(الموريسكي الأخير): صبحي موسى- من وحي رحلة

كلما بدأت في كتابة رواية تذكرت عنوان العمل الخالد للراحل الكبير (جمال حمدان) (شخصية مصر، دراسة في عبقرية المكان)، موقنًا أن المكان ليس مجرد مسرح تدور عليه الأحداث، لكنه القالب الذي يطبع الشخوص وفقًا لمقاسه ونتوءاته.

ومن ثم فلا يمكن أن ينفصل الشخص عن المكان الذي نشأ فيه، حتى أن ملامح الناس تدل على أماكنهم، فالذين يعيشون بين الجبال يتمتعون بأجساد خفيفة وملامح منحوته وشكيمة قوية، والذين يعيشون في الصحراء يتمتعون بأقدام عريضة وأجساد وافية وحذر دائم، أما المقيمون على الساحل حيث يلتقون بالكثير من المسافرين يتمتعون بنوع من خفة الظل والقدرة على جذب الانتباه، أما القرويون فيتمتعون ببشرة سمراء وعزيمة واضحة وحرص في الإنفاق.

هكذا يطبع المكان شخوصه، فيصنعهم حسب ظروفه وتاريخه وملامحه الجغرافية، ومن ثم فلا يمكن للروائي أن يغفل عنصر المكان في عمله، ولا يمكنه أن يتعامل معه بوصفه وسيطًا حياديًا.

أي مجرد مسرح تجري عليه الأحداث، لأنه شريك أساس في صناعة أبطال العمل، وكثيرًا ما يفرض نفسه على الأحداث، ويلزم الكاتب بتغيير مسارات أفكاره بما يتوافق مع طبيعة المكان وقدراته، ولا أعتقد أن كاتبًا يمكنه أن يكتب عن مكان لم يستطع تخيله، بمعنى أنه لم يتأمله، ويتخيل تأثيره على شخوصه وأفكارهم ونفسياتهم.

هكذا أتعامل مع المكان في أعمالي، لكن العمل الذي احتاجني أن أستخرج جواز سفر للخروج من مصر لأجله كان رواية (الموريسكي الأخير)، فقد كانت لديَّ مشكلة رئيسية، وهي أنني لا أعرف موريسكيين، لم ألتقِ بموريسكيين من قبل، فكيف يمكنني أن أرسم ملامحهم، كيف يمكنني أن أتنبأ بطريقة تفكيرهم، وأتوقع ما يمكنهم أن يقدموا عليه.

كانت هذه هي الأسئلة التي تلاحقني بعدما وافق الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق) على إعطائي منحة لكتابة الرواية، وكنت قد تقدمت بفكرتها إليهم فور قراءتي لإعلانهم عن منح جديدة لكتابة أعمال روائية، وكان لابد أن أختار بين أمرين:

إما زيارة الأماكن القديمة للموريسكيين في الأندلس، أو زيارة الأماكن التي انتقل إليها الموريسكيون في المغرب، ومازال أحفادهم يعيشون هناك، حيث يمكنني أن ألتقي بهم، وأتعرف من ملامحهم على الإشكالية التي عانوا منها طيلة تاريخهم، إشكالية التشكيك في ماهيتهم الثقافية أو الدينية.

بالنسبة لي كان الذهاب إلى المغرب أهم من الذهاب إلى الأندلس، رغم أن كلاهما مهم وضروري، لكن لأمور عديدة تم تفضيل المغرب على الأندلس، من بينها عامل اللغة، وتوافر الأصدقاء، وبساطة التكاليف، فضلًا عن وجود مؤتمر بمدينة طنجة بعنوان (في أعقاب الموريسكيين).

لم أكن أتوقع أن ما شرعت في كتابته سيتحقق على أرض الواقع، فقد رسمت الشخصية الرئيسية لديَّ، وهي (مراد الموريسكي) على نحو يتماثل مع شخصية حقيقية من لحم ودم، شخصية قابلتها في إحدى المدن المغربية.

المدهش أن هذه الشخصية كانت موريسكية، الأكثر إدهاشًا أن أصدقائي الذين ساعدوني في الذهاب إلى المغرب اكتشفت هناك فقط، أنهم موريسكيون، فقد نزلت مدينة طنجة، وبدأت أتحرك منها إلى شفشاون وتطوان والعرائش ومربيل وأصيلة وجبل موسى، ووقفت على مضيق جبل طارق وأمام سبتة ومليلة، والتقطت آلاف الصور وتعرفت على العديد من الشخصيات، ما بين كتاب وفنانين وشخوص عادية.

واستمعت إلى سائقي التكسي وبائعي الملابس وسرت في الحارات والأزقة القديمة،وتطلعت إلى اللون الأزرق الذي يكسو كل الجدران القديمة، والموزاييك المرصع على الحوائط، تطلعت إلى الأبواب القديمة، والمباني الهرمة، والأضرحة التي يأمها آلاف البشر، ولم أعرف أن أصدقائي موريسكيين إلا حينما أخبرني أحدهم أنه ذاهب لزيارة أهله في تطوان.

وكنت أعلم أن تطوان مدينة الموريسكيين منذ أنشأها (أبو علي المنظري) قبل سقوط غرناطة بسنوات قليلة، فسألته إن كان موريسكيًا أم لا، فأجابني بأنه موريسكي، وعلمت أن زوجته موريسكية، وأن بقية أصدقائي الذين استضافوني من عائلات شفشاونية أو تطوانية، وعلمت أن أغلبه لديه جواز سفر إسباني، وأنهم يدخولون ويخرجون من سبتة بجوازهم الإسباني، فأخذت في رسم أبعاد روايتي، حيث مؤتمر الموريسكيين، وحيث المطالبة بعودة الموريسكيين وحقوقهم في الأندلس.

في وسط كل هذا الزحام عثرت على شخصية (مراد الموريسكي)، وهو الشخصية البطل لديَّ في النص، لم أكن أريد منه أكثر من ملامحه، ونظراته، ومدى إقباله على الحياة وانعزاله لخوفه منها.

ظللت أرقب حركاته وطريقة نطقه، باحثًا عن شجاعته وجبنه، إقدامه وتراجعه، ثم انتقلت إلى النقطة الأهم، وهي موقفه من المسألة الدينية ككل، كنت قد بنيت تصورًا مسبقًا عن الموريسكيين أنهم كرهوا اللعبة الدينية ككل، فقد اتهمهم الذين في الشمال (الإسبان) بأنهم مسلمون يتخفون في ملابس نصارى، بينما اتهمهم الذين في الجنوب (أهل المغرب وتونس والجزائر) حين تم تهجيرهم إليهم بأنهم نصارى في ثياب مسلمين.

عاش الموريسكيون أزمة التشكك الدائم في هويتهم، وكثيرون منهم اضطروا لمغادرة البلاد التي هاجروا إليها إلى أماكن أخرى، كان من بينها مصر التي لم تكن الاختيار الأول لهجرة الموريسكيين، لأنها لم تكن قريبة من الأندلس، فنزل الموريسكيون إلى شواطئ المغرب والجزائر وتونس.

ولم تكن الأحوال مستقرة في هذه البلدان، كان الصراع في المغرب على أشده بين جهات عدة، حتى أن السعديين قرروا أن يستفيدوا بالموريسكيين فجندوهم في جيوشهم لفتح وسط أفريقية وإحضار المزيد من الذهب، بينما تشكلت إمارة خاصة بالموريسكيين في تطوان، كانت تحت ظل (علي المنظري)، وهو من آخر وزراء بني الأحمر في غرناطة، في حين سيطر على فاس الهوراشيون، وهم موريسكيون من أهل البحر في بلنسية، تفرغوا لسلب السفن الإسبانية والبرتغالية ردا على ما فقدوه في بلادهم، وعلى الجانب الآخر كانت الجزائر إيالة عثمانية، وكان الصراع بين العثمانيين والسعديين على أشده.

كانت هذه هي الأجواء التي عاش فيها المورسكيون المنتقلون إلى الشواطئ الجنوبية، وهم أناس أبناء حضارة وفكر وثقافة، كانوا أكثر تقدمًا من أهل المغرب وتونس، وكانت معرفتهم بالزراعة والصناعة أفضل بكثير، فاستصلحوا الأراضي وزرعوها، فلم أتت بثمارها طمع فيها المغاربة والتوانسة (حومة الأندلس وغيرها في تونس)، فنازعوا الموريسكيين عليها، وشككوا في دينهم، واتهموهم بأنهم نصارى سجدوا للصليب، وتعمدوا بماء المعمودية، وتعطروا بزيت الميرون.

هكذا عاش الموريسكيون الصراع على الأرض، فاتهموا في دينهم من جديد بسبب رقي حضارتهم وقدرتهم على تحسين الزراعة والصناعة التي برعوا فيها، كما برعوا في مجالات كثيرة كصناعة الموزاييك واستخلاص زيت الزيتون وغيرها.

هنالك قرر الموريسكيون أن ينتقلوا لأماكن أقل عصبية، وأكثر اندياحًا، وقدرة على استقبال الغرباء ونسيان ماضيهم، أماكن يحكمها القانون وليس العصبيات والأفكار القبلية، ولم يكن هناك أفضل من القاهرة أو مصر بمناخها العام، فانتقلوا إليها، وانداحوا بين أبنائها، ولم يفرق أحد بينهم وبين أي من المصريين.

حتى أن بعض المحافظات المصرية من كثر نزوح الموريسكيين إليها أصبح نسبة المنحدرين فيها من أصول موريسكية تزيد عن 50%، كمحافظة كفر الشيخ التي تصل احتمالية أن يكون أي من أبنائها من أصول مورسكية إلى 70 أو 80%.

في المغرب رأيت الشخصية الرئيسية لرواية (الموريسكي الأخير)، ورحت أشرد بخيالي معه عبر مئات السنين في جوف التاريخ، ليس فقط من جبال البشرات التي على مشارف غرناطة، والتي شهدت قيام أكبر ثورة للموريسكيين (1567ـ1570)، حيث استقل الموريسكيون عن الدولة الإسبانية لمدة ثلاثة أعوام، وعينوا ملكًا عليهم من سلالة بني أمية يدعى (محمد بن أمية)، وورثه قائد حرسه (محمد بن عبو).

وبعد موت الأخير دب الصراع بين الموريسكيين ولم يستطيعوا مقاومة الإمبراطور الإسباني (فيليبي الثاني) الذي وجه كل جيوشه وقواته للقضاء على البشرات وثورتها، وكانت النتيجة هي أسر موريسكيي البشرات، وتوزيعهم على قرى الشمال كي يذوبوا بين الإسبان، لكن ذلك لم يحدث.

فقد ظلوا كالشوكة في حلق الإسبان، ما بين تكوين تشكيلات عصابية على الطرق، وما بين ثورات صغيرة في القرى، وفي النهاية كانت ثورة بلنسية التي جعلت (فليبي الثاني) يوافق على قرار تهجيرهم.

هذا القرار الذي رفضه النبلاء لأن الموريسكيين كانوا الأيد الماهرة التي تزرع مقاطعاتهم، لكن تحمس له الكهنة والعسكريون، وانصاع (فيليبي) لهم؛ خوفًا من أن يأتي العثمانيون لنجدة الموريسكيين، ونزولًا على رغبة السعديين في المغرب بتهجير الموريسكيين لشواطئهم كي يستخدموهم في حروبهم لجب الذهب من وسط إفريقيا، حتى أن سلطان السعديين كان يلقب بالمنصور السعدي.

• المصدر: كتاب (من وحي رحلة).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى)