ملف (ترجمة الخيال العلمي والفانتازيا)- هشام فهمي

• نقلًا عن صفحة (المترجم).

في ’آليس في بلاد العجائب‘ تظهر أغنيَّة سحريَّة لآليس، فتتوصل إلى طريقة قراءتها عن طريق حملها أمام المرآة، لكنها تجد صعوبة في فهم بعض الكلمات، وباستخدام الكلمات التي تعرفها مع أصوات بقية الكلمات غير المفهومة، تصل إلى نتيجة أن «أحدهم قتل شيئًا، وهذا واضح في جميع الأحوال». هنا تفعل آليس ما يفعله من يقرأ الرواية في الآن نفسه، تحاول أن تدرك المراد مما يقوله صاحب الكلمات؛ والشيء نفسه ينطبق على جميع أنواع الأدب الذي هو واحد من صور الفن، وكما قال أوسكار وايلد، فإن «الفنان هو خالق الأشياء الجميلة»، وهكذا يخلق الفنان أو الأديب روايته أو قصته أو قصيدته وينشرها على الملأ، ليأتي بعدها دور القارئ في تكوين رأيه في العمل الأدبي والمعاني المحتملة له، وما إن كان يحمل أي معنى أصلًا.

قد يستخدم الكاتب في أدبه تلميحاتٍ ما هنا وهناك، كأن يستعين بكلمة بدلًا من أخرى، أو يضع أحداثه في محيط معين كي ينقل المزاج المطلوب إلى القارئ، لكن في كلِّ الأحوال يظل معنى النص بعد خروجه من تحت قلم الكاتب تجربة القارئ وحده، فعند قراءة نص أدبي ما، يستطيع القارئ أن يرى الأحداث والشخصيات بعين الخيال، وحسب قدر التفاصيل التي يعطيها الكاتب تختلف الصورة التي يراها كلُّ قارئ عن غيره كثيرًا.

أتكلم عنا عن العلاقة المباشرة بين كاتبٍ وقارئٍ يتحدثان اللغة نفسها، فما بالك عندما يتعلق الأمر بمترجم دوره أن ينقل إلى القارئ بلغةٍ أخرى أسلوب الكاتب وروح النص وما قد يحويه من معانٍ ضمنيَّة؟

♦ لقراءة وجهات نظر أخرى، ملف (ترجمة الخيال العلمي والفانتازيا).

عن نفسي أحاول دائمًا -كمترجم- أن أضع القارئ نُصب عيني، وأن أضع نفسي مكانه لأتصوَّر ما قد يروق أو لا يروق له، وإن كان هذا لا يعني أنني أقيد نفسي طوال الوقت بما يرغب في قراءته، لأني في النهاية أرغب في أن أقدم تجربتي الخاصة في الترجمة، وأن أقدم للقارئ نصوصًا جديدة لكُتاب جُددلم يقرأ لهم شيئًا في الغالب، خصوصًا أني أعد نفسي متخصصًا في ترجمة كلِّ ما يتعلق بالپوپ آرت، الذي يضمُّ كتابات الفانتازيا والخيال العلمي والرعب، ويحتوي في الآن نفسه على قيمةٍ أدبيَّةٍ ما وشخصيات تجذب الاهتمام ويمكن للقارئ أن يتفاعل معها. في مصر والعالم العربي ظهر هذا النوع من الأدب على استحياء في البداية مع كتابات أحمد خالد توفيق ونبيل فاروق وغيرهما، وسرعان ما انتشر على مستوى واسع، لدرجة أن معظم من يكتبون للمرة الأولى الآن يجربون أنفسهم في هذا النوع من الأدب (وهو أدب بالفعل في رأيي، رغمًا عن أنف كل من يرفض هذا ويستهين به). المشكلة أن معظم ما يُكتب بالعربية في هذا المجال رديئ بالفعل للأسف، ويشي بأن قراءات هذا الكاتب أو ذاك لم تتعد بضع كتبٍ قليلة في مجال كتابته يحسب هو أنها خلاصة مصادر الإلهام ومنتهاها. انظر إلى الكتب من هذه النوعية التي تراها في معرض الكتاب -ومعظمها صادر عن دور النشر الصغيرة- وسترى أن العدد كبير حقًّا، لكن كم كتابًا منها له قيمة بالفعل؟

هنا يأتي دور من هم مثلي ممن يمارسون الترجمة في هذا المجال لتقديم أعمال قيِّمة حقيقية، خصوصًا أننا ننقل نصوصًا آتية من بحرٍ شاسع من أعمال الپوپ آرت التي تعد اسمًا على مسمى في الخارج، فالكلمة تعني ’الفن الشعبي‘، ولم يعد معناها يقتصر على الحركة الفنية التي بدأت في بريطانيا في مطلع الخمسينات وفي الولايات المتحدة في مطلع الستينات، بل امتد المعنى ليشمل الأدب والسينما وغيرهما، وهذا النوع من الأدب شائع جدًّا في الخارج وينافس الكتابات الكلاسيكيَّة ويفوز أيضًا بجوائز مهمة وله الملايين من الأتباع والمتابعين. هكذا أقوم بدوري كمترجم في هذا المجال لنقل بعضٍ منه إلى القارئ العربي.. لكن كيف أنقله بالضبط؟

عن نفسي أمارس الترجمة منذ ثلاثة عشر عامًا كاملة، وقد ترجمتُ في مجالاتٍ عديدة قبل أن أقرر احتراف الترجمة الأدبية، ومرَّت عليَّ ترجمات قانونية وطبية ورياضية وتاريخية وفلسفية وعلمية، ومارستُ أيضًا ترجمة الأفلام والمسلسلات، وقضيت عامًا أو أكثر في ترجمة وصفات الطهي والتطريز وموضوعات المرأة والطفل، وخلال كلِّ هذا كنت أحاول -بالتدريج ومع سنين الخبرة والتعلم- أن أوصِّل النص العربي الناتج للقارئ بأسلس طريقة ممكنة، لكن هذا لا يعني أني أركز على استخدام الكلمات السهلة جدًّا فقط فأقلل من قيمة النص إذا كانت لغته تحتاج أسلوبًا أكثر بلاغة، أو أن أجنح إلى استخدام الكلمات المتكلفة المعقدة في نص لا يحتمل ذلك.

عندما قمتُ بترجمة رواية ’فرانكنشتاين‘ مثلًا، حرصتُ على أن تكون اللغة جديرة بكلاسيكيَّة النص وما فيه من تعبيرات منمقة، وفي الوقت نفسه حاولت قدر المستطاع أن تكون اللغة عصريَّة تجذب القارئ إلى الرواية ولا تنفره منها، لأن هناك كثيرين يشتكون من أن ترجمات الأعمال الكلاسيكيَّة بالذات معقدة جدًّا ولغتها أصعب من اللازم، والتزمتُ بالمنهج نفسه عندما ترجمتُ نصوصًا لڤرچينيا وولف ولاڤكرافت وبورخس وكافكا وآرثر كونان دويل، وهو النسق ذاته الذي أسيرُ عليه في ترجمة سلسلة ’أغنية الجليد والنار‘ (على الرغم من أنها ليست رواية كلاسيكيَّة، وإن كانت أجواؤها أقرب إلى هذه الأعمال). لكن عندما ترجمتُ نصوصًا لتشاك بولانك -كروايتي ’الناجي الأخير‘ و’أغنية المهد‘- وجدتُ أن الرجل يكتب بالعامية الأمريكية، ما يعني أن استخدام العربية الفصحى في الترجمة كلها سيدمر النص تمامًا، فحاولت الموازنة بين الفصحى والتعبيرات العامية التي ليس لها مقابل في الفصحى العربية أصلًا، والشيء نفسه ينطبق على ترجماتي لستيڤن كينج ونيل جايمان ووودي آلن وجورج كارلن؛ وكلٌّ حسب لغته وكيف يمكنني كمترجم التعامل معها وإعادة تشكيلها بعربية سلسة مفهومة.

أحاولُ دائمًا أن أتابع ردود أفعال من يقرأون ترجماتي على صفحة المُترجِم، ومن خلال هذا يتضح لي نوع النصوص التي تروق لهم أكثر، والنصوص التي قد أنجحُ في أن أفرضها عليهم مع الوقت، وأستخدمُ هذا كمؤشر للنجاح والفشل. طبعًا لا ألتزمُ طوال الوقت برأي القارئ، فأنا في النهاية أترجم ما أحبُّ وأحبُّ ما أترجم، وأحاولُ أن تكون لمشروعي مساحة في صفحات الفضاء السايبري والصفحات المطبوعة. نعم، أخطئُ حينًا وأصيبُ حينًا، لكن الخطأ والصواب في النهاية جزء من التجربة، أتعلَّم منه وآملُ أن يتعلَّم منه غيري.

من أجل القارئ، على المترجم أن يملك حسًّا أدبيًّا وفنيًّا، وهذه مسألة مفروغ منها ولا نقاش فيها، وإلا كيف سيشعر بمعاني الكلمات وما يمكن أن يقابلها في لغته أصلًا؟ مجرد إجادة المترجم للغة الأجنبية لا تكفي، بل ينبغي عليه أن يجيد العربية إجادة ممتازة وليس مجرَّد إجادة معقولة، أن يتلاعب بالكلمات، أن يعيد ترتيب الجُمل إذا اضطر بما يناسب النص المقابل في العربية بحيث تبدو كأنها مكتوبة بالعربية أصلاً قدر الإمكان، أن يبحث عن معانٍ مختلفة للمصطلحات المعقدة أو التعبيرات العامية وما يمكن أن يقابلها في العربية. المهم أن يفعل كل ما في طاقته كي يكون النص النهائي مفهومًا للقارئ ومريحًا في القراءة. يجب أيضًا أن يعرف المترجم القواعد الصحيحة للنحو العربي، ولستُ أقول أن يحفظها عن ظهر قلب بالضرورة، بل أن يقرأ كثيرًا ويرى كيف تتكوَّن الجُمل على نحوٍ صحيح. أنا نفسي لا أحفظ قاعدة واحدة من النحو تقريبًا، وكنتُ أكرهه بشدَّة طوال أيام الدراسة، لكن من كثرة القراءة والممارسة أصبحتُ أحس بالكلمات وأكتبها أغلب الوقت بشكلها -وتشكيلها- الصحيح (ومسألة التشكيل مهمة جدًا في رأيي، للتمييز بين المعاني المختلفة للكلمة الواحدة، وأيضًا طريقة نُطق الكلمات والأسماء الأجنبية التي تُكتب بحروفٍ عربية)، ولن يأتي هذا إلا بالقراءة ثم القراءة ثم القراءة. يجب أن يقرأ المترجم كثيرًا باللغتين ليتعوَّد على المصطلحات والكلمات الغريبة، لتصبح معتادة بعدها عنده، كما أن القراءة ستساعده كثيرًا في تعلم تعبيرات مختلفة، خصوصًا أن كلماتٍ جديدة تظهر كلَّ يوم.

لكن الأهم أن يملك المترجم الموهبة أصلاً. هذه منحة إلهية وليست شيئًا يأتي فجأة، فلا يصح أن يقرر أحدهم فجأة أن يصبح مترجمًا دون أي خبرة أو معرفة سابقة، وطبعًا دون الموهبة التي يجب صقلها طوال الوقت بتعلم أساليب جديدة وتجربة نصوص مختلفة لكُتاب مختلفين من جميع أنحاء العالم. لكن طالما أن لديه حسًّا أدبيًّا وفنيًّا، فهذا يعني أنه على الطريق الصحيح. قد ينجح أو يفشل، الله أعلم، لكنه يحاول على الأقل، وللقارئ وحده أن يحكم على هذا.

الأدب باختصار هو مجموعة من الكلمات التي يضعها الكاتب معًا كي يستمتع بها القارئ ويترجمها معانيها بطريقته الخاصة، وتلك المعاني تأتي من القارئ وحده، فهو من يحكم على الشخصيات وتصرفاتها، وهو من يتخيل الأحداث والأماكن والأشخاص، وعليه ينبغي على الكاتب أو المترجم أن يراعي القارئ دائمًا، لأنه في النهاية هو من يحدد -بغض النظر عن النقد والجوائز وخلافه- إن كان هذا الكاتب يستحق أن يُقرأ له بالفعل أم لا.

هذه تجربتي التي أقدِّمها لك كي تطَّلع وتحكم عليها، أما أنا فأواصل التعلُّم ومراجعة أخطائي واكتساب المزيد من الخبرة بلا توقف.. من أجلك أنت!

• (هشام فهمي): مترجم مصري، من مواليد محافظة الإسكندرية، من أهم أعماله: ترجمة (أغنية الجليد والنار) لـ جورج ر ر مارتن، (كارولاين) لـ نيل جايمان، (الناجي الأخير) لـ تشاك بولانيك. وغيرها.

عن لأبعد مدى