الثلاثاء , أكتوبر 15 2019

«هاني حجاج» يكتب: (بو.. جنون المشاعر.. وشاعرية الجنون)

كان (بو) عبقريًا، وكان يقول:

“ما يدعوه الناس بالعبقرية ليس إلا مرضًا عقليًا ناتجًا عن تطور لا طبيعي، أي تطور مسرف لإحدى ملكاتنا أو مواهبنا”.

ويقول الشاعر الفرنسي (بودلير) عنه وكان متعصبا له بشدة:

“ويمكنك أن تلاحظ هذا التأثر بوضوح في ديوان أزهار الشر مثلًا): “لقد اجتاز هذا الرجل قمم الفن الوعرة… وهوى في حفر الفكر الإنساني، واكتشف – في حياة أشبه بعاصفة لا تهدأ – طرقًا وأشكالًا مجهولة يدهش بها الخيال ويروي العقول الظامئة إلى الجمال، هذا العبقري مات عام 1849 فوق مقعد في الشارع.. وكان عمره يدنو من الأربعين عامًا”.

تأمل رأيه وهو يناقش (ديكنز) شخصيًا لتعرف فلسفة هذا الأديب الفذ: ألمح (تشارلز ديكنز) في مذكرة موضوعة أمامي الآن إلى أسلوب نقدي مارسته مرة على آلية (بارنابي رودج) قائلًا:

– بالمناسبة، هل تعرف أن (جودوين) قد كتب [كاليب ويلياخر] فيما مضى؟ لقد أقحم بطله أولًا في شبكة معقدة من الصعوبات؛ ليكوّن الجزء الثاني، بعد ذلك، لخدمة الجزء الأول راح يلقي الضوء على ما فعله مسبقًا!

لا أعتقد أن هذا هو على وجه الدقة المنهج المتبع عند (جودوين) –وبالواقع، إن ما قاله هو نفسه، لا يتفق تمامًا مع فكرة السيد (ديكنز)- ولكن مؤلف [كاليب ويلياخر] كان فنانًا بحق لا يقبل بمثل هذا التفسير النمطي لأسلوبه.

لا شيء أكثر وضوحًا من أن كل حبكة، تستحق اسمها، يجب أن تكون محددة الهدف بمنتهي الدقة والإتقان قبل محاولة كتابة أي حرف بالقلم. ليكن كل شيء واضحًا من البداية وعلى ضوء ذلك فقط يمكن زخرفة الحبكة بالأحداث المتتالية، أو تقديم القضية، بجعل المواقف تتلاحق، وبشكل خاص الإيقاع الذي يجمع تناسق كافة النقاط بغرض تصاعد الهدف.

يوجد خطأ جوهري على ما أظن في الطابع المعتاد لتأليف قصته, إما يقدم التاريخ أطروحة ما – تقترحها حادثة أثناء اليوم أو…على أفضل تقدير، يُحضِّر المؤلف نفسه للعمل في خضم تركيب من الأحداث.

وفي كل كتابات (بو) من قصص وقصائد تبرز نقاط ضعفه النفسي وتوتره، وكآبته وقلقه، وحزمة مواهبه الخارقة التي شكلت شخصيته الإبداعية المغايرة، التي لم يفلح الدارسون حتى اليوم في فك شفرتها وفي دخول كل دهاليزها الملغزة.

فكتابات (بو) غاية في الصعوبة وغاية في الجمالية ولم يشرحها ربما أكثر وأوضح، سوى ما قاله هو شخصيا في آخر محاضرة له ألقاها في مدينة ريتشموند عام 1849، وتحديدًا قبل شهور قليلة من رحيله، وقد أصبحت هذه المحاضرة منذ ذلك الحين ما سمي بـ [المبادئ الشعرية] أو [مفهوم الشعر]،وفيها تحدث (بو) عن غاية القصيدة، أو غاية الشعر.

بشكل عام الذي هو السمو بالروح، وقد دعا في محاضرته الشهيرة تلك إلى التحرر حين كتابة الشعر من كل [أشكال الرضا والفائدة العقلية] التي يمكن أن تسود على الذهن،ويصف هذا التحرر على أنه كالأثير ولا يحدّ بغايات؛ تأمل الرقة والوضوح وكذلك الشاعرية في قصيدته (حلم داخل حلم):

اغتنم هذه قبلة على الجبين
لفراق من أفارق
اسمحوا لي كثيرًا أن اعترف
لمن يقول أنت لست على خطأ
تلك أيامي أصبحت حلما
وطار معها الأمل إلى البعيد اللامتناهي

كما يصف السمو على أنه: تلك القدرة الشفافة وغير المرئية، القادرة على رفع روح الإنسان، بكل أثقالها المادية الإضافية إلى درجة من الترفع، وغير مسبوقة بإرادة، أو مبنية على مجموعة افتراضات، ليبنى عليها مدخلا للإيحاء أو للتذكر بل الشعر هو ذاك السلوك العفوي المنفلت..

ذاك السلوك، وإن عرف (بو) كيف يعبر عنه في كتاباته، إلا أن فهمه كان صعبًا من قبل الآخرين، فهو كان في نظر أبناء جيله رمز الشاعر الرجيم، ورمز الشاعر المتشرد السائر ضد للتيار، المشاغب في الكتابة الشعرية، المدمِّر في النثر، المتمرد على كل المدارس الأدبية والشعرية السابقة له، المدمن واللعين والفاجر والمغامر والمتفلت من كل التقاليد والقوانين، الثائر على الأصول، الحزين حتى الموت، الكئيب حتى الثمالة، والمتألم والمتيَّم والهائم والمغرم حتى الجنون!!

كتب (بو) في الشعر:

حلم داخل حلم (1827) تيمورلنك (1827) الأعراف (اعتمد فيها على سورة الأعراف من القرآن الكريم.) (1829) إسرافيل (1831) إلى ساكن الجنان (1834) الدودة المنتصرة (1837) الغراب (1845) إلدورادو (1849)

القصص:

سقوط دار أشر (1839) القلب المليء بالقصص (1843) الحشرة الذهبية (وهي مجموعة قصص) (1843) القط الأسود (1843) بضع كلمات مع مومياء (1845) الغرائب. الليلة الألف واثنين لشهرزاد (1850) قصة من القدس (1850) السقوط في الفوضى (1850) الثمان أورانج أوتانات المقيدة أو الضفدع النطاط (1850)

سلسلة قصص”أوجست دوبان”:

جرائم القتل في شارع المشرحة (1841)
لغز ماري روجيه (1843)

وبمكن لمن يرغب في قراءة أعماله بلغتها الأصلية تحميل أعماله بالكامل من موقع مشروع [جوتنبرج]، أما الموقع الرسمي لمؤسسة (بو) في (بالتيمور):
www.eapoe.org

وأخيرا أتمنى أن تروق لك ترجمتي لقصص هذا العبقري المهووس!

 

                                                                  د. هاني حجاج

Hany_Haggag@hotmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.