزء النظري سأتكلم عن تجربتي العملية مع ترجمة رواية فرانك هربرت الشهيرة (كثيب Dune).

كانت تجربة حلوة ومرة في نفس الوقت.

في البداية واجهت الناشرة الإماراتية صعوبات في الحصول على حقوق الترجمة من ورثة المؤلف، واستمرت المفاوضات سنتين تقريبا، وفي النهاية حصلت الدار على حقوق النشر الإلكتروني فقط، لا الورقي.

كلفتني الدار بالترجمة (وكنت قبلها قد ترجمت الفصل الأول أثناء دراستي للرواية ولحياة المؤلف وأفكاره، وكونت فكرة عامة عن صعوبات المشروع والعقبات اللغوية) وطلبت مني إتمام المشروع (200 ألف كلمة تقريبا) في أربعة شهور فقط.

تدخل التحرير بالتعديل على النص لغويًا ورقابيًا (ربما بسبب حساسية موضوع الرواية كما يعرف من قرأها، فهي في أحد جوانبها رواية عن «المهدي في الفضاء»، وعن الصراعات السياسية المستقبلية، وعن خطورة بعض القادة الدينيين)، لكن أصبح النص النهائي المنشور لا يعبر بدقة عن النص الأصلي ولا عن أسلوبي في الترجمة. بالإضافة لسوء التنسيق وحذف الهوامش، بل وسقوط فقرات كاملة!

[أحتفظ لنفسي بالترجمة الأصلية الأمينة، والتي تنتظر ناشرًا شجاعًا يشتري حقوقها الورقية من ورثة المؤلف، خصوصًا وأن الإنتاج السينمائي الجديد سيصدر قريبًا (إخراج ديني فيلينوف) وسيجدد اهتمام العالم بالرواية].

– سأقتبس هنا من “كلمة المترجم” الملحقة بترجمتي للرواية (وهي محذوفة من الترجمة الإلكترونية المنشورة):

[لـ (فرانك هربرت) طريقة مميزة في الكتابة، تجعل ترجمة الأفكار ونقل الأسلوب اللغوي عملية مرهقة.

ففي العصر الحديث اعتدنا على أن تكون روايات (أفضل المبيعات) مكتوبة بأسلوب سهل وواضح، يشبه مثلا أسلوب مايكل كرايتن أو ستيفن كينج، دون تشبيهات بلاغية معقدة أو ألفاظ معجمية مهجورة.

وحتى بالنسبة للكلاسيكيات فإن أسلوب آرثر كونان دويل البسيط (في قصص شرلوك هولمز) وأسلوب برام ستوكر الحيوي (في دراكيولا) يجعل هذه الأعمال أكثر رواجًا عند عامة الناس، على عكس أسلوب إدجار آلان بو مثلًا، بجمله الصعبة وبتعبيراته المقتبسة من اللاتينية والفرنسية.

في العادة يتوقع جمهور الخيال العلمي أن يكون تركيز المؤلف منصبا على الأفكار فقط، لا على الأسلوب اللغوي.. ونادر أن نرى مؤلفًا يدمج ببراعة بين الأمرين.

فإسحق أزيموف مثلا يكاد يهمل التعبيرات الأدبية البلاغية إهمالًا تامًا، ويعامل قصصه على أنها وسيلة لنقل أفكاره العلمية، خصوصا وأنه في الأساس باحث أكاديمي. بينما Ray Bradbury يكاد يقترب في قصصه العلمية من مستوى الكتابة الشعري أو الفلسفي.

وأظن أن Philip K Dick و Arthur C Clarke يقعان في منطقة وسيطة بين الطرفين.

أما فرانك هربرت فهو أقرب لـ راي برادبري، خصوصا عندما ينقل الأفكار الداخلية للشخصيات.. لكن في حوارات شخصياته يستخدم لغة شديدة الحيوية وذات إيقاع طبيعي.

ومن الخصائص العجيبة لأسلوب هربرت في الرواية جمعه بين تصوير دقيق للبيئة والأحداث يقترب من السينمائية، وبين غوص في أفكار الشخصيات واستخدام مونولوجات داخلية عميقة تكاد تجعل التصوير السينمائي لهذه الفقرات مستحيلًا!

بعد حل معضلات لغة فرانك هربرت (سواء في معاني الأفكار أو الاستخدامات اللغوية الإنجليزية غير المألوفة أو التشبيهات البلاغية المبتكرة) ظهرت مشكلة الكلمات الغريبة التي استخدمها المؤلف لإثراء جو الخيال العلمي للرواية.

لكن القارئ العربي يمتاز على باقي قراء العالم في هذه المسألة، حيث أن قسمًا كبيرًا من هذه الكلمات مأخوذ من اللغة العربية مباشرة!

أي أن القارئ الإنجليزي الذي يقرأ الرواية في لغتها الأصلية يواجه صعوبات لن يضطر القارئ العربي لمواجهتها.

فعندما نقرأ كلمة مثل Ilm (علم) أو Ijaz (إعجاز) فإننا نفهم المقصود منها في الحال، لكن الجمهور الأصلي للرواية سيضطر للبحث عن معناها في معجم المصطلحات المرفق بها، أو في قواميس خارجية إن أراد المزيد من الشرح.

لكن تبقى مسألة الكلمات غير العربية التي اخترعها المؤلف من عنده، ولا توجد في اللغة الإنجليزية.

فما هو الـ Servok مثلا، أو الـ Shigawire أو الـ Solido؟!

فهنا كان يجب نقل الكلمة كما هي أحيانًا، أو إيجاد مقابل عربي يكون مفهومًا. وهي في الحقيقة عملية ممتعة، وتجعل الشخص يتعجب من قدرة هربرت على ابتكار الكلمات الغريبة والتي تكاد تقترب من قدرة Lewis Carroll في قصيدة الجابرووكي!

بالنسبة لأسلوب الترجمة فاعتقادي الشخصي هو أن الجملة – لا الكلمة – هي أصغر وحدة بناء في الترجمة الأدبية. أي يجب نقل معنى الجملة الذي أراده المؤلف بدقة، بالاستعانة بالكلمات التي استخدمها، وعدم الاكتفاء بالترجمة الميكانيكية الركيكة التي تضع كلمة مكان كلمة وكأن المترجم هو برنامج كمبيوتر!

(وكمثال للترجمات الميكانيكية الكارثية يمكن أن أحيل القارئ للترجمة العربية لرواية “نريد أن نتحدث عن كيفين”، تأليف ليونِل شرايفر، إذ تم تشويهها تشويهًا تامًا، بدءا بأول كلمة في العنوان! لكن المقام هنا – في هذه الكلمة القصيرة – لا يصلح للنقد التفصيلي)

وبالإضافة لما سبق فيجب أن تحمل الجملة العربية – قدر الإمكان – نفس التأثير النفسي الذي أراد المؤلف الأصلي إحداثه في القارئ.. فيظهر التهكم في مواضع التهكم، والجدية في مواضع الجدية، وهكذا.

أنا من القلة التي أعجبت بالمكائد السياسية في ثلاثية حرب النجوم الثانية (الـ Prequels) وتعقيداتها، ولهذا فإن إعجابي بـ (كثيب) يعتبر مفهوما.. فهي رواية الـ “منتات” والـ “بني-جيزيرت” وتوازنات القوى بين الإمبراطور والنبلاء.

(بالإضافة إلى أن تأثر جورج لوكاس بالرواية هو حقيقة معروفة. وأظن أن أكثر رواية من روايات عالم حرب النجوم تأثرا بأسلوب رواية Dune هي رواية Darth Plagueis، تأليف James Luceno، والتي تحكي الخطط والمكائد التي وصل بها السِث للسلطة)

لكن Dune لا تقتصر على السياسة فحسب، بل هي نتاج حقبة الستينيات في أمريكا، وبالتالي تشير ضمنيا لثقافة عقاقير الهلوسة – السايكاديليك – التي كانت منتشرة وقتها، ولحركة حماية البيئة والعودة للطبيعة.. بالإضافة لهوس الناس بالأبطال السياسيين ككينيدي وغيره، وانقيادهم للشخصيات الكاريزمية.

تهتم الرواية أيضا بالنظريات الاجتماعية والتاريخية، خصوصا أفكار توينبي عن العلاقة بين العوامل البيئية الصعبة وقوة الحضارة، وإن كانت نظرياته محل شك أكاديمي الآن. ويبدو أيضا أن فرانك هربرت تأثر بكتابات ابن خلدون الاجتماعية وخصوصا كلامه عن الثقافة البدوية وعن المهدوية. وربما نرى في الرواية تأثرا بتاريخ قبيلة كتامة ودورها في صعود الدولة الإسماعيلية وانتشارها حتى استولت على مصر. وفيها أيضا إشارات للعلاقة بين الغرب وبترول العرب (رغم نشر الرواية قبل أزمة 1973)، وللجدل الشهير حول تأثر الشخص بصفاته الوراثية Nature في مقابل تأثره بالتربية Nurture.

كل هذه الثيمات تحتاج لكتاب كامل لبحث خيوطها الموجودة بالرواية وبباقي روايات السلسلة:

كثيب Dune (1965)

كثيب: المسيح Dune Messiah (1969)

كثيب: الأبناء Children of Dune (1976)

كثيب: الإمبراطور الإله God Emperor of Dune (1981)

كثيب: الهراطقة Heretics of Dune (1984)

كثيب: بيت الراهبات Chapterhouse: Dune (1985)

إن كثيب كثيفة وغنية بالأفكار، بعضها خاطئ وبعضها صحيح، لكنها أكثر من مجرد رواية]

• (محمد سلامة): مدقق لغوي من الإسكندرية. عمل مترجما في مركز الفكر الغربي CWESTT (السعودية). ترجم مادة (أعلام الفلسفة الغربية) لموسوعة الاستغراب بالمركز، وراجع ترجمة كتاب (في وجه العالم الحديث Against the Modern World) وكتاب (الفردوس الأمريكي American Paradise). ترجم الفيلم الوثائقي Spin (مراوغة: وثائقي عن فن التضليل الإعلامي).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).