(مصطفى سيف)، يكتب: «بيني النحيل»- قصة قصيرة

قصة: مصطفى سيف الدين.

صباح عادي مثل كل صباحاتي اليومية، المريب فقط في ذلك الصباح هو صوت والدي الغاضب الذي لم أظنه يغضب أبدا كان يزجر الخادم (جورج) الذي يعد لنا الطعام يوميًا.

لم أتبين الحديث بينهما، فقط أتنشق في الهواء غضب أبي وأسمع تهديدًا ما من جورج، أقلقني الصراخ فخرجت على أطراف أصابعي أراقب من خلف الدرج ردهة المنزل المعبق بالأرستقراطية الانجليزية فوالدي  هو السير الشاب جرينهارت ومنزلنا قصرا مزين بأثمن التحف، لوحات جوخ ودالي وكلود مونيه هي حوائط جدرانه أما تماثيل المايا وبعض التماثيل الفرعونية النادرة هي أثاثه.

أبي يبدو عليه القلق وعينيه المتسائلة تنتظر من (بيني) النحيل ذو العوينات الضخمة الذي يقوم بتعديل وضعها كل دقيقتين  إجابة، كان بيني مطرقا في التفكير، ثم قال:

«ليس من الحكمة يا سيدي ألا تعير جورج  اهتمامًا، يجب أن نأخذ تهديده على محمل الجد، أعتقد  أنه يجب عليك أن تبقى بعيدا فترة ما حتى تنتهي المشكلة»

«والأولاد؟ أنت تعلم أنني لا أستطيع أن أبلغ الشرطة»

«سأرعاهم بنفسي، وأشهد الله أنني سأموت دونهم قبل أن يمسهم سوء»

يبدو على والدي أن اقتنع بالفكرة، ذهب إلى البراد وأخذ منه زجاجة عصيره المفضل، وضعها مع بعض الكتب والملابس في حقيبة يد حملها على كتفه، وقال بينما يخرج:

«إلى اللقاء يا بيني، لن أوصيك على الصغار، مبدئيا سأترك لندن سأذهب لأخي في بريستول، إن أردت شيئا ستجدني هناك»

غادر أبي بينما تركني خلف الدرج يتصبب مني القلق عرقًا، بينما بيني بدأ في إعادة ترتيب المنزل وألقى بنظره نحوي بالتفاتة غير مقصودة منه، دنا مني ثم ربت على كتفي، وقال:

«لا تخف، أنتم الستة  أمانة في عنقي حتى لو قتلت من أجلكم»

دخل بي إلى غرفتنا حيث إخوتي ما زالوا يغطون في نومهم  تحسبهم جميعًا واحدًا، لا تستطيع التفرقة بينهم، كان أبي يقول هذه عادة التوائم يولدون معا ويكبرون معًا. هم متشابهون جدا، لهذا لم يطلق علينا أسماء مختلفة بل أطلق علينا أرقامًا، أنا اسمي ثلاثة. نعم أبي أطلق عليّ ذلك ورغم ذلك لم يناديني وحدي قط، بل كان يأمر بيني أن يصفر لنا فنجتمع لديه جميعا ليلاطفنا ويداعبنا معًا، أوه كم أحبك يا أبي كرس حياته لنا بعد وفاة أمنا التي توفيت يوم ولادتنا، كيف تستطيع أنثى أن تحيا بعد ولادة ستة معًا، هذا ما قصه علينا أبي قال لنا أنه كي يربحنا لا بد أن يكون لهذا ثمنًا، فمن قال أن الحياة بلا ثمن هو بالتأكيد أحمق.

عاد بيني إلينا محملًا  بأطباق البيض  الستة، هذه أول مرة لا يقدم لنا فيها جورج الطعام، لذا كان المشهد غريبا وبيني الضعيف لا يستطيع حمل صينية الأطباق جيدا فصارت تترنح منه، أهذا من سيحمينا؟

وضع بيني طبقا أمام كل واحد منا وراقبنا ونحن نبتلع البيض واحدة تلو أخرى كنا نعشق ابتلاع البيضة دفعة واحدة،  لسنا كأبي الذي يقسم البيضة الواحدة قطعًا عديدة، ثم يأكلها قطعة بعد أخرى، حين انتهينا من الطعام وقبل أن نقوم شعرنا كعادتنا بأننا نريد التقيؤ فانسكبت العصارة الصفراء من  أفواهنا في الأطباق، جمعها  بيني وهبط بهم الدرج وابتعد.

بدأ إخوتي في اللعب كالدوران بعضهما حول بعض كالقطار أقف في المنتصف ويدورون ونضحك ونلهو طيلة اليوم، إلا أن جلبة في الأسفل جعلتنا نتوقف ونخرج إلى الدرج نراقب ما يحدث في ردهة المنزل.

إنه جورج ومعه شخص آخر تبدو على ملامحه القسوة، شاربه يحدد تقسيمة فمه، عيناه صارمة، كان ممسكا بـ (بيني) النحيل بينما جورج يوجه له اللكمات، يسأله:

«أين ذهب جرينهارت؟»

بيني النحيل لم يجب رغم قسوة ضربات جورج، بيني النحيل كان صلبا، ونحن أعلى الدرج نشعر بالرعب، سنقع فريسة جورج وصاحبه قريبًا، ولا ندري ماذا سيفعلان بنا.

إلا أن جورج توقف فترة عن الضرب، ثم قال:

«حسنا يا بيني، أنت مغفل لا تفهم شيئًا، إن من تدافع عنه وتحمي صغاره هو من أوصلك إلى نحولك ذلك، ه ومن جعلك خادما لهم وأنت منهم»

البلاهة اعتلت ملامح بيني بينما جورج  يفتح حقيبته، ويخرج منها مرآة ثم قال لـ بيني:

«أنت لا تعرف ذلك الشيء، فرغم  كل ما في القصر من فخامة ورقي إلا أن جرينهارت حطم كل مرايات القصر، بل كل زجاجة وقارورة به منذ أمد بعيد، هذا الشيء اسمه مرآة حين أنظر إليها أرى وجهي، بل وتعكس كل حركاتي أرفع يدي فيرفعها الرجل بالمرآة  أنزلها فينزلها الرجل بالمرآة، تعالى وانظر بنفسك»

اقترب بيني من المرآة ثم نظر فظهرت ملامح الرعب عليه هز رأسه يمينًا ويسارا ليرى انعكاسهما، ثم صوب نظره بتساؤل يملؤه الخوف نحو جورج،  لم يلبث الأخير أن أراحه موضحًا:

«نعم يا بيني  هذه حقيقتك  أنت مجرد ثعبان، أنت من صغاره أنت رقم سبعة، وهذا يوضح لك جليًا أنانية والدكم، أو من يظنون أنه والدهم إن أردنا التدقيق، جرينهارت الطامع توصل للسر في كتاب للمايا عن السحر الأسود يستطيع من خلاله أن يجعل الثعابين في هيئة البشر وأنت تعلم البقية، تعلم كيف يستخلص منهم السم لكي يصنع منه إكسير الشباب الخاص به،  كيف لرجل في السبعين من عمره مثله أن يكون في كل ذلك الشباب والحيوية، الثعابين تستطيع أن تغير جلدها بجلد وليد لذا فهي لا تكبر قط، أنت وحدك تعرف يا بيني وعليك أن تجيبني كيف يصنع من قيء الأطفال  الإكسير»

بيني لم يجب فما زال مذهولًا،  لم يكن يعرف حقيقته رغم أنه كان يظن أنه يعرف كل أسرار جرينهارت، وبسبب صمته توالت لكمات جورج وصديقه على وجهه، لكنه استطاع التملص منهم و وجه فكه إلى عنق جورج وهم بعضه، فضحك جورج:

« ما زلت غبيا يا بيني، أنت لا تفهم شيئا أنت من صغاره لكنك مختلف، فأنت من عضضت زوجة جرينهارت وقتلتها، لذا انتزع أنيابك منذ زمن، أنت لا تملك عصارة الأطفال لكنك صرت مختلفا عنهم بعد نزع الأنياب منك صرت تنمو سريعًا، ووضحت عليك علامات الذكاء دونهم فصرت أقرب إلى بشري منك إلى ثعبان، هذا هو سبب هزالك».

آثار الحقائق تصوغ ملامح بيني الغاضبة، جورج لا يفهم  كيف يمكن أن يتحول الثعبان إلى شيطان حين يغضب، لم يفهم ذلك إلا حين وجه له بيني لكمة غاضبة  فأسقطته وقبل أن يعتدل، كان بيني يصفر، فركضنا نحوه، لمحت في عينيه نظرة غريبة شعرت بها تخترقني كأنه يقول لنا لا تخافوا أقسم أنني سأرعاكم،  ثم أشار لنا  نحو جورج، وقام بعض الهواء فهمنا مغزى إشارته يريدنا أن نعض جورج، تكاثرنا على جورج نحن الستة  قمنا بعضه في وجهه وبطنه، سمعناه يصرخ، فلم نتركه.

بينما صديق جورج القاسي ضرب بيني على رأسه ضربة قوية بواسطة عصا حديدية، أسقطته في غيبوبة في الحال بينما هجمنا على الرجل الضخم ستة أطفال ليس لهم قوة إلا في أنيابهم فيسقط الرجل الضخم بجوار جورج وبيني.

اقتربنا من بيني الذي صارت أنفاسه الحارة التي تلفح وجوهنا تتابع في بطء شديد، هم أن يقول شيء ما لكنه لم يستطع، فقط مد ذراعيه حول أجسادنا في حنان قبل أن تصمت أنفاسه للأبد.

بينما نحن لا نفهم شيئا من كل ما حدث، رغم أننا رأينا كل شيء بأعيننا، جلسنا على الأرض بجوار بيني نهزه نحاول إيقاظه دون جدوى، بقينا على حالنا هذه أيام، لا نفهم شيئا الروائح الكريهة تملأ المكان وأمعاؤنا تتلوى جوعًا، لم نلهو كما كنا نفعل.

أيام عصيبة مرت قبل أن يعود أبي، كان يبدو عليه الوهن في ذلك اليوم إلا أنه حين عاد ورأى الجثث الملقاة، نظر نحونا، شعرنا به متوجسا منا، أبي لا تخف إنه نحن، أبناؤك.

حين تأكد أننا لن نؤذيه  دفن الجثث وأعادنا إلى الفراش، واعتنى بنا حتى كبرنا، لم نر في الكون أحدا سواه، بعد ذلك لم يسمح لأحد أن يلوث قدسية قصرنا، حتى يوما لم يصحو فيه انتظرناه يطعمنا دون جدوى، الجوع يعصف بنا، أبي استيقظ .

جسده بارد، رائحته صارت كريهة  تذكرنا برائحة جورج وصديقه، حينها قررنا الخروج بحثا عن طعام، ما إن خرجنا من القصر ورأينا الشمس حتى شعرنا بشيء مختلف يملأ حواسنا، إلا أننا لم نشعر بالغربة بين البشر فكلهم مثلنا، لا يستطيعون السير في خطوط مستقيمة، كلما نقابل أحدهم نشعر بالألفة معه نجد أن له أنياب ويقيء سمًا  حتى نظن أنه رقم ثمانية، إلا أنه يشيخ بعد فترة فننفر منه ربما، لهذا أحببنا أبي جرينهارت، لأنه منا، لأنه لا تصيبه الشيخوخة قط، عشنا عمرًا مديدًا في عالم كان يرحب بنا ويمد لنا ذراعيه، استطعنا رغم غبائنا أن نتصيد فرائسنا فيه بسهولة، إجادتنا للسير في كل الطرق الملتوية جعلتنا ذوي نفوذ.

في إحدى الأيام رأيتها!

كانت ترتدي تنورة بلون الورد وجنتاها يقطر منها العسل، نصبت حولها فخاخي، تزينت، اقتربت منها حتى صارت زوجتي أنفاسها زفرات سم تخدر عقلي، فنسيت وصية أبي  وأنا أعضها  في جيدها من فرط النشوى، دون قصد مني.
لم أكن أعلم أنني أستطيع البكاء إلا حين همست لي وهي تلفظ أنفاسها بين ذراعي:

«من أنت؟»

حقيقة لا أعلم يا حبيبتي، كل ما أعلمه أنني سأحيا شابًا، رغم قلبي الذي تقتله الشيخوخة كل لحظة.

الآن عرفت لماذا يموت البشر، انضممت لأخوتي وقصصت عليهم خبرتي، قررنا الانعزال عن العالم، هجرنا الأرض للقصر نصطاد الفئران لنقتات، كرهنا البشر وصرنا نمقت أنفسنا  معهم، كل ما خبرناه أن في حياتنا المديدة لم يكن هناك إلا رجلًا واحد فقط  يعرف كل شيء، رغم أنه لا يفرز السم، ولم تكن له أنياب، لذلك لم يحيا طويلًا.. هو (بيني) النحيل، ولهذا أنتِ لم تعيشي طويلًا حتى تشيخي يا (ماري).

(تمت)

المصدر: مدونة (طير الورار).

عن لأبعد مدى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.