الثلاثاء , أكتوبر 15 2019

تدوينة الرحالة (نك ماييز) عن زيارته لواحة الغروب، ترجمة: محمد عبد العزيز.

اسمي “نيك ماييز”، ويؤسفني أن أعلن من البداية أنني حالة ميئوس منها من أحلام اليقظة، كما أنني أعشق الغموض، التاريخ، والرومانسية.. لو حدث واجتمع هؤلاء الثلاثة في مكانٍ ما، يمكن أن يذهب صوابي فعليًا، وهذا ما جعل واحة (سيوة) تجذب انتباهي  لأختارها كي تكون وجهتي المثالية لقضاء الشتاء، أنها تجمع هؤلاء الثلاثة سويًا.

لم يكن الوصول لهذا المكان أبدًا مهمة سهلة..  علي سبيل المثال، فقَدَ الجيش الفارسي حوالي خمسين ألف رجلًا أثناء محاولة الوصول إلى هذه الواحة الصحراوية المنعزلة، في بحر الرمال العظيم. صحيح أن هذا حدث عام خمسمائة قبل الميلاد، إلا أنني أعترف أن التضاريس القاسية لهذا المكان لم تتغير تقريبًا منذ وقتها علي الإطلاق.

ربما كان أكبر تغيير حدث بالمكان منذ عشرين عامًا، عندما تم إنشاء طريق أسفلتي دائم ليصل بين (سيوة) و العالم الخارجي، و هو أكبر دليل علي انعزال  تلك المدينة التام.

تلتصق (سيوة) بحافة (منخفض القطارة)، بالقرب من الحدود الليبية، تحيط بها رمال الصحراء لمئات الأميال..  لقرون خلت، كانت القوافل فقط هي التي تتمكن من العبور، تاركة للسيويين انعزالهم الاستثنائي، هويتهم المميزة، تراثهم الثقافي، لغتهم البربرية “السيوية” دون أي تغيير.

لازال الوصول لواحة (سيـوة)  صعبًا، حتى بالمقاييـس الحديثـــة، فاستقلال سيارة أجرة من القاهرة سيتطلب رحلة لعشر ساعات، وثروة صغيرة (أنا -مثلاً- دفعت أربعمائة دولار أمريكي)، ستستغرق رحلة الباص فترة أطول من هذا، لكن ميزتها أنها ستكون أرخص كثيرًا..  عمومًا، أيًا كانت الوسيلة التي ستذهب بها،   ستري للمائة ميل الأولي من الطريق،

لافتات ضخمة تدعوك لشراء كل شيء يمكنك أن تتخيله، بدءًا من جل الشعر، وحتى العقـارات.. إعلانـات وحيـدة بائسـة يبـدو وجودها غريبًا في مثل هذا المكان الصحراوي.

بعد غروب الشمس، لفت انتباهي شيئًا غريبًا آخر، و هو حالة الافتتان التي تسببت لي فيها الأميال، وهي تختفي تباعًا في ظلمة الليل كأنما لا نهاية للطريق.

ظننت أنني سأسر عندما وصلت – أخيرًا- لنُزل (أدرير أميلال) الاقتصادي.. لكنني عوضًا عن هذا، فوجئت بسحره المربك.

ضوء القمر ألقي غلالته الفضية علي ما بدا لي كمدينة أشباح،  ولو لم أعرف أنني أقيم هنا، لظننت أن المكان مهجورًا.

لم يكن ثمة ضوء علي الإطلاق بأي مكان،  كل النوافذ مظلمة، الصمت الثقيل يخيم علي المكان بشكل يثير التوتر.. ظهر رجل خارجًا من بين الظلال ليغمره ضوء القمر،  أرشدني إلى غرفتي التي المضاءة بالشموع، قبل أن يختفي! فتحت زجاجة من الفودكا كنت قد اشتريتها من السوق الحرة، ودسست نفسي بالفراش،  ثم أطفئت الشموع. يجب أن أخبركم أنه إحساس لا يضاهي.

كان الصباح كاشفًا، فذابت شكوكي في ضوء الشمس الساطع حيث أظهر تفاصيل منازل المدينة التقليدية، التي احتضنت قاعدة الجبل الضخم الذي تمت تسميت المكان علي اسمه.. (أدرير أميلال)، باللغة السيوية تعني (الجبل الأبيض).

عمومًا، الجبل الأبيض هذا أقرب لقطعة من الخبز منه لجرف صخري عظيم  يلوح في الأفق، علي المباني المتناثرة بالأسفل.

علي عكس الفنادق التقليدية، لا يملك (أدرير اميلال) مكتب استقبال، ولا  أماكن ثابتة واضحة تكون بمثابة صالون أو استراحة للنزلاء، هذه البيئة المرنة تأخذ منك وقتًا لتعتادها.

هنا يتم استعمال بعض الأماكن في الشتاء، بينما يتم تخصيص أماكن أخرى للصيف، أما بالنسبة لوجبات الغذاء و العشاء، فيتم تناولهم في أي مكان ممكن.

لابد أنني بدوت تائهًا، لأنني بالتأكيد لم أكن أعرف أين يجدر بي الذهاب، هنا ارتفع ذلك الصوت يسألني عنا إذا كنت راغبًا في تناول إفطاري، ويجب أن أعترف أنني في تلك اللحظة وقعت في غرام (أدرير أميلال).

وجدت نفسي أنضم لزوجين مثليين من أمريكا علي مائدة الإفطار، إفطارٍ رائعٍ يتكون من الخبز المحلي، الفول، و البيض. (علي الرغم من أن طعم مربي الزيتون كان غريبًا)..  كان من الواضح أنه لم يكن غريبًا بالنسبة للرجال السيويين  موضوع زواج شخصين من نفس الجنس، حتى عام 1940 علي الأقل، بالرغم من أن هذا ليس ما يحدث الآن طبعًا، فمصر الحديثة ليست معروفة علي وجه الخصوص بآرائها الليبرالية بالنسبة لموضوع المثلية..

كنت متحمسًا للغاية بصدد شغفي الجديد، و بالاستناد إلي النظرة الحالمة في عينا الزوجين، يمكنني أن أخمن أنهما كذلك قد استحوذ عليهما سحر (أدرير أميلال)، علي الرغم من أنهما يمكن أن يكونا راغبين في الفرار بشدة من ثرثرات الجميع بموطنهما، و لهذا أتيا لهذا المكان المنعزل.

ظلت وسائل البناء البسيطة التي يتم استخدامها هنا، والمسماة (كيرشيف)، أو الطين المغطي بطبقة من الملح الصخري، ثابتة لا يدخل عليها تغييرًا لقرون.. لكن الطرق التقليدية في البناء كانت قد اختفت تقريبًا، قبل أن يتم إعادة إحياءها لبناء (أدرير أميلال)، و.. النتائج كانت مبهرة.

بجانب بحيرة (سيوة)، و هي بحيرة ملحية لامعة، كانت المباني كلها تنتصب، غير ظاهرة لو نظرت لها من مسافة، و هي تقف خارجة من الأرض  كسراب مقلوب.

الكراسي والأبواب يتم صناعتها من خشب الزيتون، بينما تم منع استعمال الكهرباء، التي توجد بالمدينة الواقعة علي بعد بضعة أميال فقط.. يتم استخدام الشموع المصنوعة من شمع النحل في إضاءة  الغرف التي تشبه الصوامع، والتي تشعرك أثناء الليل كأنك في خضم تجربة دينية.

تصنع كتل هندسية من كلٍ من الضوء، الظل، و الهندسة المعمارية، مناظر مذهلة في الواحة.. هناك جمالًا حقيقيًا يكمن في بساطة وخشونة المكان، كأن (كيلي هوبين)، وهي مهندسة معمارية شهيرة للغاية، تقابل عائلة “فلينتستونز” من العصر الحجري.

هناك كذلك هوسًا واضحًا باستخدام الملح يقترب من الجنون.

ثمة موائد، كراسي، أسرة، و موائد صغيرة لتوضع بجانب تلك الأسرة، مصنوعين من الملح.. و مثلهم النوافذ، الجدران، بلاط الجدران، و مباني بالكامل كذلك أحيانًا! طبعًا هذا سيكون مشكلة لو أنك لديك حساسية تجاه الصوديوم، و.. كارثة لو حدث وأمطرت!

(يتبع)

نشرت في العدد الأول من سلسلة (لأبعد مدى- أدب رحلات).

للتحميل

– المؤلف (نيك ماييز):

ـ روائي بريطاني، إذاعي،  كاتب متخصص في أدب الرحلات.

ـ من أعماله: (Not Dark Yet)، (The Africa Bar).

الموقع الإلكتروني: (https://nickmaes.com/)

المترجم (محمد عبد العزيز):

ـ روائي ومترجم مصري.

ـ من مؤلفاته: رواية (بيانكا)، (انتقام بأثر رجعي).

ـ الصفحة على موقع التواصل: (هنا).

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.