بحب السيما (2) ديفيد فينشر .. الخيال الذي فضح الحقيقة

“بعض الناس يذهبون الى السينما لمشاهدة الأفلام حتى تذكرهم بأنها مجرد خيال وأن كل شئ على ما يرام، حسنا، أنا لا أصنع تلك الأفلام “

ديفيد فينشر

كنت أقيم في تلك الأيام في بيت خالي -رحمه الله- كي أستعد لاختبار الثانوية العامة

في تلك الليلة، منحنا خالي عشرين جنيها و قال بهدوءه المعتاد: اذهبوا وشاهدوا فيلم سينما، أنتم تستحقون القليل من الراحة.

لذا، وبعد القليل من التفكير، قررنا ان مشاهدة فيلم براد بيت ومورجان فريمان الجديد ليست بالفكرة السيئة.

دخلنا إلى قاعة السينما، وبعد ربع الساعة من بداية الفيلم انقلبت الشاشة، ثم انطفأت، ثم عرض فيلم آخر لمدة خمس دقائق، ثم ارتفعت الاعتراضات من جميع الاتجاهات، ثم رفضت السينما أن تمنحنا تذاكر بديلة.

حضر رئيس مباحث مصر الجديدة في الثانية صباحًا، مارس القليل من مواهبه كرئيس مباحث مع مدير صالة العرض، ثم منحت لنا تذاكر جديدة، ثم مررنا ب أبو حيدر لنمنح نفسنا قليل من شاورمته التي لا تقارن، ثم انتهت التجربة البائسة بالعودة الى حدائق القبة مترجلين، لأنه لا توجد سيارات اجرة في تلك الساعة من الصباح الباكر.

كانت هذه التجربة المحبطة هي عنوان تلك الليلة من أحد أيام شهر يونيو من العام 1995.

ماذا كان فيلم براد بيت ومورجان فريمان الجديد؟

نعم، هو فيلم Seven.

أتذكر أنني شاهدت الفيلم بعد عامين فقط في أحد قنوات شوتايم، وأتذكر أنني بدأت قصة عشقي لموهبة كيفن سبيسي، الموهبة التي ضاعت مؤخرا بسبب أنه لم يكن بالاتزان الكافي الذي يمنعه من العبث مع فتاة في عمر أحفاده.

وفي ذلك اليوم، بدأت قصة أخرى من العشق للسينما، قصة تحت عنوان، ديفيد فنشر.

فيلم “سبعة” كما يعرف الكثيرون من قراء هذه السطور، يتحدث ببساطة عن محقق شاب قصير النظر سريع الغضب يدعى ديفيد ميلز، يصل الى المدينة حديثًا مع زوجته الشابة تريسي، وعندما التحق بالخدمة، كان من نصيب محقق عجوز يدعى سومرست، الذي أصبح محل ثقة العائلة في فترة قصيرة، حتى أن تريسي أخبرته بحملها الذي تخفيه عن زوجها، ولماذا تخفيه؟

لأنها لا ترى أن هذه المدينة هي مكان مناسب لتربية طفل صغير، تذكر أن هذه الأحداث كانت في مدينة أمريكية في اوائل التسعينات، حيث ذروة موسم الهجرة إلى الغرب!

يصطدم ميلز بقضيته الأولى، قاتل متسلسل، نظريته هي قتل سبعة خاطئين بناء على الخطايا السبع التي وردت في الإنجيل.

الشهوة، النهم، الجشع، الكسل، الحقد، الكبرياء، الغضب.

لن أطيل الحديث عن ما حدث لاحقًا، فقط شاهد مشهد النهاية وأنت تعرف لماذا وقع أغلبنا في غرام ديفيد فنشر وكاد اغلبنا يرقص طربا من اداء كيفن سبيسي.

كمراهقين مقبلين على حياة الجامعة المثيرة -أو هذا ما كنا نظنه- أعجبنا بذلك الرجل وبطريقته في عرض الواقع بسوداوية مثيرة للإعجاب، لم نكن نعرف أن ما نشاهده هو فعلا ذلك المجتمع الأمريكي الذي كان أغلبنا يحلم بأن يعيش حياته المترفة المريحة -هذا ما كنا نظنه أيضًا- لذا فكان الأمر بالنسبة لنا خيالا قبيحا سوداويًا، وهذا ما يعجب المراهقين بالطبع!

إنه ما يطلق عليه النقاد في ذلك الوقت New Noir.

لم ننتظر كثيرا حتى عاجلنا الرجل بأحد أهم أفلامه، وأكثر أفلامه التي ظلمت على كافة المستويات، فيلم The Game.

مايكل دوجلاس، مجسدًا شخصية أحد أثرياء فترة ازدهار وول ستريت في التسعينات، يمنح هدية في عيد ميلاده من أخيه الغامض، الذي جسده شون بين.

الهدية بسيطة، اشتراك في لعبة واقعية تختلط مع أنشطة حياتك اليومية المملة، فتقرر أن تجربها ولم لا، ثم تكتشف بمرور الوقت أن حياتك واللعبة أصبحا كيانًا واحدًا، وأنك لم تعد قادرًا على التمييز بين الحقيقة و اللعبة، برغم أنها لعبة صممت من خيال شخص ما، لكنك ستكتشف أن الحقيقة أقبح من كل خيال، وأن الخيال أحيانا ما يجمل الحقيقة، فقط شاهد الفيلم من فضلك و تعال وأخبرني هل ميزت اللعبة عن الحقيقة أم لا!

حسنا، هل توقف ديفيد فينشر؟

في الحقيقة لم يكن عامان قد مرا فقط، حتى شهدت السينما أحد الأحداث الجليلة في عالمها، لأن هذا الفيلم المأخوذ عن رواية الكاتب الأمريكي العظيم تشاك بولانيك، لم يكن فقط فيلمًا محكمًا جيد الصنع، بل كان حدثًا أثر على صناعة السينما، وعلى ثقافة و اهتمامات كل من شاهدوا الفيلم قبل أن تسنح لهم الفرصة لقراءة الرواية، ومنهم بالطبع كاتب هذه السطور.

إننا نتحدث عن أعظم اداء تمثيلي للمتميز ادوارد نورتون، وأعظم أداء تمثيلي للمثلة البريطانية هيلينا بونهام كارتر، وأحد أعظم اداءات براد بيت -أحد أصدقاء ديفيد فنشر المقربين- نحن نتحدث أيضًا عن واحد من أعظم التجارب الصوتية، من حيث الموسيقى واختيار الأغاني.

سيداتي انساتي سادتي، المخرج ديفيد فينشر يقدم لكم Fight Club

– القاعدة الأولى لنادي القتال، لا تتحدث عن نادي القتال، القاعدة الثانية لنادي القتال، لا تتحدث عن نادي القتال.

تايلر دوردن 

ليس المجال هنا أن أذكر قارئ هذه السطور بحبي الشديد وعشقي وتأثري بهذا الفيلم، لا مجال في الحقيقة أن أحكي قصة الفيلم أو أن أحكي أحداثه أو نهايته، فقط أطلب منك عزيزي أو عزيزتي قارئي هذه السطور أن تشاهدوا نادي القتال، لا تفوتوا نادي القتال، لا تطرف أعينكم لحظة وأنتم تشاهدون نادي القتال.

ثلاث سنوات، هي المدة التي استهلكها فينشر ليأتي بشئ جديد لم يتطرق اليه من قبله أحد، تعاون فينشر وقتها مع ممثلين من الحاصلين على جائزة الأوسكار، العظيمة جودي فوستر والممثل المبدع قليل الاعمال فورست ويتكر والممثل الواعد الشاب الذي قدمه قبلها في نادي القتال،

جاريد ليتو، ليأتي لنا بفيلم حقق 92 مليون دولار في شباك التذاكر، أي ما يوازي نصف المليار بحسابات هذه الأيام و مع احتساب عامل التضخم.

انه فيلم Panic Room.

إنه قصة عن الخوف، عن الخوف الذي حكم حياة أم تعيش حياة وحيدة منعزلة مع ابنتها في بيت يهاجمه غرباء محاولين سرقته، فتتحصن داخل غرفة معزولة لتحميها من أخطار العالم الذي يحكمه اللصوص، اللصوص الذين يملك بعضهم قلوبًا لم تتلوث بالكامل، أن ديفيد فينشر لا يعرف الشر المطلق والخير المطلق، في الواقع لا شئ مطلق مع هذا الرجل.

في العام 2007، عاد فينشر إلى هوايته المحببة، الألعاب النفسية و أفلام القتلة المتسلسلين، لكنه عاد مع واحد من أفضل أفلامه ومن أفضل الأفلام ربما في تاريخ السينما بالكامل، بل إنه أختير عام 2016 في الترتيب الثاني عشر كأفضل افلام القرن الحادي والعشرين بإختيار أكثر من مائة ناقد على مستوى العالم، وحقق إيرادات تعدت ال100 مليون دولار على مستوى العالم، ساهم قارئ هذه السطور بخمسين جنيها منهم، وهو ثمن تذكرتين شاهدت فيها الفيلم مرتين في صيف 2007.

نتحدث عن فيلم من بطولة ثلاثة من الممثلين المميزين، الممثلين القادرين على صنع الالعاب النفسية بأقل مجهود، روبرت داوني جونيور وجيك جيلينهال ومارك رافلو.

بالطبع نتحدث عن قصة القاتل المتسلسل الشهير Zodiac.

– لقد أرسل لنا الورود، بحق الجحيم لقد أرسل الورود إلى شرطة سان فرانسيسكو، وكأننا صديقته اللعينة.

رئيس شرطة سان فرانسيسكو ، أكتوبر 1969

ثم بعدها بعام واحد فقط، قرر فينشر ان يتبنى مشروع تحويل قصة قصيرة للكاتب سكوت فيتزجرالد الى فيلم سينمائي كتب له السيناريو إيريك روث، كاتب سيناريو رائعة فورست جامب.

فيلم وضع به فينشر بداية فصل جديد في صناعة السينما، فصل جديد في كيفية تأثير المكياج والمؤثرات البصرية والملابس في صناعة فيلم درامي متقن، فيلم لن تشعر معه أنك تشاهد صورًا مركبة بالكمبيوتر او تجاعيد صنعت من اللاتكس

كذلك، وضع فينشر بداية جديدة لنفسه، وأثبت للجميع أنه ليس فقط مخرجًا جيدًا لافلام الاثارة والغموض و القتلة المتسلسلين، بل إنه قادر على صناعة فيلم درامي عميق المعنى.

بقي أن نعرف أن براد بيت كان في قمة أداءه التمثيلي، وأن The Curious Case of Benjamin Button فاز بثلاثة جوائز أوسكار من أصل ثلاثة عشر ترشيحًا!

في هذا الفيلم، استمر ديفيد فينشر في استخدام أسلوبه الساحر في صنع الصورة الموسيقية، بمعنى أن الكاميرا تتحرك وكأنها تعزف تلك الموسيقى التي تسمعها، تتحرك كأن الحروف التي تخرج من أفواه الممثلين هي من تعطي لها الكهرباء التي تحركها، الصورة النقية المحكمة قليلة الابهار شديدة الكثافة، والخيال الذي يجعلك تشعر أنه واقعي أكثر منك وممن حولك، كل علامات ديفيد فينشر المميزة خرجت في هذا الفيلم، واستمرت في الحقيقة فيما تلاه!

– إنها قصة مثل الحواديت السحرية، ببساطة، إنها رحلة مؤثرة لرجل يعيش حياته بشكل مدروس، ولكن في الاتجاه المعاكس.

مجلة تورنتو ستارز عن الفيلم 

في عام 2010 بدأ ديفيد فينشر يحرك كاميراته من جديد، يخرج فيلمًا عن العملاق الأزرق القادم، والذي ربما تكون في هذه اللحظة تقرأ هذه السطور عن طريقه

الفيلم الذي -وأخيرًا- حصل ديفيد فينشر من خلاله على جائزته الأولى كمخرج، ليست من الأوسكار، إنها من اكاديمية الفيلم البريطانية.

الفيلم الذي حصد ثلاثة جوائز أوسكار، The Social Network.

إذا كنت تحب معرفة ما حدث خلف كواليس هذا العمل، إستمع لفينشر في هذه المقابلة.

وفي عام 2011، حول ديفيد فينشر سيناريو الامريكي ذو الأصول الارمينية ستيفن زيليان عن رواية الكاتب السويدي الشهير ستيج لارسون الى فيلم ترشح لخمسة جوائز أوسكار، فيلم من بطولة البريطاني المتجمد -الذي تحول لأنجح نسخ جيمس بوند لاحقا- دانيل كريج، والممثلة روني مارا في دور بطلة الرواية المختلفة والمختلفة جدا، ليزابيث سالاندر.

فيلم The Girl with the Dragon Tattoo.

في هذا الفيلم تحديدًا، عاد فينشر الى التشويق والاثارة والجريمة، عاد بفيلم تدور أحداثه في السويد، من بطولة ممثلين أغلبهم من البريطانيين والاسكندافيين، مثل النرويجي العظيم ستيلان سكارسجارد، لكنه لم يتخلى عن حبه للصورة الكثيفة المعبرة، والاهتمام العميق بالسيناريو والأداء التمثيلي، حتى انه صنع من لوح الثلج البريطاني دانيل كريج ممثلًا بارعًا، وكان هذا الفيلم بداية تواجد كريج كممثل متميز مؤخرا وخاصة في نسخة أكثر انسانية -مثل ما يصنعه فينشر- من العميل البريطاني جيمس بوند.

كان آخر عهدنا بمخرجنا العظيم هو العام 2014، حيث أخرج فيلمًا رائعًا شاهدنا فيه ممثلة من طراز رفيع، روزموند بايك مع الممثل الذي تعلم مؤخرًا أن التمثيل ليس فقط بوسامته وطوله، بالطبع نتحدث عن بن أفليك، ونتحدث عن فيلم من أكثر أفلام فينشر نجاحًا على المستوى الجماهيري والنقدي معاً، بل انك لن تتوقف عن رؤية وجهه ذي اللحية الفضية في كل مشاهد الفيلم وهو يبتسم في خبث ويقول ساخرًا ان الأمر ليس بهذه البساطة، وأنني سوف أخدعك من جديد لأنني ديفيد فينشر.

فيلم Gone Girl من أكثر أفلام فينشر التي بالتأكيد تستحق المشاهدة عدة مرات، ولا تنسى أن تتابع حركة الكاميرا، لأن فينشر ألقى بمفاتيح اللغز مع كل حركة للكاميرا في هذا الفيلم المتميز.

كان هذا آخر عهده بالسينما، لكننا نعرف أنه الآن يبدع في صناعة المسلسلات من جديد، لكن هذا حديث أخر، سوف نتحدث عنه لاحقًا، بالتأكيد سنتحدث عنه.

فقط تبقى ملحوظة أخيرة، لا تنسى ان ديفيد فينشر، لم يحصل على جائزة الأوسكار حتى الآن، أكرر يا عزيزي وعزيزتي قارئي هذه السطور.

حصل على الكرة الذهبية Golden Globe، حصل على جوائز الأكاديمية البريطانية BAFTA، ولم يحصل ديفيد فينشر على الأوسكار في حياته!

ربما لأنه لم يحاول أن يجعل الحياة في أفلامه جميلة وردية، بل فضح قبحها وزيفها، وصنع من هذا الخيال حقيقة أخرى ستبقى معنا في كل دقيقة صنعها هذا العبقري.

ميسره الدندراوي

عن ميسره الدندراوي

مؤلف مصري، من رواياته البوليسية: (آثار جانبية)، (صمت مزعج)، (العنصر التاسع).