ملف (ترجمة الخيال العلمي والفانتازيا)- وسام الدين محمد عبده

♦ لقراءة وجهات نظر أخرى، ملف (ترجمة الخيال العلمي والفانتازيا).

ترجمة أدب الخيال العلمي أشبه بترجمة الشعر؛ فالأمر أشبه بترجمة قصيدة (الشنفرى) وهو يهجو قومه «أقيموا بني أمي صدور مطيكم فإني إلى قوم سواكم لأميل»، إلى السويدية التي لم يرى أهلها ناقة يوم، ولا يدرون ما دلالة تحويل صدور المطايا.

هذا بالضبط ما يعانيه من يترجم أدب الخيال العلمي إلى العربية، فالمسألة ليست نقل نص من لغة إلى لغة أخرى، بقدر ما تتعلق بنقل النص من الإطار الثقافي والمعرفي لمؤلفه إلى الإطار الثقافي والمعرفي للمتلقي العربي.

بعض مترجمي الخيال العلمي يحاولون تقريب النص إلى القارئ العربي من خلال مراعاة استخدام المقابلات اللغوية عوضًا عن الترجمة الحرفية المباشرة، مثلًا تراه يستبدل عبارة مثل «إعطه بوصة يأخذ ياردة»، والتي تعبر عن قول مأثور بريطاني، بقول مأثور عربي مثل «مد له يدك يأكل ذراعك»، ليحقق نفس الوقع في وعي المتلقي العربي، وينقل له نفس الدلالات التي أراد الكاتب أن ينقلها لقارئ الإنجليزية؛ ولكن مثل هذه العملية صعبة، وتحتاج إلمام عميق بالثقافة التي ينقل عنها المترجم، والثقافة التي ينقل إليها، وقد تنتهي بالوقوع في فخ إعادة أنتاج النص أو أن تصبح لغة النص المترجم لغة سوقية.

أما الحل الأسهل والآمن الذي يلجأ إليه معظم المترجمين فهي الحواشي التي يشرح فيها مراد الكاتب دون تغيير النص، ولكن مثل هذا الأسلوب قد ينتج عنه نص بارد يفتقر للحياة، ويحول العمل الأدبي إلى ما هو أشبه بكتاب دراسي.

أما نص الخيال العلمي نفسه، فهو نص مركب الأفكار، وغالبًا ما تجد أعمال الخيال العلمي الكبيرة تتناول أفكارًا فلسفية ودينية وسياسية إلى جانب الأفكار العلمية، بل قد تستخدم الفكرة العلمية كغطاء للتعبير عما لا يمكن التعبير عنه مباشرة بسبب التابوهات المختلفة، مثلما فعل الأمريكي (جاك فيني) عندما أنتقد جنون الارتياب الذي أشاعه (ماكرثي) في أمريكا من خلال روايته (سارقوا الأجساد)، وإذا لم يكن المترجم قادرًا على فهم الأفكار المخفية في النص، فإنه سوف يعجز عن ترجمة النص، وهناك العديد من الأمثلة على ترجمات مبتسرة نقلت الكلمات دون أن تنقل روح النص.

إن النشر استثمار مالي أولًا وأخيرًا، والناشر يود تحقيق أعلى ربح من استثماره في ظروف أقل مخاطرة ممكنة، لذلك تجد كثير من الناشرين يعيدون نشر كلاسيكيات أدب الخيال العلمي، فغالبًا هو غير مضطر لدفع حقوق الملكية الفكرية للمؤلف لأن حقوق الملكية قد سقطت، كما أن توزيعها مضمون ولا يحتاج لعمل دعاية لها لأنها بحكم أنه أعمال كلاسيكية فقد تناولتها السينما والكتب المدرسية والنقدية؛ لذلك لا تتعجب إن وجدت في معرض كتاب واحد عدة ترجمات حديثة لنفس الرواية الكلاسيكية.

من ناحية أخرى الروايات الكلاسيكية بنت زمانها، لذلك سوف يصدمك أحيانًا أن حبكة الرواية قائمة على فكرة ثبت بطلانها علميًا، مثل رواية ويلز الشهيرة (جزيرة الدكتور مورو) التي قد تبهر القارئ في الزمن الذي كتبت فيه فكرة تحويل الحيوانات إلى كائنات ذكية مفكرة باستخدام الجراحة، بينما اليوم يعرف أي طالب في مستوى الثانوي أن الفرق بين الإنسان وغيره من الأنواع يبدًا على المستوى الحمض النووي؛ فهذه الروايات تقدم اليوم في الغرب كنماذج كلاسيكية، ولكن أدب الخيال العلمي الحديث قد تجاوزها بعدة مراحل: ولكن شروط الاستثمار الآمن للناشر تجعل ترجمة الأعمال الحديثة وبالتالي نشرها غاية في الصعوبة.

أتذكر أني منذ سنوات عرضت واحدة من أهم الروايات الحديثة، لو أن رواية قد صدرت في ستينات القرن العشرين تعتبر حديثة، على أحد الناشرين، وبعد أن أظهر اقتناعه بقيمة الرواية الفنية، وأثنى على الترجمة، قال لي «سوف أسالك سؤال واحد يحدد ما إذا كنت قادر على نشرها أم لا، هل سقطت حقوق الملكية الفكرية للرواية أم لا؟»، فأوضحت له أنه قد مرة نحو سبع وخمسين عامًا على نشرها أول مرة، فقال لي «إذا لنؤجل المشروع ثلاثة سنوات حتى تكون حقوق الملكية الفكرية سقطت!».

عودة إلى مقارنة الخيال العلمي بالشعر، فالبعض يعلل أن العرب في العصر الذهبي للترجمة في القرنين الثالث والرابع الهجري، لم يعنو بترجمة الشعر المسرحي والملحمي اليوناني لأنهم كانوا ينظرون نظرة دونية لأي شعر غير شعرهم العربي، وفي اعتقادي أن هذا مرجعه أن مترجمي هذه الحقبة قد أدركوا أن النصوص الشعرية بما تحتويه من رموز وتوريات تعتمد على الميثولوجيا اليونانية، ما كانت لتروج في عالم الإسلام ذلك اليوم.

فالمناخ الثقافي لم يكن مستعدًا في ذلك الوقت للشعر المسرحي والملحمي اليوناني، واليوم المناخ الثقافي كذلك غير مستعد لأدب الخيال العلمي، ودعني أستعير عبارة قالها لي أحد الناشرين تعبر عن هذا الوضع في صيغة عملية لدرجة فجة «الخيال العلمي ما له سوق عندنا»، فوجود السوق يعني وجود مجتمع يضمن متلقين لهذا النوع من البضاعة، ولكن المجتمع العربي اليوم يفتقر إلى روح المنهج العلمي والموضوعية، فتراه يتأرجح بين خرافتين، خرافة ميتافيزيقية يضفي بها القداسة على ما ليس بمقدس، خرافة مادية تكفر بكل ما هو يستحق التقديس وتعبد المادة، وفي كلا الحالين يقوم المجتمع بذلك على أسس من التعصب لا على أسس من الموضوعية، فهذا العالم الذي لا يستطيع أن يفهم حقيقة الدين وحقيقة العلم وحقيقة الفلسفة، لا يمكنه أن يتلقى نصوص إبداعية مثل الخيال العلمي، الذي أشرنا من قبل أنه يسبح في بحور فلسفية وعلمية وميتافيزيقية لم يتم استكشافها بعد.

لذلك تجد أن القليل الذي ينشر من أدب الخيال العلمي، أقل منه هو الذي يستحق، والأكثر يعتمد على التسطيح والإثارة البسيطة.

• (وسام عبده): مترجم مصري، ولد عام ١٩٧٤ في مدينة الإسكندرية، نال درجة البكالوريوس في الرياضيات من جامعة الإسكندرية، ثم حصل على درجة الماجستير والدكتوراه من نفس الجامعة. يقيم حاليًا بالمملكة العربية السعودية. شاغلًا وظيفة أستاذ لعلوم المعلومات الجغرافية والبيئية في جامعة (الإمام عبد الرحمن بن فيصل). من أعماله التي صدرت عن (منشورات ويلز): (الطاعون القرمزي) لـ (جاك لندن)، (الشي القادم من عالم آخر) لـ (جون و كامبل)، بالإضافة إلى مختارات قصصية تحت عنوان (الجمجمة).

عن لأبعد مدى