(الهندسة الوراثية) لأبعد مدى

اقترب الكثيرون من محراب الحمض النووي (DNA) فأزاحوا الستار عنه قليلًا، إلا أن أول من مد قدميه بخطوة إلى الداخل، هما (جيمس واطسون) و(فرانسيس كريك) عام 1953م، بأن كشفا عن شكل جزيء الدنا، وتكوينه الحلزوني المزدوج.

الطريف، أن كلاهما لم يُجرِ تجربةً معملية واحدة، بل اعتمدا على تحليل ما توصل الباحثون السابقون، ومن ثم تجميع الصورة المبعثرة، مما أثمر عن دخولهما التاريخ من أوسع أبوابه، ونيلهما (نوبل) سويًا عام 1962م، ليرتبط اسميهما إلى الأبد، وفى ذلك يروى أولهما -واطسون- حكاية باسمة أخرى، عندما قدم نفسه لأحد العلماء الكبار يلتقيه لأول مرة، فرد الآخر مندهشًا:

-«كنت أظن أن (واطسون وكريك) هما اسم لشخص واحد!»

يقول متخصص الوراثة الجزيئية د. (طارق قابيل)، أن الجرام الواحد من (الدنا) يختزن معلومات بقدر ما يختزنه ألف مليار قرص كومبيوتر.

أما لو حاولنا شرح تركيب الدنا نفسه، نقول ببساطة أنه يتكون من (جزيء سكر منزوع الأكسجين، مجموعة من الفوسفات، قاعدة نيتروجينية).

لا يخرج حمض أي كائن حي عن هذه المجموعة من العناصر، سواء كان فأرًا أو ديناصورًا.

يأخذ شكل شريطين ملفوفين حول بعضهما بشكل لولبي، يمثلان الدفتر الذي سُطر فيه أغلب ملامحنا ومصيرنا.

أي الأمراض حملناها من أبائنا وسنورثها لأبنائنا؟

ما الأشياء التي تصيبنا بالحساسية؟ إلخ.

نظرًا لأهمية الشريطـين، فقـد حفظهما الله في حصن حصين، داخل نـواة كل خلية من أجسامنا. وبفضل التكنولوجيا الحديثة حاليًا، يمكن فصل طرفي هذا اللولب، وقص أو ربط أحدهما.

عام 1976م اتسع أفق المجال، لدرجة تأسيس أول شركة متخصصة في الهندسة الوراثية، وأطلق عليها مؤسسيها (هيربرت بوير) و(روبرت سوانسون): (جينيتيك).

لم يتأخر الصرح الجديد في إثبات تميزه على أرض الواقع، فأنتج في ظرف عامين أنسولين بشرى مهندس جينيًا.

أنهى العلماء نسخة أولية من خريطة (الجينوم) سنة 2001م، ثم وصلوا إلى كلمة (النهاية) في المشروع عام 2007م.

تقول (كاثرين براوين) عن هذه اللحظة التاريخية:

– «في اللحظة التي ستصلك هذه المجلة، سيكون بوسعك قراءة كامل الكود الجيني البشري على الإنترنت. إنها ليست قراءة مسلية تمامًا؛ فهي من بدايتها إلى نهايتها ليست سوى أربعة أحرف (A وT وC وG)، تتكرر مرات ومرات مع اختلاف في الترتيب. إنها طويلة بما يكفي لملء مائتي دليل هاتف. ومع ذلك، فإن الكود الجيني يمثل في نظر البيولوجيين إنجازًا راج رواجًا عظيمًا. ترمز الأحرف الأربعة إلى كيماويات (الدنا) التي تشكل جيناتك كلها، تلك التي تؤثر في طريقة مشيتك وتحدُّثك وتفكيرك ونومك».

أضيف.. أن الثمار المتوقعة من الإنجاز، أكثر من أن يمكن حصرها، إذ يشكل ثورة في العديد من المجالات، ما بين استنبات الأدوية، الأعضاء التعويضية، الأغذية والزراعة؛ وحتى نَعِي تأثيره في الأخيرة تحديدًا، يكفي القول أن عام 2009م وحده، شهد زراعة (11) محصولا مُعدلًا وراثيًا، بـ(25) دولة.

فيما بعد تعقد المجال أكثر، وتحول إلى علم قائم بذاته، يسمونه بـ(التكنولوجيا التخليقيـة)، صحيـح أنه لا يـزال يحبـو في أيامـه الأولى، إلا أنه حـقق بعـض الإنجازات المذهلة على مستوى الكائنات وحيدة الخلية.

أذكر أنني قرأت عنه ملفًا مفصلًا بتلك الدورية التي رافقتي أعوامًا طويلة بداية شبابي، أعني مجلة (العلم)، الصادرة عن المركز القومي للبحوث، تطرق الملف إلى تعريف (التكنولوجيا التخليقية) بأنها:

– «تصميم وبناء أجزاء بيولوجية جديدة، أو إعادة تصميم النظم الحيوية القائمة، مما سيمكننا من إنتاج وتطوير الحيوانات الأليفة التي نرب

يها، والنباتات التي نزرعها، حتى أجهزة الكمبيوتر!»

تقول عنه د. (بام سيلفر) أنه واعد في إيجاد بعض أشكال الحياة الجديدة، وتعطي مثالًا:

– «أجهزة الكمبيوتر البيولوجية، يقول البعض أنها سوف تكون بطيئة للغاية، لكنها ستكون قادرة على تكرار نفسها (التكاثر بنفسها). وبالنسبة إليّ فإن الأمر ليس بناء، بل إثبات إلى أي حد يمكن للإنسان أن يمضى فى توسيع حدود ما تفعله الطبيعة».

عندما سُئلت عن الانتقادات بأن هذا تلاعب بخلق السماء، ردت:

– «أنا أنظر إلى دائما إلى النواحي الإيجابية. إن البيولوجيا التخليقية يمكن أن تساعدنا فى الوصول إلى طرق أفضل وأسرع لإنتاج اللقاحات، فهل تغضب السماء لأننا جعلنا إنتاج اللقاحات أكثر سهولة؟!»

• المصدر: كتاب (نبوءات الخيال العلمي).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى)