الثلاثاء , أكتوبر 15 2019

بحب السيما (4) كيف تصنع فيلمك في سبع خطوات تارانتينية

عندما  يسألني الناس: «هل ذهبت إلى مدرسة السينما أو الدراما لتتعلم». فأجيبهم: «كلا لقد ذهبت إلى السينما ذاتها»

أعزائي قارئي هذه السطور، أهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من برنامجكم المفضل والمحبوب (خدع للحياة في خمس دقائق) وحلقة اليوم بعنوان:

كيف تصنع فيلمك في سبع خطوات

سنقدم لكم في السطور التالية وصفة سحرية يتبعها أحد أهم صناع الأفلام في النصف الثاني من القرن العشرين و النصف الأول من القرن الحادي والعشرين.

ملحوظة: البرنامج غير مسئول عن أية أثار جانبية لهذه الخطوات.

الخطوة الأولى: اصنع ما تحبه، حتى يحبه الاخرون

عزيزي وعزيزتي، أول خطواتنا في صناعة الفيلم هي أن تصنع فقط ما تحب أن تراه كمشاهد على شاشة السينما أو التليفزيون.

إذا كنت مثلًا تحب أجواء الأفلام الرخيصة التي كنت تشاهدها في سينما الدرجة الثالثة أثناء هروبك من المدرسة بعد الحصة الثالثة، أو أفلام الاسباجتي ويسترن المليئة بالموسيقى المكونة من الهارمونيكا والجيتار الكلاسيكي، فلا تتردد في صنع فيلم يشابه ما تحبه أبدًا.

وتذكروا أعزائي أن واحد من أهم المخرجين في التاريخ المعاصر، وصاحب البصمة التي لا يخطئها أحد في أفلامه، قد بدأ حياته بفيلم سماه كلاب الخزان Reservoir Dogs ووضع داخل سيناريو الفيلم كل ما يحبه من إشارات لثقافة البوب الامريكية في السبعينيات والثمانينيات، والعنف البشري الواقعي بشدة لدرجة أنك ترى الدماء حية تتفجر أمامك على الشاشة، والعدوانية المفرطة التي تميز الشخصية الأمريكية في تلك الفترة بعد فترة السيتينات الذهبية، و الألاعيب البشرية العقلية، بل والكوميديا السوداء التي ميزت كل أعماله لاحقًا.

والأهم من ذلك، أنه حكى قصصه بطريقة غير مرتبة وغير منطقية، هذا لأنك في حياتك الطبيعية يا عزيزي، لا يمكنك أن تحكي قصة مرتبة ومنطقية ومتسلسلة إلا لو كنت سياسيًا تلقي خطبة مكتوبة، وهو ما يكرهه مخرجنا المعروف بشدة.

بل إنه في فيلمه الثاني الذي كتبه وأخرجه عام 1994، قرر أن يسخر من كل الخطب والكليشيهات المحفوظة عن القدريات و الأعمال الخيرية والخطب الوعظية، وأي سخرية أكثر من أن يدور هذا الحوار الوعظي عن المعجزة على لسان قاتلين محترفين في مطعم أمريكي تقليدي بعد أن ارتكبا مجموعة متنوعة من جرائم القتل المدفوعة الأجر!

بل و الأدهى أن يسبق هذا الحوار مناظرة فلسفية عن الفارق بين الخنزير والكلب!

«في رأيي، العنف هو من أكثر الأشياء تسلية لي عندما أشاهد الأفلام»

الخطوة الثانية: أكتب سيناريو فيلمك بنفسك

حسنًا، يرى مخرجنا المفضل أنك اذا كتبت سيناريو فيلمك بنفسك، فستكون رؤيتك للأحداث التي سوف تخرج على الشاشة أكثر وضوحًا وأكثر توافقًا مع وجهة نظرك، ويرى كذلك أن كتابة سيناريو الفيلم الذي ستخرجه سوف يضمن لك توفير الوقت و الجهد، وتفادي اختلاف وجهات النظر وسوء التقدير وسوء الفهم.

كتب مخرجنا سيناريوهات أفلامه التسعة بالكامل، وأعتمد في أفلامه على ما يمكن تسميته بالعلامة المائية لسيناريوهاته، الجمل الحوارية القصيرة ذات الطابع الذي يحمل أكثر من معنى، الجدليات الفلسفية المغلفة بسذاجة لا يخفيها، العلاقات المركبة بين الشخصيات، المشاهد المستوحاة من أفلام سينمات الدرجة الثالثة أو ال Grindhouse المليئة بالسباب السوقي و المشاهد الجنسية الرخيصة و مشاهد الأكشن الملفقة، وعلى الرغم من ذلك، فكل هذا يوضع في قالب أسر لا يمكنك مقاومته وأنت تشاهد الفيلم.

«أنا أصنعها بطريقتي، لا يهمني التصنيف أو النوع، أنا أصنعها بطريقتي»

فقط، نسينا أن نخبركم أعزائي أن مخرجنا حصل على جائزة أوسكار لأفضل سيناريو مكتوب للسينما مرتين، المرة الأولى عام 1994 عن الفيلم التاريخي Pulp Fiction والذي استوحى اسمه من نوعية المجلات الرخيصة التي كانت تطبع على الورق الخشن المصنوع من لب الخشب أو Pulp Sheets و مرة عام 2012 عن فيلمه المصنوع على شاكلة أفلام الغرب الإيطالية Django Unchained لذلك فنحن نثق كثيرًا في سيناريوهات مخرجنا، وننصحك بقراءة السيناريو الموضوع في الرابط أسفله، اذا كنت تريد أن تتعلم كيف تكتب السيناريو لاحقًا.

♦ لقراءة سيناريو فيلم Pulp Fiction

الخطوة الرابعة: ضع نفسك مكان جمهورك!

إذا اردتم أعزائي القراء أن تصنعوا فيلمًا جيدًا، بدون تاريخ صلاحية ومن الممكن أن يبقى إلى الأبد في ذاكرة مشاهديه، فقط تذكروا أنكم كنتم يومًا مشاهدين فيلم صنعه شخص أخر، وأنكم كرهتم التحذلق و الادعاء و الحكم التاريخية، و الخطب الرنانة على هيئة حوار مرصوص يردده ممثل بوجه جامد، تذكروا أنكم كرهتم التعقيد، وكرهتم المثالية، وكرهتم كل ما يخبرك به الآخرون على أنه حقيقة واقعة وأن ما غيره هو الجهل، أجعلوا أنفسكم جماهيرا لما تكتبوه وتخرجوه من أفلام.

«أنا لا أؤمن بالنخبوية. لا أعتقد أن المشاهد هو شخص غبي أقل مني وأني من المفترض أن اعلمه كيف يفكر وكيف يرى الدنيا. ببساطة، أنا و المشاهد سواء»

حققت أفلام مخرجنا التسعة نجاحًا جماهيريًا وتجاريًا كبيرًا قياسًا لميزانيتها المتواضعة، بداية من فيلمه الأول المستقل Reservoir Dogs مرورًا بفيلمه التجاري الأول Kill Bill  في جزئيه الأول والثاني، عطفا على فيلمه الأول الذي غير فيه مجرى التاريخ -في الفيلم وليس في السينما- Inglourious Basterds وحتى فيلمه التاسع Once upon a time in Hollywood والذي حكى فيه قصته الخاصة وتصوره الخاص عن أحداث تاريخية غيرت من طبيعة المجتمع الأمريكي ومن طبيعة السينما وصناعتها في هوليود تحديدًا.

الخطوة الخامسة: احكي قصتك الخاصة، فليذهب التاريخ إلى الجحيم

«أنا لا أقدم أفلامًا تسجيلية، لا أقدم أفلامًا تعليمية، يمكنني قتل هتلر أو حرق الامبايرستيت أو إطفاء الشمس ذاتها، هذا فيلمي وهذا هو خيالي»

والآن أعزائي مع الفقرة المحببة في وصفتنا، فقرة التاريخ.

إذا كنت تريد أن تصنع فيلمًا يتوخى الدقة التاريخية، فهذا ليس المكان المناسب لذلك، فتش عن نصائح أخرى مع مخرجين مثل ريدلي سكوت أو توم هوبر.

يؤمن مخرجنا وصاحب الوصفة أن الخيال هو الحاكم الأول هنا، وأن وجهة نظره في الأحداث التاريخية هي حق أصيل له، فهو لا يقدم فيلمًا تسجيليًا أو برنامجًا على قناة هيستوري، إن دور الفن أن يخبرك بماذا قد يحدث لو أكل الغزال الأسد وليس العكس.

الخطوة السادسة: مجد ثقافتك حتى يمجدها الآخرون

إذا أردت أن تترك أثرك الذي لا ينسى، استعن بثقافتك و كرمها، ربما تقرر أن تملأ فيلمك بمراجع من ثقافتك الشعبية.

فعندما تصور مشهدًا يحكي فيه ممثل في فيلمك عن الفارق بين إسم شطيرة البرجر في أميركا و أوروبا، لا تنسى أن ماكدونالدز هو الثقافة الشعبية للبرجر في بلادك، ولا تنسى أيضا أن تجعل هذا الحوار يدور بين قاتلين محترفين وهما في طريقهم لتنفيذ عملية قتل مقابل المال، تذكر أن الفوضى هي عنوان القصة.

الخطوة السابعة: رجالك هم رجالك، لا يفارقون أفلامك مهما تغيرت

تيم روث، مايكل ماديسون، هارفي كيتل، والتون جوجيز، تيموثي دالتون، صامويل ال جاكسون.

هؤلاء هم توابلك التي تضعها على فيلمك، لا تستقيم وجبتك بلا رجالك الذين تعرفهم ويعرفونك.

ربما تضيف لهم ليوناردو دي كابريو، براد بيت، مايكل فوكس، كريستوفر فالتز، كيرت راسيل، مايكل فاسبيندر، جون ترافولتا أو حتى أوما ثورمان.

المهم أن تبقي توابلك الاساسية في خلطتك، إنهم رجالك الذين سيقبلون أي دور، حتى ولو كان في مشهد أو حتى نصف مشهد.

وبعد أعزائي، إذا اتبعتم وصفتنا بدقة و التزمت بها تمامًا، فأعلم أنك ربما لن تحقق ما تصبو إليه، فالعشوائية هنا تلعب لعبتها، والفوضى المنظمة هي عنوان المسألة.

أو ربما تنجح وصفتنا معكم، ساعتها ربما يفكر قاموس أوكسفورد العريق في ادراج كلمة جديدة لكم، كلمة تحمل إسم أحدكم مع حروف مثل sque  أو ation.

فقط تحلوا بالصبر.

ملحوظة: إذا كنت لم تجد الخطوة الثالثة، فتذكر انك تقرأ مقالًا عن كوينتن تارانتينو!

• التارانتينية (تارانتينوسك) Tarantinoesque: هي صفة تدل على أن الاشياء تشبه التيمة الرئيسية لأعمال كوينتن تارانتينو.

قاموس أوكسفورد

عن ميسره الدندراوي

مؤلف مصري، من رواياته البوليسية: (آثار جانبية)، (صمت مزعج)، (العنصر التاسع).