تابوت مبتسم

• كتب: أسامة علام.

صديقى الحبيب: حسن كمال.

أسعدتنى كثيرا رسالتك التى انتظرتها طويلًا. أعلم أنك لم تقصد الغياب. كنت فقط فى دائرتك المربكة من الجرى خلف حلم الحياة. أمر اعتيادى بجدارة لطبيب ناجح، وأب مرتبك بمحبة أسرته، وكاتب ممتحن بمحنة الكتابة فى الزمن الأصعب لخلق الجمال. قلت لنفسى على فقط الانتظار. وها أنت لم تخيب ظنى. رسالتك البديعة عن القسم والقدم والقلم كانت أجمل هدايا عام مضى. فقررت أن أكاتبك فى أول أيام عام أتمنى فيه لك وللعالم السعادة.
بالأمس كانت ليلتى شديدة الغرابة. كم كنت أتمنى أن تكون معى فيها. أنت وأصدقاء لن أسميهم. فلا طائل من تسمية من يعيشون فى القلب فيعرفهم باسمائهم الأحب. أصحاب المؤانسة والسطوة على القلب مهما بعدوا.
كان العالم يستعد لاستقبال عامه الاستثنائى الجديد فى المديىة الأكثر جنونا فى العالم. نيويورك التى لا شبيه لها فى عنفوانها وبهرجها وقدرتها الانهائية على صنع السعادة وقهر البشر. وأنا أوصل أسرتى الصغيرة الى مطار لاجراديا فى طريقهم للعودة الى مونتريال التى أصبحت بشكل ما وطنهم البديل والدائم.

بعد أسبوع أعاد لى الحياة كأب يستمتع بنعمة وجوده وسط أسرته الصغيرة. وعلى باب صالة السفر تساقطت دموع خجلت من أن تراها أسرتى. فأدرت وجهى ناحية الطريق المزدحم بالسيارات السريعة. مبتعدًا عن متابعة أياديهم الصغيرة التى تلوح لى فى انتظار مقابلة أخرى فى مطار آخر.

كانت نيويورك تنادينى بأنوارها البراقة. أقول لقلبى الذى يفيض الحزن منه حتى كاد يخرج الحزن من سيارتى كسائل أزرق قادر على ارباك حركة المرور فى الطريق السريع: الحياة ستستمر ويجب لها أن تستمر. أصوات الألعاب النارية تصنع صخب العام المنتظر. دقائق وستمتلئ شاشات التايم اسكوير العملاقة برقم 2020. ستتلاقى شفاه محبة فى قبل طويلة متمنية عام سعيد للمحبوب. وسأعود وحدى لأجد شقتى فارغة الا من الحنين وظل الغربة اللزج على الحوائط التى تفتقد ضجيج الصغار مثلى.

فجأة ورأيته أمامى بابتسامته العجيبة. كنت شاهدت تابوته فى متحف المتروبوليتانت بنيويورك من أيام. شاهدت الكثير ياصديقى من توابيت أجدادنا العظماء فى متاحف العالم. لكنى لم أشاهد أبدًا تابوتًا يحمل ابتسامة كهذه أبدا. كأنه بابتسامته قرر أن يهزم الموت والحزن معًا.

لا أعلم كيف اسطاعت ابتسامته أن تهزم حزنى الرهيب أيضًا. ساعتها قفزت فى رأسى رسالتك الأخيرة. وكأن جدى صاحب التابوت الضاحك هو العجوز الذى سرق منه الصغير هداياه القدرية فى رسالتك. ووجدتنى رغم كل شيئ أبتسم مثله. محاولًا المحافظة على قلبى من جنون المشاعر المتضاربة. مستعدًا لاستقبال العام الجديد بابتسامة وقلب شجاع. جدير بأن تنبت فيه براعم بهجة على أعتاب عام لا أملك فيه سوى الكثير من الأمل. أمل فى أن أستحق المحبة من العالم. وأن ينال قلبى فيه الرضا الذى أحلم به.

♦ من الرسائل المتبادلة بين الأديبين: (أسامة علام) و(حسن كمال).

عن لأبعد مدى