الثلاثاء , يوليو 16 2019

«بسمة الخولي» تكتب: (أعين)- قصة قصيرة من أدب الرعب

في البداية عجزت عن فهم سر عادة التحديق التي استولت على أمي في الفترة الأخيرة بالفترة الأخيرة أعني العامين و النصف المنصرمين.

تحولت أمي من امرأة نشطة عاملة إلى صنم يجلس وسط التجمعات بالنوادي، المقاهي، الأسواق، أو حتى أرصفة الشوارع، تحدق بالمارة فقط، لا تبدي أي نوع من التفاعل أو رد الفعل تجاه أي شيء مهما كان، فقط تجلس بزاوية فارغة لتحدق باهتمام مبالغ فيه إلى كل من يمر من أمامها.

أمي ليست من هواة الكتابة، لم تطّلع على كتابٍ واحدٍ لعلم النفس طوال حياتها، لذا لَم أجد تفسيراً منطقياً لمراقبتها المستديمة للناس، كان بوسعي تركها و شأنها لكن تواجدها و حملقتها المستمرة بدأت تُسبب الإزعاج و لفت الأنظار، لذا و حفاظاً على سلامتها وسلامتي كنت أرافقها وإن بدأت عادتها الغريبة تلك أصطحبها – بعد إقناعها – إلى المنزل بعيداً عن الآخرين.

لم تعد تتحدث إلى أحد، قاطعت كافة معارفها وأصدقائها و انعزلت تماماً عن الجميع، حتى أنا – ابنها الوحيد – لم أكن أحصل منها إلا على عدد محدود جداً من الكلمات، يتلخص في صباح الخير، مساء الخير، والغداء جاهز..

ظننتها مريضة و حاولت بهدوء إقناعها بالذهاب إلى الطبيب، لكن أمي لم تكن مريضة.. هذا هو ما اكتشفته لاحقاً.

بعد عدة أيام من بداية هوسها و حين كنت مستلقي بحجرتي ليلاً كالمعتاد، سمعت صيحاتها مرافقه بسيل من السباب انبعث من حجرتها فجأة، بالطبع نهضت و خرجت لأرى ما الذي حدث ليصيبني الهلع فور أن وقعت عيناي على الدماء المتناثرة بكافة أرجاء الحجرة .

بدت أمي كفرانكنشتاين في تلك اللحظة، فستانها الأبيض كللته بقع حمراء سيئة الرائحة و تناثر الرذاذ فوق وجهها و شعرها المعقوص، كانت تقلب أصابعها في غضب وقد بدت بائسة، ضائعة وغاضبة بشكل لا يصدق.

حاولت الحديث أو السؤال لكنها ما أن رأتني حتى صرخت:

“لا يصلح .. لم تصلح.. ليس لهم روح.. ليس لهم روح مثلنا لم يروا ما رأيناه ”

كدت أسألها عمّا تعني لكنني حين نظرت إلى حيث نظرت هي صعقتني المفاجأة، فوق الفراش وبين بقع أخري من الدماء رقد كلبي الصغير الأسود ميتاً.. تهدل لسانه الوردي خارج فمه بصورة مثيرة للشفقة وقد غطت فروه تكتلات الدم..

كلبي كذلك قد فقد عينيه، المحجران كانا خاويين بينما كرتا العين رقدتا في أمان فوق قطعة قماشية زرقاء اللون على بعد بضعه أمتار من جثة الكلب.

عند هذه النقطة عجزت عن احتمال المزيد وسقطت فاقداً الوعي.

حين استيقظت طالعني وجه أمي القلق و للحظات فقدت إحساسي بالمكان، لكن حين عاد المشهد مع الدم إلى خلايا عقلي نهضت مذعوراً أنظر حولي.

كان المشهد قد اختلف تماماً، الحجرة نظيفة تفوح منها رائحة مطهر الأرضيات، الفراش مرتب و ملابس أمي تبدلت من الفستان الدامي إلى آخر هادئ عطر، وبالطبع اختفت جثة الكلب.

الشيء الوحيد الذي لم يتغير كانت الأعين .. طالعتني عينا كلبي الخضراوتان من داخل علبه بهارات زجاجية فارغة وضعتها أمي بعناية فوق أحد المكاتب، لا أدري لمَ شعرت أنه ينظر إليّ، نظرة لوم وألم صامت كانت تطل من داخل البؤبؤ المتمدد، سرت القشعريرة الباردة عبر جسدي بالكامل لكنني عجزت عن إبعاد عيني عنها .

لماذا؟

أردت الصراخ بأمي.. لماذا؟ ماذا فعل الكلب؟

لكن قبل السؤال بادرتني هي بنبرة محبة:

“لا تقلق حبيبي دفنت الكلب بالحديقة لم ألقِ بجسده في القمامة لو كنت تظن هذا، أنا لست قاسية حبيبي، بوبي يرقد في سلام الآن”

قالتها واتجهت إلى حيث الأعين لتربت على العلبة بحنان:

“لكنْ عيناه لا تحملان روح، ظننتها مثل بقيه أعين البشر تحمل روح وحكايات وحياة كاملة عاشوها، عين الكلب حين نظرتُ إليها لم تكن تحوي سوى مشاعر، الكلب عاجز عن رواية حياته هو لا يملك سوى المشاعر!! ما فائدة عينيه إذًا؟؟ أخبرني”

ثم صرخت و قد أنتابها الغضب فجأة:

“أخبرني!!”

أجفلت و بقيت مشلولًا بمكاني أراقبها تضع العلبة لتسقط فوق الأرض الخشبية مهشمة، صرخت أمي بضيق وهي تركل الزجاج باحثة عن كرتي العين التي تدحرجت فوق الأرضية:

“راقبت البشر طويلًا، راقبت أعين الناس كثيرًا حتى تعلمت أن هذه الأعين لا ترى فقط، إنها تخزن ما تراه، تخزن حياة كاملة، من قال أن الروح بالقلب لم ينظر إلى عين الآخرين، أنا نظرت وصدقني العين مركز الروح لا القلب، تمكنت من رؤية ما لا يقال داخل أعينهم.. وحين رغبت بالاحتفاظ بواحدة.. واحدة صغيرة فقط كي لا أكون أنانية.. أحصل على عين ميتة، عين لا تعي سوى المشاعر؟؟”

ركضت، أمي كالملسوعة لتطأ العين الخضراء بحذائها، هذه المرة صرخت مشمئزاً حين انبعجت الكرة ثم انهرست فوق الخشب وأفرغت محتوياتها من دم و أشياء أخرى.

لم تنتظر أمي بالمنزل كثيرًا، تراجعت وارتدت معطف ثم خرجت صافعة الباب خلفها، تركتني وحدي بالمنزل مع كرة العين فوق الأرض، حدقت بها كثيرًا ثم انفجرت ببكاء هستيري انتهى بسقوطي نائماً بمكاني دون أن أقوى على الحركة.

حتى الآن لا أعرف هل أصاب أمي مسٌ أم جُنّت فجأة؟ أدركت الهدف وراء هوايتها الغريبة، التحديق كان هوس لا فضول، كانت تبحث عن القصص خلف نظرات الناس، كما قالت “الأعين تحكي ما لا يقال”، لكن لماذا؟

ما الفائدة التي تجنيها من فعل كهذا؟!

لا أعلم.

كيف انتهى الأمر؟

لم ينتهِ.

في الأيام التالية اشترت أمي مكتبة ضخمة غطت جدارًا كاملًا بالمنزل، أزالت العديد من الأثاث كي تفسح مكان لهذه المكتبة عتيقة الطراز، بعد المكتبة اشترت قفل فضي صغير ثبتته بالباب البني لمكتبتها الجديدة، المفتاح كان دائمًا معلق حول رقبتها.

لم أجرؤ على السؤال حتى عمَ تنتوي وضعه داخل المكتبة، بل لم أجرؤ على النظر إليها بعد حادثة الكلب، فقدنا التواصل تماماً و قضيت أغلب الوقت منعزلًا داخل حجرتي أحاول إقناع نفسي أن ما أنا به حلم وسينتهي، ستشفى أمي إما بسبب الملل أو رحمة الخالق بنا.

لكن أمي لم تشفَ، المكتبة لحق بها قفل والقفل لحقت به عشرات العلب الزجاجية الصغيرة تراصت داخل المكتبة، لم أراها لكنني سمعت الأصوات القادمة من الخارج .

ثم بدأ التسلل الليلي إلى خارج المنزل حين تظنني غارقَا في النوم، في المرة الأولى أغلقت باب حجرتي بالمفتاح، ثم لم تعد تعبأ بستر الأمر أصلاً، رأيتها إحدى المرات عائدة إلى المنزل بعد بزوغ الشمس بساعات غارقة في الدماء والعرق تحمل حقيبة صغيرة، هي رأتني وعلمت أنني رأيتها، لكنّ كلينا تجاهل ما حدث، أنا واصلت نومي وهي واصلت دندنتها وسمعت المفتاح يدور والمكتبة تُفتح لتضع ما تحمله داخلها ثم تستأنف يومها.

استمر الرعب داخل منزلنا عامين كاملين، لم ينتهِ إلا حين أعلنت الأنباء عن سقوط الشهب، كانت هذه المرة الأولى التي أجلس فيها إلى جوار أمي منذ سنتين.. استمعنا إلى الأخبار بقلق، ثم بدأت أمي تبكي، نظرت إليها بصمت غير قادر على مواساتها لسبب بسيط.. ما كنت أعلم هل تبكي خوفاً أو لسبب آخر؟

أنهت أمي نشاطاتها بالكامل لكن الوصال بيننا لم يعد، في الليلة الأخيرة أيقظتني أمي بمنتصف الليل باسمة لتقودني إلى خارج الحجرة .. إلى حيث تقبع مكتبتها، كنزها الصغير، فتحت القفل ورأيت ما بداخل المكتبة للمرة الأولى، تقافزت أمي مثل فراشة سعيدة، وهي تردد:

“سينتهي العالم حبيبي الصغير، سنموت لكن كل هذه الأعين، هذه الأرواح الجميلة ستحيا، انظرْ كم روحٍ أنقذت!

كل هذه الحيوات ولحكايات ستبقى في أمان إلى يوم البعث أو إلى أن يجدها من يأتون بعدنا، سنلحق بهم أنا وأنت حبيبي وسنحيا للأبد لا تقلق، سنظل أحياء للأبد داخل الخزانة”.

حين استدارت أمي إليّ أخيراً رافعة سكين الأوراق الصغير وهي تضحك، كنت قد سقطت أرضًا وقد اتسعت عيناي تلتهم المشهد أمامي، آخر مشهد ستراه قبل أن تنضم إليهم.

عندما صرخت في تلك الليلة وهي تقتلع عيني، لم أكن أصرخ ألمًا بل رعباً من البقاء للأبد داخل مكتبة أمي المغلقة بين مئات الأعين الأخرى المحدقة بالظلام، لَم أرغب بتجربة الشعور، رغبت بالموت في سلام مثل الآخرين فقط.. فلأنعم بالموت الهادئ فقط..

كانت أمي مجنونة لكنها كانت محقة، ففي النهار التالي حين تساقطت الشهب وارتجت الأرض بالصرخات كنت أعي كافة ما يحدث.                                                                                                                                                                                                          (تمت)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.